ألبوم الصور
من المعرض الحسيني الفني
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273781
كيف تربي طفلك تربية سليمة 2
واحة القطيف - 12 / 2 / 2004م - 5:42 ص


سابعاً : الحرية في اللعب

اللعب إستعداد فطري عند الطفل يتم من خلاله التخلّص من الطاقة الزائدة، وهو مقدمة للعمل الجدي الهادف، وفيه يشعر الطفل بقدرته على التعامل مع الآخرين، وبمقدرته اللغوية والعقلية والجسدية، ومن خلاله يكتسب الطفل المعرفة الدقيقة بخصائص الأشياء التي تحيط به، فللعب فوائد متعددة للطفل وهو ضروري للطفل في هذه المرحلة والمرحلة التي تليها، فالطفل يتعلم عن طريق اللعب عادات التحكم في الذات والتعاون والثقة بالنفس ... والألعاب تضفي على نفسيته البهجة والسرور وتنمي مواهبه وقدرته على الخلق والابداع، ومن خلال اللعب يتحقق النمو النفسي والعقلي والإجتماعى والإنفعالي للطفل، ويتعلم الطفل من خلاله المعايير الإجتماعية، وضبط الإنفعالات والنظام والتعاون، ويشبع حاجات الطفل مثل حب التملك، ويشعر الطفل بالمتعة ويعيش طفولته.

ومن فوائد اللعب أيضا تدريب الطفل على الإستقلال في الإرادة، وإحياء حس الإبتكار فيه.  فعندما يحفر الطفل على كومة من التراب بئراً، أو يبني غرفة صغيرة فإن قواه العقلية تعمل كما يعمل المهندس المعمار فيتلذذ لنجاحه وعندما يلاقي بعض الموانع في عمله فتنهدم البئر أو تنهار الغرفة، يحاول تدارك ذلك بالبحث عن علاج فوري ... هذه النشاطات تساعد على الرُشد الفكري وتكامل الشخصية عند الطفل، فإذا سخر الأب أو الأم منه، ونسبوا أفعاله إلى العبث والسفه كان في ذلك إهانة وتحقير له، وكبت لمواهبه وقابلياته.

فاللعب حاجة ضرورية للطفل، فلا يمكن أن نتصور أو نرى طفلاً لا يلعب، وحتى الأنبياء والصالحين فإنهم مرّوا في مرحلة اللعب وإن إختلفوا عن الآخرين في طريقة وأسلوب اللعب، ولذا جاءت الروايات لتؤكد على إشباع هذه الحاجة، قال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: (دع إبنك يلعب سبع سنين)، وعن أمير المؤمنين علي عليه السلام: (يرخى الصبي سبعا).  فالروايات تؤكد على أن مرحلة ما قبل الثامنة من العمر هي مرحلة اللعب، وعلى الوالدين أن يمنحا الطفل الحرية في اللعب دون ضغط أو إكراه، بإستثناء الألعاب الخطرة التي يجب إبعادها عن الطفل أو إبعاده عنها .

واللعب وسيلة من وسائل التربية والإعداد للعمل الجدي فهو وسيلة لفهم نفسيات الأطفال، والوقوف على إستعداداتهم، ووسيلة لتعليمهم وتربيتهم إجتماعياً وخلقياً.  ويعتبر لعب الأطفال تعبيراً حقيقياً عن سلوكهم السوي أو المضطرب، فالطفل أثناء لعبه يعبر عن مشكلاته وصراعاته التي يعاني منها، ويسقط ما بنفسه من إنفعالات تجاه الكبار على لعبه.

ومن هنا فعلى الوالدين مراقبة الأطفال في لعبهم دون أنْ يشعروا بالمراقبة، فسيحصلون على معلومات متكاملة عن جميع الجوانب لدى الطفل، في التفاعل الإجتماعي بينهم، وملاحظة الأحاديث والإنفعالات التي تصاحب اللعب، وملاحظة أسلوب تعبير الطفل عن رغباته وحاجاته ومخاوفه ومشكلاته، وخصوصاً في حالة التكرار المتزايد، وملاحظة سلوك الاطفال من حيثُ اللين والعنف، والإضطرابات العاطفية، وملاحظة آرائه بوالديه، وخصوصاً في حالة تمثيل الطفل لدور الأب أو دور الأم، ومن خلال المراقبة والملاحظة يمكن التعرّف على نموه اللغوي والعقلي والعاطفي، ويأتي دور الوالدين بعد المراقبة في وضع منهج متكامل للتوجيه والتربية ينسجم مع حالة الطفل العاطفية والنفسية والعقلية، والملاحظة والمراقبة غير المباشرة تٌجدي نفعاً أكثر من الملاحظة والمراقبة المباشرة عن طريق المشاركة في اللعب، لاَنّ الطفل في هذهِ الحالة المباشرة يخفي كثيراً من عواطفه وآرائه وتصوراته خجلاً من والديه أو خوفاً منهم .

