ألبوم الصور
القطيف قبل خمسين عاما
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273527
«الدوخلة».. قربان لعودة الحجاج إلى ديارهم
عبير جابر - « الشرق الأوسط » - 13 / 1 / 2006م - 5:11 ص

تتذكر أم عبد الله بكثير من الحنين والشوق الإحتفال المسمى «الدوخلة» الذي يوافق اليوم الأول لعيد الأضحى، فهذا العيد مناسبة عزيزة على قلوب المسلمين في أنحاء العالم، لها وقع مميز في منطقة القطيف كما في العديد من دول الخليج العربي كالبحرين والإمارات العربية المتحدة وقطر وسلطنة عمان. حيث كانت تقام في الماضي إحتفالية طفولية عفوية «كنا نتباهى بزراعة «الدوخلة» في مطلع شهر ذي الحجة لتكون جاهزة يوم عيد الحج»، وهي التسمية الأحب إلى الناس لعيد الأضحى المبارك، وتكمل أم عبد الله «حيث يتسابق الأطفال إلى البحر لرميها مع ترديد أهازيج الدوخلة التي كنا نحفظها عن ظهر قلب».

وتنشد أم عبد الله بما تذكره من لحن الأهزوجة «دوخلتي حجي بي، على مُجي (مجيء) حبيبي، حبيبي غايب مكة، مكة يالمعمورة فيها السلاسل والذهب والنورة». ولا تعرف هذه السيدة القطيفية سبب إنحسار هذه العادة، لكنها تبدي سرورها لإعادة إحيائها في أنحاء من القطيف.

فقد أعادت صورة الأطفال وهم يركضون نحو البحر لرمي الدواخل تكرر عصر يوم العيد هذا العام، حيث شهدت منطقة سنابس في القطيف، إعادة إحياء للدوخلة، في محاولة لتعريف الأجيال الجديدة عليها وحفظها للأجيال القادمة كموروث شعبي مهم. حيث يعترف الكثير من أبناء الجيل الجديد بأنهم لم يسمعوا عن «الدوخلة» ولا يعرفون ماهيتها.

فتوضح زينة أنها المرة الأولى التي تسمع عن هذا الطقس الشعبي المتوارث «لكنني فرحت بالتعرف على هذا التقليد الشعبي، وزرعت دوخلة لأخي ليرميها في البحر يوم العيد»، وتكمل متحسرة على الأيام التي مرت «دون أن نتمتع بممارسة هذه الطقوس بسبب الكثير من العوامل وأهمها مغادرتي للمنطقة لفترة طويلة أثناء وجود والدي في عمل بالخارج». لكن وداد المبارك عندما سمعت بالدوخلة سارعت إلى والدتها التي فسرت لها تفاصيل هذه العادة الخليجية التي اندثرت في بعض البلدان وما زالت تصارع للبقاء في أماكن أخرى «فاجأتني أمي بأنها تعرف الدوخلة ولمتها لأنها لم تعرفنا على تراثنا، لكنني وجدت في المهرجان المقام فرصة ملائمة لذلك».

فقد نشطت لجنة خاصة في منتدى سنابس الثقافي منذ شهر ونصف تقريباً، لتنظيم «مهرجان الدوخلة 1426» في عيد الأضحى المبارك وهو مهرجان تراثي للأطفال يهدف إلى تعريف هم بالتقليد التراثي المعروف بالدوخلة وجميع الجوانب المتعلقة بها كمادة تراثية يجب المحافظة عليها وتوريثها للأجيال القادمة. يوضح الأستاذ حسن طلاق رئيس اللجنة المنظمة والمشرف على المنتدى أن «المهرجان الإحتفال دعي إليه أطفال محافظة القطيف ككل حيث أن «أهالي الخليج كلهم يعرفون هذه المناسبة، وشارك فيه حوالي 300 طفل من مختلف أنحاء المنطقة، إلى جانب العديد من الكبار الذين أتوا لإستعادة ذكريات الماضي».