وتقول إحدى نصائح الطفل بضرورة أن تلعب الأم مع طفل مدة لا تقل عن عشر دقائق يومياً تلبية لحاجة روحية في نفسه.  والطفل المعروف عنه أنه لا يطيق مفارقة الأم له، فخلال فترات عيشهما سوية تبدأ هذه الرابطة تتضاءل قليلاً في نفسه كلما إجتاز مرحلة من الوعي بمحيطه العائلي أو الإجتماعي بين أقرانه من الأطفال الآخرين.  وإن من شروط صقل مواهب الطفل ونموه بشكل صحيح وسليم دون منغصات تربوية هو الاهتمام بمنحه أكبر فسحة من اللعب البريئ مع مشاركته في أداء بعض الأعمال المنزلية البسيطة التي يمكن تعويده عليها تدريجياً.

وأفضل طرق المشاركة في اللعب أن يتكلم الوالدان مع الأطفال بالكلمات والعبارات التي يفهمونها والمتناسبة مع مستواهم اللغوي والعقلي، وبمعنى آخر أن يتصرّف وكأنّه طفل، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان عنده صبي فليتصابَّ له).  وقد أكدّ علماء التربية هذه الحقيقة، يقول (موريس تي يش (: (يجب أن تسلكوا مع أولادكم كأصدقاء، أن تعملوا معهم، أن تشاركوهم في اللعب ... أن تتحدثوا معهم بعبارات الودّ والصداقة... إنّ الفرد يجب أن يعرف كيف يجعل نفسه بمستوى الأطفال ويتكلم بلغة يفهمونها
واللعب مع الأطفال يمنحهم الإحساس بالمكانة المرموقة ويُدخِل عليهم البهجة والسرور فيجب على الكبار الخضوع لرغبة الصغار إذا طلبوا منهم اللعب معهم).
 
إن تأمين إحتياجات الطفل الجسمانية والتربوية والنفسية يحقق للطفل حالة من توازنه النفسي وهذا ما يجعل إرتباط الأم به أكثر من الأب بحكم تواجدها المستمر في البيت مع طفلها حيث تكون مرشدة وحامية له في آن واحد وموجهة لتصرفاته ومنمية لطاقاته في الحركة من أجل وضع اللبنات الناجحة الأولى لحياته التي تشكل ألعابه المناسبة سبباً في أن يكون الطفل على أفضل سلوك مطلوب، وتتنوع أنواع الألعاب المناسبة لكل طفل بحسب المرحلة العمرية التي يمر بها فمثلاً:

-  منذ الولادة و حتى عمر السنة: يجب أنا تحاكي اللعبة حواس الطفل كالسمع والبصر والحس مثل: الخشخيشة، دمى البلاستيك، الألعاب القماشية القابلة للغسل، ألعاب متحركة ولكن لا تصل لها يد الطفل، والألعاب التي تصدر صوتاً عند عصرها أو تحريكها.

-  من عمر سنة إلى عمر سنتان: هنا يجب أن تلبي الألعاب طبيعة الطفل المحبة للإكتشاف: مثل الكتب البلاستيكية ذات الصور الكبيرة، سيارات الأطفال، المكعبات، الألعاب ذات الخيط المطاطي بشرط أن يكون هذا الخيط قصيراً قدر الإمكان، تلفون الأطفال والألعاب الموسيقية.

-  من 2 إلى 5 سنوات: يجب أن تبدأ اللعب هنا بمحاكاة سلوك الكبار نوعاً ما مثلاً: الكتب ذات القصص القصيرة، اللوح والطبشور، تركيب المكعبات، أقلام تلوين غير سامة، أدوات منزلية، ألعاب الحديقة مثل صندوق الرمل والزحليطة والدراجة ثلاثية العجلات أو السيارة .

-  من 5 إلى 9 سنوات: يجب أن تكون الألعاب هنا مساعدة على تنمية ذكاء و إبداع الطفل مثل: أدوات الطبيب والممرضة، الدراجة ثنائية العجلات، القطار الكهربائي، نط الحبل، كرة القدم، تركيب الألعاب، الجرافة.

-  من 10 إلى 14 سنة: تكون الألعاب العلمية والمناسبة لموهبة الطفل مناسبة لهذه الفئة من الأطفال: مثل ألعاب الكومبيوتر، المجهر والمكبرة، ممارسة الرياضة، وهواية جمع بعض الأمور المفضلة مثل قطع النقود أو الطوابع.

ولكن حذاري من ..

-  الألعاب الإلكترونية الحديثة التي قد تنمي في الطفل غريزة العنف والأنتقام
-  أفلام الكارتون التي قد تجعل الطفل يتلفظ بألفاظ بديئة كالغبي والحقير وووو

ثامناً : التربية الجنسية وإبعاد الطفل عن الإثارة

لقد أولى الإسلام في منهاجه التربوي عناية فائقة للفترة الواقعة بين السادسة والعاشرة من عمر الأطفال، فقد أورد جميع التعاليم الضرورية في مراقبة الميل الجنسي وإيجاد ملكة العفة، في خصوص هذه الفترة.  لقد راعى الإسلام في منهاجه التربوي الإنسجام الكامل بين قوانينه التشريعية والقوانين التكوينية، وحقق بذلك الوسائل الممهدة لجمود الميل الجنسي عند الأطفال في الفترة المذكورة، فقد جنّبهم عن كل عمر مثير يؤدي إلى نضج النشاط الجنسي قبل أوانه، وأوجب على الأباء والأمهات إهتمامهم بإيجاد الجو المناسب لبقاء هذا النشاط مجمداً حتى يحين موعد نضجه.

والتربية الجنسية من أصعب وأعقد أنواع التربية، وهي من الظواهر التي تسبب إحراجاً للوالدين، وتتنوع طريقة التربية تبعاً للمنهج الذي يتبنّاه الوالدان وتبعاً للعادات والتقاليد الحاكمة على المجتمع، وتبعاً لدرجة الإدراك والوعي التي يحملها الوالدان، ولذا نجد إفراطاً أو تفريطاً في كثير من أساليب التربية الجنسية، والطفل سواء كان ذكراً أم أنثى يبدأ بالتساؤل عن كثير من الأمور المتعلقة بالجنس، فيتساءل عن كيفية خلقه في بطن أُمّه، وإختصاص الأم بالحمل دون الأب، وكيفية الولادة، ويتساءل عن عدم الحمل عند الطفلة الصغيرة أو المرأة غير المتزوجة، ويتساءل عن الفرق بين الذكر والأنثى وعن سببه، إضافة إلى العديد من الأسئلة، ومن العقل والحصانة أن يعتبر الوالدان أنّ هذهِ الأسئلة طبيعية، فلا يظهروا مخاوفهم منها، والأفضل عدم منع الطفل من هذه الأسئلة لأنّه سيبحث عن الإجابة من غير الوالدين فتسبب له إتعاباً وإنزعاجات وقلقاً إن كانت إجابات غير شافية أو إجابات صريحة، فعلى الوالدين أن يكونا على إستعداد تام لمساعدة الطفل بإجابات معقولة مريحة تشبع فضولهم وتقطع تساؤلاتهم بعد الإقناع والوثوق بها، على أن تكون منسجمة مع فهم الطفل وإدراكه ودرجة تقبله، وعلى سبيل المثال إن سأل عن الحمل فيكون الجواب (إن الله تعالى يضع الطفل في بطن أمه)، وإن سأل عن الإختلاف بين الجنسين يكون الجواب (أنتَ مثل والدك، وأنتِ مثل والدتك) أو يقال له (لقد خلق الله الأولاد مختلفين عن البنات)، وأن تكون الإجابة بشكل طبيعي بعيداً عن القلق والإضطراب بل بشكل هادئ لا يفهم الطفل من خلالها أنّ سؤاله والجواب عنه غير طبيعي لأنه يدفعه للبحث بنفسه عن الجواب، وسنستعرض هنا نماذج لبعض الأسئلة التي قد يطرحها الطفال بحسب مراحلهم العمرية:

الاسئلة التى يطرحها في كل مرحلة:

-  من عمر 3 إلى 6 سنوات: سيستفسر عن كيفية الولادة والحمل والفرق بين الذكر والانثى وكيفية تكوّن الجنين داخل الرحم؟؟  للإجابة على أسئلته أخبرية أن هناك جزءاً معيناً من الأب يعطيه للأم والله تعالى يضع فية الروح ويكبر، والله يُعلم الأب كيف يعطي هذا الجزء … أما عن خروج الجنين فيمكنك القول بان هناك فتحة أسفل بطن الأم يخرج منها الجنين.

-  من عمر 7 إالى المراهقة:  بالنسبة للفتاة عليك التوضيح لأبنتك أن الله أعطاها هذا الجسد لتحافظ عليه ولا أحد غريب يجب ان يلمسه،   وفي عمر التسع سنوات عليك التوضيح والتمهيد لها عن التغيرات التى ستحدث لجسمها عند البلوغ حتى لا تنصدم.  لذا عليك أن تخبريها عن الحيض بطريقة إيجابية أي أنها ستدخل عالم الكبار وعليها أن تشعر بالفخر وإبتعدي عن السلبية كإخبارها أنه هم ودونية، وعلميها كيفية الإغتسال والطهارة وأمور الصلاة والصيام ومسك المصحف .. فكم من فتيات لم يتحدثن مع أمهاتهن عن هذه الأمور تعذبن عندما جاءهن الحيض فإعتقدن أنه مرض أو أنه نزيف.