ويوضح طلاق أنه في السنوات الماضية «التجمع كان يتم بشكل عشوائي على البحر كما حصل في العام الماضي حيث يقصد الناس البحر بعد الغذاء ويقومون برمي الدواخل لكن بشكل فردي». ولأن الدوخلة كانت تقام على نطاق ضيق ومحدود من قبل بعض الأفراد «لاحظنا ذلك ورأينا اهتمام الناس بهذه العادة وقررنا تشجيعهم. كما لقينا منهم التشجيع عندما علموا أن المناسبة ستكون بشكل منظم وبمشاركة واسعة» يؤكد طلاق. وقامت اللجنة المنظمة بجمع المعلومات عن الدوخلة وأهازيجها «من المعاصرين لهذه العادة فالناس تحفظ الموروث وخاصة كبار السن ومنهم عرفنا الأهازيج والتفاصيل المختلفة، وصحيح أن الناس نسيتها لفترة لكن هناك من ما يزال يحفظها».

وهكذا شهد كورنيش سنابس احتفالية جميلة شارك الأطفال فيها بصنع دواخلهم وحملوها إلى الشاطئ، حيث لم يقتصر المهرجان على رمي الدواخل بل تضمن فعاليات منوعة منها الفقرات التراثية والعروض الفنية التراثية بمشاركة عدد من الفنانين. كما عرضت أهازيج خاصة متعلقة بالدوخلة بالمناسبة من أداء نخبة من الأطفال، كما أقيم على هامش المهرجان مرسم الطفل من وحي المناسبة.

ولكن ما هي الدوخلة؟ وما خلفية هذه الطقوس؟

الدوخلة في لهجة أهل القطيف تعني السلة أو القفة وهي وعاء من الخوص يستخدمه المزارع ليأكل منه التمر، في مزرعته أو بستانه، حيث يعلقه على جدار الكوخ بواسطة عصا. وتستخدم هذه الدوخلة للزراعة أو أي وعاء آخر كعلبة فارغة من علب الطعام المحفوظ أو سلال الخوص الصغيرة لكن يراعى أن تكون في حجم يستطيع الطفل أن يحملها معه.

يستذكر أهل القطيف أن «وقت عمل الدوخلة يكون مع انطلاق الحجاج لقضاء مناسك الحج أي في شهر شوال حيث كانت معظم القوافل تنطلق براً وتحتاج لوقت طويل للوصول إلى مكة». فكانت النسوة يصنعن الدوخلة لأطفالهن ليستذكروا بها الحاج الغائب حيث كان الطفل يردد أهزوجة «حبيبي غايب مكة» عند ريّها، فيرتبط بعلاقة جميلة مع هذه النبتة. ويردد الأطفال الأناشيد عند سقيهم لها ومنها :

دوخــلـــتـــي حــــجــــي بــــــــه      حــجـــي بــــــه حـــجـــي بــــــه
إلـــــى مـــكـــة إغــــــدي بــــــه      الــمــعـــمـــورة الــمــعـــمـــورة
فيها السلاسل والذهب والنورة      والــــــنــــــورة والــــــنـــــــورة
إشـربــي مـــن عــيــن خــايــس      خـــــــايــــــــس خــــــــايــــــــس
اشـــربـــي مــــــن الــطــوايــس      الـــطـــوايــــس الـــطـــوايــــس
طـــوايـــس بـــيــــت الــبــاشـــا      الـــــبـــــاشــــــا الـــــبـــــاشــــــا
يــــــــا مــنـــفـــر الــحــشــاشـــا      الــحــشـــاشـــا والــحــشـــاشـــا
يـــــــــا ســـلـــوقــــة الـــعـــيــــد      الــــــعــــــيــــــد الــــــعــــــيــــــد
اتــــــــودي بـــــــــي إبـــعـــيـــد      ابــــــعــــــيــــــد ابــــــعــــــيــــــد
إتـلـبـســه اثــيـــاب الـمـحـرمــة      واعقـال إجـديـد إجـديـد إجـديـد

وكانت تتم زراعة حبوب الشعير أو الحبة حمرة، أو أي من الحبوب في «الدوخلة» التي تملأ بالطين والسماد من روث البقر أو الغنم، لكي تنمو بسرعة وتسقى يومياً لتواصل نموها حتى يوم العيد. وهناك من يصنعها من سعف النخيل التي تباع في سوق الخميس بالقطيف.