بالنسبة لفتى فعليك إخباره عن السائل المنوي وأنه قد يقذف في نومه وهوشيئ طبيعي يدل على الرجولة، وأيضاً حدثيه عن أمور الطهارة والغسل.

وهنالك رغبات عند الأطفال يجب أنْ تُعالج بصورة هادئة ومرنة دون تزمّتٍ بإستخدام التأنيب أو الضرب، ففي المرحلة التي تقع بين السنة الثالثة والخامسة أو السادسة من العمر يميل الأطفال إلى "التلذذ بعرض أجسامهم من حين لآخر"، وبعض الأطفال يعبثون باللعب بأعضائهم التناسلية، فعلى الوالدين إبعادهم عن ذلك بالأسلوب الهادئ وإشغالهم بشيئ آخر، وعليهم أن لا يتعرّوا أمام الأطفال، فإن معظم الأطباء النفسيين قررّوا من واقع خبراتهم وتجاربهم أن عري الأبوين وكشفهم لما يجب أن يستر، أمر مزعج للطفل، ويعلّق الدكتور (سپوك) على ذلك قائلاً: (أقترح على كلِّ الآباء والأمهات، أن يراعوا ذلك ويستروا ما يجب أن يستر إلى الحد المعقول في وجود الطفل دون أن يحيطوا الاَمر بهالات الإنزعاج العفوية التي تحدث في كلِّ أسرة).

وأغلب الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة -من العام الرابع حتى السادس- تصبح عندهم أعضاء التناسل منطقة مولدّة للذ، ثم تأتي بعدها مرحلة الكمون.، ولهذا حذر أهل البيت عليهم السلام من إثارة الطفل الجنسية في هذه المرحلة، وأفضل طريقة لإبعادهم عن الإثارة الجنسية هو إبعاده عن رؤية المباشرة بين الوالد والوالدة، فعن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (والذي نفسي بيده لو أنّ رجلاً غشي أمرأته، وفي البيت صبي مستيقظ يراهما ويسمع كلامهما ونَفَسَهُما ما أفلح أبداً إن كان غلاماً كان زانياً، أو جارية كانت زانية)، وقال الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام: (لا يجامع الرجل إمرأته ولا جاريته، وفي البيت صبي فإن ذلك ممّا يورث الزنا)، فالطفل في هذه المرحلة يحاكي سلوك الأبوين ويقلدّهم فيعمل ما يعمله أبواه، وبما أن اللعبة المفضلة في تلك الأعمار هي لعبة "العريس والعروسة" لذا فإنّ الأطفال سيمارسون في لعبهم ما شاهدوه من ممارسات جنسية من قبل الوالدين، وقد يستمرّون عليها في مراحل العمرالمتقدّمة.  فيجب على الوالدين التجنّب عن ذلك، والتجنب عن مقدماته كالتقبيل وغيره، ومن الخطأ الفاحش الذي يقوم به بعض الوالدين هو التحدث عن أمور الجنس أمام الأطفال في بعض المناسبات، فإن ذلك يدفع الأطفال إلى زيادة فضولهم، وعلى الوالدين إن يحتاطوا في إجراء المباشرة حتى في حالة نوم الطفل خوفاً من إستيقاظه فجأة، فإنّ ذلك يولد في أعماقه صدمة نفسية تبقى كامنة في اللاشعور.

ولقد أهتم الإسلام كثيراً بمنع الكبار من القيام بما من شأنه إثارة الميل الجنسي عند الأطفال وفي هذا يقول القرآن الكريم (يا أيّها الذين آمنوا، ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، ثلاث عورات لكم).  إن الله تعالى يأمر المسلمين في هذه الآية الكريمة بضرورة إستئذان عبيدهم وأطفالهم غير البالغين عليهم قبل دخول الغرفة في ثلاث أوقات هي: قبل النهوض لصلاة الصبح، وعند الظهر حيث يتخفف الإنسان من ملابسه، وبعد صلاة العشاء حيث يستعد للنوم، فهذه الأوقات الثلاثة عورة للمسلمين، ولا يجوز للأطفال الدخول على أبويهم فيها لأنهم في الغالب متخففون عن ملابسهم، وقد يكونون عراة.

وعلى الوالدين أن يراقبوا سلوك أبنائهم وطريقة ألعابهم، وخصوصاً في أماكن إختلائهم بعضهم بالبعض الآخر . ويجب على الوالدين وقاية الأطفال من الإثارة الجنسية، وهو التفريق بينهم في حالة المنام، بأن توضع فاصلة بينهم فلا ينامون تحت غطاء واحد بحيث يحتك جسم أحدهم بالآخر، وقد وردت عدة روايات تؤكد هذه الوقاية، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (يفرّق بين الصبيان في المضاجع لست سنين)، وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وآله: (فرّقوا بين أولادكم في المضاجع إذا بلغوا سبع سنين) والتفريق هنا مطلق بين الذكور والذكور، وبين الإناث والإناث ، وبين الذكور والإناث .

وفي وقتنا الحاضر وبعد إنتشار أجهزة السينما والتلفزيون والفيديو تكون الحاجة شديدة إلى إبعاد الطفل عن الإثارة الجنسية، ويجب على الوالدين في البلدان التي لا تتبنى الإسلام منهجاً لها في الحياة، وتعرض الأفلام المثيرة، أن يقوما بجهدٍ إضافي في مراقبة الأطفال ووقايتهم من النظر إلى هذه الأجهزة حذراً من مشاهدة الأفلام غير المحتشمة، وفي الخصوص في البلدان التي ترى أن أفضل أسلوب لتحرير الأطفال من الكبت المستقبلي هو عرض الأفلام الجنسية.  وقد أثبت علماء النفس والتربية صحة النظرية الإسلامية في ذلك فالدكتور (سپوك) الأمريكي يقول: (إن النسبة المعتدلة من التحريم التي فرضت علينا جميعاً اثناء الطفولة والتي نقلناها نحن بدورنا إلى إبنائنا، تلعب دوراً إيجابياً، في تحرير عقل الطفل في أثناء سنوات الدراسة للتفرغ لاهتمامات غير ذاتية مثل الكتابة والقراءة والحساب) ولذا نراه ينتقد الممارسات الخاطئة في أمريكا وهو عري الرجال وعري النساء على الشواطىء الامريكية .

إن جميع السنن الكونية والقوانين الطبيعية في العالم قائمة على أساس الحكمة والمصلحة، وإن التخلّف عن كل منها والخروج عليها يتضمن نتائج وخيمة، ويستتبع جزاءً معيناً.  وضمور الميل الجنسي عند الأطفال في الأعوام السابقة على البلوغ، من القوانين الإلهية الحكيمة المودعة في نظام الخلقة.  إن قوى الطفل تستغل الفرصة في أيام ضمور الميل الجنسي، فتعمل على تنمية جميع الأنسجة والأعضاء بصورة جيدة، وتبلغ بالطفل إلى النمو المناسب، والكمال اللائق له، وبذلك تعدّه لتقبل البلوغ.  وعندما تظهر الغريزة الجنسية من خلف الستار، وتندلع نيران الشهوة من تحت الرماد يكون جسد الطفل قد إستكمل بناءه، وإستعد لتقبل هذا التحول مع توفر جميع الشروط المناسبة، عندئذ يطوي مرحلة الطفولة دون أي خطر ومع أسلم وضع طبيعي، ويصل إلى المرحلة الثانية من حياته وهي مرحلة البلوغ.

إن الآباء والأمهات الذين يرغبون في أن يكون نمو أطفالهم مسايراً لقانون الفطرة والأشخاص الذين يريدون أن يطوي أولادهم مرحلة الطفولة بسلام ويبلغوا بصورة طبيعية، عليهم أن ينفذوا تعاليم الإسلام بصدد إبقاء الميل الجنسي عند الأطفال مجمداً، ويبعدوهم عن القضايا المثيرة للشهوة.

الإنحراف الجنسي من الصفات الذميمة عند الإنسان، والتي لا تنسجم والمقاييس الفطرية، ولا تتلاءم مع الفضائل والآداب.  إن الطريق الصحيح لإرضاء الميل الجنسي في قانون الطبيعة والشريعة عبارة عن إكتفاء الرجال البالغين، وإكتفاء البالغات بالبالغين، ويشبع كلاً غريزته الجنسية بواسطة الطرف الآخر.  لكن قد ينحرف بعض الأفراد في طريق إشباع رغباتهم الجنسية عن صراط الفطرة المستقيم، ويستجيبون لميولهم الجنسية بطرق غير طبيعية ... هؤلاء هم الذين سماهم القرآن الكريم بـ "العادين" أي المتجاوزين (والذين هُم لِفروجهم حافظون إلاّ على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهُم غير ملومين فمن إبتغى وراء ذلك فأولئك همُ العادون).

ومن العوامل التي تؤدي إلى إنحراف الميل الجنسي عن الصراط المستقيم للفطرة، الخواطر المستهجنة الحادثة في دور المراهقة، ومشاهدة المناظر المنافية للعفة.  إن الغريزة الجنسية للشاب غير البالغ مجمدة بصورة طبيعية، فإن إنسجمت التربية العائلية التي يتلقاها وهذا الجمود، ولم يواجه الطفل المناظر المثيرة، نما بصورة طبيعية بعيداً عن الإضطرابات الجنسية.