وتشكل رعاية الطفل بنفسه لدوخلته جزء مهم من هذه العادة، إذ انه سيحرص كل الحرص على ريها وتعليقها في مكان معرض للهواء الطلق وتصله الشمس بشكل مباشر. كما يتابع بشكل يومي نموها ويصل بعضهم إلى حدّ إحصاء عدد أوراقها. ويعتني الطفل بدوخلته ويحافظ عليها وذلك من خلال سقايتها بالماء وتعريضها للشمس بشكل يومي حتى موعد توديعها ورميها في البحر ظهر يوم عيد الأضحى المبارك، فهو على الرغم من كل العناية التي أبداها بالدوخلة يكون مستعداً للتضحية بها ويرميها بنفسه في البحر متمنياَ بهذه التضحية عودة الحجاج سالمين. ويعتبر المحافظون على هذه العادة أنه بذلك تنمو في نفوس الأطفال روح المحافظة على ممتلكاتهم ورعايتها وكذلك التعود على التضحية من أجل الآخرين حتى بأغلى ما يملكون.

ويطلق على الدوخلة أسماء مختلفة في بعض المناطق حيث يسميها الناس في صفوى والجارودية « اسْعِــنــّة »، وتستبدل كلمات الأهازيج فعوضاً عن «دوخلتي حجي بي»، يقولون «اسعنتي حجي بي، اسعنه اسعنتي حجي بي. لا من إيجي حبيببي. حبيبي رايح مكة. مكة المعمورة فيها السلاسل والذهب والنورة. اسعنتي اشربي ماي. اشربي من ماء زمزم، اشربي من الطوايس».

وفي معظم دول الخليج تسمى الدوخلة «الحية بية»، وهو تقليد شعبي يحتفل به في يوم التاسع من ذي الحجة، أي يوم عرفة، ومنهم من يحتفل به يوم عيد الأضحى. ويقال بأن أصل «الحيّه بيه» هي «الحجي بيجي» كما في اللهجة العامية لأهل قطر والبحرين والإمارات، أي الحاج سيعود أو إنها تعني الحجة والمقصود القفة الصغيرة التي يقوم الأطفال بزرع البذور فيها. وفي الكويت أيضاً يسموها حجة، إنما يلفظونها «حية» ويوم رمايتها يقولون « يا حيتي، يا بيتي، حي (حجي) لأبوي، حي (حجي) لأمي، سبع حيات (حجات) ».

ويقال أن البعض أسموها «الضحية» والحجة وهناك من يسميها حجية وحاجية. وهناك مراسيم خاصة تبدأ منذ يوم زراعة النبتة، فكانوا يقولون عند ريّها:«أشربي من ماي زمزم، وأشربي من قطرة الدم»، ومنهم من يقول «ضحيتي ضحيتي، حجي بي حجي بي، إلى مكة إلى مكة، زوري بي زوري بي، وأشربي من حوض زمزم زمزم، وأشربي من نقعة الدم الدم، وزوري القبة المعمورة المعمورة، فيها السلاسل والدهب والنورة والنورة، فيها اعبيد ربي ربي يعشعش الضحايا، الضحايا الضحايا». والبعض يقول:«اشربي يالحاجية، اشربي من بير زمزم، اشربي يالحاجية، اشربي من قطرة الدم».

كما يردد بعض الأطفال أرجوزة ريّ أخرى «يا حيتي يا بيتي، راحت حيه، وجات حيه.. يا حيتي، غديتج وعشيتج يوم العيد لا دّعين علي.. حيه بيه، راحت حيه وجات بيه ..ياحيتي غديتج وعشيتج ونهار العيد قطيتيج ..مع السلامه يا حييتيه».

ولعل مشهد تجمع الأطفال بعد الغذاء في يوم العيد والذي تكرر هذه السنة، هو من أبدع المشاهد التي يجتمع فيها الأطفال في مهرجان تراثي، وقد ربط كل منهم «دوخلته» بخيط وأمسك بطرفها ويقفون مجموعات على شاطئ البحر أو بالقرب من إحدى عيون المياه الجوفية في الأماكن البعيدة عن البحر ثم يرمونها بعد أن يضعوا فيها بعض الرز، وهناك من يضع بقايا العظام من وجبة العيد أو حتى جزء من الوجبة نفسها.