إن الرغبات والإستياءات التي تؤثر في روح الطفل، والكلمات الطيبة أو البذئية التي تطرق سمعه، والمناظر القبيحة أو الجميلة التي يشاهدها تؤثر في باطنه، ثم تظهر نتائجها من خلال سلوكه وأقواله وأفعاله عندما يصبح عضواً بارزاً في المجتمع.

الأسر التي لا تلتزم بالعفة الجنسية ولا تتورع من القيام بالأعمال المنافية للاخلاق والآداب أمام الأطفال غير البالغين...  الآباء والأمهات الذين لا ينقادون للقوانين الفطرية في تجميد الميل الجنسي عند الأطفال، بل يثيرون الغريزة الكامنة في أولادهم بسلوكهم الأهوج، ويحملونهم على التفتيش والبحث عن الأعمال والنشاطات الجنسية المختلفة...  وبصورة موجزة: الأشخاص الذين يعدّون وسائل الإثارة الروحية في أطفالهم تجاه القضايا الجنسية، ويوجدون في أذهانهم صوراً للخواطر القبيحة ... هؤلاء جميعاً يتسببون في الإنحراف الجنسي لأطفالهم عندما يكبرون، فنراهم - بعد أن أصبحوا رجالاً يحتاج إليهم المجتمع في إلقاء قسط من عبأ المسؤولية على عواتقهم ـ غير جديرين بذلك.
 
والمظهر الآخر من عوارض الإثارة الجنسية عند الأطفال قبل بلوغهم، العقد التي تنشأ عند الكبار بسبب من كبت الميول في أيام الطفولة.  إن الطفل حر في أقواله وأفعاله قبل البلوغ، لا يحاسبه القانون ولا المجتمع على سلوكه، فإن كان أبواه عفيفين وكان المحيط التربوي طاهراً تربى على أحسن ما يرام، وعبر مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ بإستقامة وسلام، أما إذا كان المحيط التربوي فاسداً وكان أبواه غير عفيفين فإنه يتعرض للأخطار والمشاكل العديدة.  إنه يتأثر بمشاهدة الأعمال الفاسدة والحركات المنافية للعفة الصادرة من أبويه، فينشأ على الرذيلة والإنحراف، وسيكون إصلاحه بعد البلوغ صعباً جداً، عند ذاك يكون معرضا للتلوث بالذنوب والجرائم والسيئات الخلقية.

ثم إن الأعمال المثيرة الصادرة من أبويه، وكذلك المحيط الفاسد الذي يعيش فيه تؤدي إلى إثارة الميل الجنسي عنده وهو بعد لم يبلغ، وطفل كهذا عندما يبلغ ويصبح عضواً مستقلاً في المجتمع يلاقي مشاكل وصعوبات كثيرة، ويواجه عقداً نفسيه عديدة فمن حيث أنه نشأ على التربية الفاسدة في طفولته يرغب في أن يكون حراً في الإستجابة لميوله وأهوائه، لكن القيود الإجتماعية التي تلزمه بمراعاة المصالح العامة وإتباع المقررات العقلية تجبره على التخلي عن ميوله المنحرفة، ولا شك أن هذا الفشل في تحقيق حريته يؤدي إلى نشوء عقدة جنسية في روحه.  ومن جهة أخرى فإن إنساناً كهذا يتألم من الأعمال القبيحة التي أرتكبها قبل بلوغه، ولذلك يصاب بعقدة الحقارة، إنه يشعر بالضعة والدونية عندما يتذكر ما جرى عليه، ولذلك فهو يحاول التخلص من تلك الخواطر قدر المستطاع.

والخلاصة .. إن الميل الجنسي للأطفال في الأعوام السابقة للبلوغ تعيش في حالة من الجمود والضمور بصورة طبيعية وعلى الوالدين أن ينقادا في منهجهما التربوي لقانون الفطرة، ويوجدا الظروف الصالحة لتربية الطفل بصورة تساعد على إبقاء الغريزة الجنسية جامدة ومضمرة.  إن الأطفال الذين لاقوا إثارات فاسدة لغرائزهم الجنسية قبل دور البلوغ على أثر إنحراف البيئة التي عاشوا فيها يصابون بالعقد النفسية، والمشاكل الروحية، والإنحرافات الخلقية العديدة بعد البلوغ.

وهذه إعادة وتأكيد لبعض النقاط الهامة التي أُدرجت سابقاً والتي يجب ان تؤخذ بعين الإعتبار:

-  عدم الهروب من الأسئلة، لأن ذلك سيدفعهم ليفتشوا عنها فى المجلات والأقران والتلفاز والإنترنت، وللأسف هذة الوسائل تصور الجنس بصورة دنيئة وعدوانية.
-  عليك أعطاءهم المعلومات على دفعات وليس مرة واحدة مرة عن طريق كتاب وأخرى عن طريق شريط.
-  الإسلام ينظر لغريزة الجنس كغيرها من الغرائز وهو ليس موضوع محرم فى الاسلام.
-  عدم إظهار الوالدين جسدهما عاريا .. وستر ما يمكن ستره .
-  عليك إتخاذ الحيطة والحذر من إستيقاظ إبنك بالليل فجأة.
-  عليك مراقبة لعب أولادك مع بعض وخاصة فى خلوتهم.
-  الإبتعاد عن جعل الأولاد والبنات ايضاً ينامون مع بعض تحت غطاء واحد.
-  عدم عرض المناظر الإباحية أو الأفلام.
-  في النهاية عليك الإجابة عن الأسئلة دون عصبية، ولا تعتقدي ان كثرة الأسئلة نتيجة لشذوذ أو قلة أدب وإنما للمعرفة، إستغلى الفرصة بما أن أولادك يلجأون إليك ولا تتركيهم لغيرك لأخذ المعلومات..

تاسعاً : تنمية العواطف

إن رعاية عواطف الناس أحد الفصول المهمة في التربية الإسلامية فهناك مئات الآيات والأحاديث في موضوع الأخلاق الفاضلة والبذئية في الإسلام، ورعاية عواطف الناس وحب بعضهم لبعض من المسائل التي أكد الأئمة عليهم السلام عليها كثيراً، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (يحق على المسلمين الإجتهاد في التواصل والتعاون على التعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض )، وفي حديث آخر عن عبدالله بن يحيى الكاهلي قال سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : (تواصلوا، وتبارّوا، وتراحموا، وتعاطفوا).

هناك ميول مختلفة مودعة في قوام الإنسان في روحه وجسده، ولكل منها دور فعال في ضمان سعادته، ومن الضروري أن تلبّى جميع الميول بالصورة الصحيحة حتى يصل الإنسان إلى الكمال اللائق به. إذ لا ينبغي حصر الإنسان في واحد أو طائفة من الميول الخاصة، وتجاهل سائر الإحتياجات الفطرية.  الإنسان يميل طبيعياً إلى الغذاء ويجب إشباع هذا الميل، ولكن سعادة الإنسان لا تنحصر في الغذاء، والإنسان يميل بفطرته إلى الجنس ويجب إشباع هذه الغريزة ولكن قوام الإنسان لا يقوم على الجنس فقط، والإنسان يملك ثروة العقل العظيمة ويجب تنميتها وصيانتها عن طريق التفكير والتعلم ولكن الإنسان ليس عقلاً فقط، وكذلك العواطف والمشاعر فإنها من الثروات الفطرية للإنسان، ورعايتها بالصورة الصحيحة من أهم أسس سعادته، ولكن ليس الإنسان مكوناً من العواطف والمشاعر فقط.

بالرغم من أن كلا من الثروات الفطرية والميول الطبيعية المودعة في باطن كل إنسان، يلعب دوراً خاصاً في التخطيط لسعادة الإنسان وشقائه فإن ما لا مجال لشك فيه هو أنها ليست متساوية الأثر في تحقيق السعادة أو الشقاء، إذ قد تختلف الآثار الطيبة أو الشريرة لكل منها.

إن العواطف والمشاعر من الأمور الفطرية التي تتسع دائرة تأثيرها في حياة الانسان وتكون لنتائجها الخيرة أو الشريرة أهمية فائقة، ذلك أن أعظم القوى المحركة في عالم الإنسان وأقوى العوامل المحفزة للفرد والمجتمع عبارة عن العواطف والمشاعر.  إن أكثر الحوادث العظيمة التي وقعت في العالم على مر القرون تعود في جذورها إلى مشاعر الناس، فالحروب الدامية والمطاحنات المتواصلة، والجرائم المذهلة، والأعمال اللإنسانية تنبع من المشاعر في الغالب، وكذلك تضحيات الأبطال والمخلصين في سبيل أهدافهم ومظاهر الإحسان والكرم، ومساعدة الفقراء، ورعاية الأيتام تملك جذوراً عاطفية أيضاً.

فلو إفترضنا أن مشاعر الناس وعواطفهم في بلدٍ ما قد وجهة توجيهاً صحيحاً، فإن ذلك البلد يصبح كالنعيم الخالد مهداً للسعادة والرخاء، فيكون بلد العطف والمحبة، وبؤرة الوفاء والود وعلى العكس فإن عدم توجيه مشاعر الناس في بلد آخر نحوالأهداف الخيرة والغايات الإنسانية يؤدي إلى نشوء بركان من النقمة والفوضى وإنتشار العداوة والفساد بين الجميع، حيث الشقاء في أبشع صوره، وحيث الجحيم الذي لا يطاق.