وعلى الشاطئ تبدأ الأهازيج المنوعة للدوخلة، ويقال أن الأهزوجة أصلها حوار يدور بين الطفل الذي زرعها وبين الدوخلة أو «الحية بيه». فيكون الحوار عبارة عن طلب الطفل من نبتته أن تكون شاهدة لها وألا تدعُ عليها وهذا معنى «لا دَّعين علي»، لأن الصغيرة قامت بتغذيتها «غديتج، وعشيتك» ، ثم تُذكر الصغيرة حيتها بأنها مع رعايتها لها إلا أنها سترميها في البحر وهو ما تعنيه كلمة «قطيتيج».

وأثناء الغناء يحرك الأولاد دواخلهن يمنة ويساراً وفق إيقاع الأغنية ثم يلقون هذه الأوعية بما فيها من زرع في البحر، أو من المكان المرتفع طالبين أن تتحقق أمنياتهم بقدوم العيد. فالأهزوجة فيها توسل وتذكير بأن الطفل قام بواجب الإكرام لهذه الدوخلة فأعطاها من غدائه وعشائه وبالتالي يطلب منها أن يكون يوم العيد يوم سرور وليس حزن لعدم رجوع حجاجه بالسلامة .

ومن الأهازيج التي تقال:

دوخلتي حجي بي حجي بي، لامن يجي حبيبي حبيبي، حبيبي راح مكة مكة، أو مكة المعمورة المعمورة، فيها السلاسل والذهب والنوره والنوره، حجيت بش ييمة، راويتش قبر محمد، صلوا عليه وسلم، ياليتها لومية، مزروعة في البستان، يقشرها عبد الله، وياكلها سلمان، سلمان يابو جوخة، يمراطن العجمان، طلوا خواتي طلوا، شوفوا البحر طميان، شوفوا شراع أبيي، ابيض من القرطاس، شوفوا شراع العدو أسود من الطفو، عندي طوير احمر، وأسكره بالسكر، سكر على سكر، وغضارتين صيني، يارب تهديني، وأحج بيت الله وأقرأ الفلافيني، يا ميقعة المحلب، خليني بتدحلب، بدحلب الصواني، ياسلوقة العيد العيد ودي أبيي بعيد أبعيد، أو حججية أوزورية، أو جيبيه بالسلامة، سلامة الغنامة.

وفي أهزوجة أخرى تتغير بعض الكلمات فيقال «دوخلتي دوخلتي حجي بي حجي بي حجي بي، وريتها حبيبي حبيبي حبيبي، حبيبي راح لمكة لمكة لمكة، ومكة المعمورة المعمورة لمعمورة، فيها السلاسل والذهب ونوره ونوره ونوره، حجيتك يا يمه يا يمه يايمه، راويتك قبر محمد محمد محمد، اصلي عليه وسلم وسلم، مشيت أنا وراها وراها، واحسب لخطاها خطاها، خطاها حبيب رمان رمان، من رمان البديعه بديعه، زهراء وديعه وديعه».

ومن أهازيج «الحية بيه» يوم رميها يردد الأطفال «حيـّه بيـّه راحـت حيـّه ويـات حيّـه، على درب الحنيـنيـه، يـا حيّتـي حيّـي بـي، بيـت مكـه دقـي بـي، أشـربي من مـاي زمزم، وادعـي لديارنـا تسلـم، حيّه بيـّه راحت حيّـه ويـات حيـّه، على درب الحنـينيـّه، وش تاكلـون لحم طيـور، وش تشربون نقطة عسل، يارب أعيادنـا دوم مّتابعـة، وفرحة عدونا في البحر طابعة، عشيتـج غديتـج نهار العيد لا دعّين عليه، مع السلامـة يا حيّتيـة أمنتج الله وابـري ذمّتيـه».

وهناك نص آخر يقول «يـا حيّتــي حييّـنـاك، عشينـاك وغدّينـاك، وليـلــة العيـــد، على الرملـة رمينــاك».

والبعض في البحرين يقول «الله وياش ياضحيتي، الله وياش ياضحيتي، حلليني وابري دمتي، حلليني وابري دمتي». ومنهم من يقول:«مع السلامة يا ضحيتي، مع السلامة يا ضحيتي، حلليني وابري دمتي، حلليني وابري دمتي».