فالعواطف إذاً من أهم دوافع الإنسان للعمل، وتبدأ العواطف كما تقدم منذ الأيام الأولى في مرحلة الرضاعة ثم تنمو بالتدريج حينما يتقدم الطفل في العمر، وحينما يتسع محيطه الإجتماعي، ويتأثر نمو العواطف وتغيّرها بالفكر الذي يؤمن به الطفل في حدود إدراكه العقلي، فحينما يؤمن الطفل بأنّ أداء العمل الفلاني يرضي والديه أو يرضي الله تعالى فإنه يندفع لاَدائه، والعكس صحيح، ويمكن تقسيم العواطف إلى أربعة أقسام: الفردية، والعالية، والإجتماعية، والخلقية .

ونقصد بالعواطف الفردية هي العواطف التي تتعلق بذات الإنسان كحب التملك وحب الإستقلال وحب التفوق على الاخرين، وحب المكانة الاجتماعية وإحترام الآخرين له، وهي العواطف التي تجلب له المنفعة الشخصية والذاتية .

والعواطف العالية هي العواطف التي تسمو بالطفل في حدود إدراكه العقلي إلى المثل الأعلى فتحبّب إليه الإرتباط والتعلّق بالمطلق وهو الله تعالى مصدر اللطف والإنعام والرأفة والرحمة، وتحبّب إليه الحقيقة والخير، وليس فيها تحصيل المنفعة الشخصية والذاتية .

العواطف الاجتماعية هي العواطف التي تدفعه إلى الإرتباط بالآخرين إبتداءً بالوالدين والأخوة والأخوات والأقارب وإنتهاءً بالمجتمع والإنسانية جمعاء .

والعواطف الخلقية هي العواطف التي تتعلق بالممنوع وغير الممنوع من أنواع السلوك، كالتعلق بالصدق وترك الكذب، وسائر الاخلاق الممدوحة والمذمومة .

إن من أهم الواجبات الدينية والعلمية والوطنية للوالدين، الإهتمام الشديد بتوجيه مشاعر الأطفال ومراقبة تنمية عواطفهم، إذ يستيقظ الشعور العاطفي عند الأطفال في وقت مبكر، ففي الوقت الذي يكون سراج العقل غير مشتعل بعد عند الطفل، وفي الحين الذي لا يدرك شيئاً عن الإستدلال والمنطق، ولا يملك طاقة بدنية كاملة، نجد أن الشعور العاطفي يستيقظ فيه ويكون قابلاً للتوجيه والضبط وإن غفلة الوالدين في هذا الوقت الحاسم تؤدي إلى آثر سيئة في روح الطفل.

وأفضل الطرق والوسائل لتنمية العواطف عند الطفل من قبل الوالدين، إشعاره بالحب عن طريق إحاطته بالحنان والرأفة وإشباع حاجاته المادية والروحيّة، فإذا إستشعر الطفل بذلك فإنّه يرتبط إرتباطاً عاطفياً بمصدر الحب والحنان وهما الوالدان فتزداد ثقته بهما وتقليدهما، والإستجابة أو الإقتناع بكل ما يطرحانه عليه من أفكار ومفاهيم ومُثل، ويكون مستعداً للإستجابة إلى أوامرهم وتنفيذ ما يطلبانه منه، فتصبح لهما القدرة على الهيمنة على عواطفه، وتوجيهها توجيهاً حسناً، ومتابعة خبراته ونشاطاته وخصوصاً أثناء اللعب، فيتمّ لهما العمل على تنمية عواطفه وتهذيبها بالصورة المنسجمة مع المفاهيم والقيم الصالحة وخلق التوازن بين مختلف أنواع العواطف لديه.  وأهم العواطف التي يجب تنميتها هي -كما أسلفنا سابقاً- العاطفة نحو الله تعالى، فتنمو عنده مشاعر الحب والثقة بالله تعالى والتقديس له، حينما يؤمن بأن الله تعالى هو مصدر الإنعام والرحمة والمغفرة، وأنه تعالى خلق النعيم الدائم في الجنة للصالحين والمطيعين، ويجب على الوالدين تنمية عواطف الطفل إتجاه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسائر الرسل والأنبياء وأهل البيت عليهم السلام وأفضل طريقة في هذا المجال هي طريق السرد القصصي الهادف، والذي يحقق فائدتين :

الاُولى: تعميق حبّهم في قلبه .
والثانية: محاولة الإقتداء بهم بعد التعلق بسلوكهم في الحياة .

فتنمو في داخله العواطف المختلفة كحب الإخلاص وحب الكرامة وحب الشجاعة والكرم والإيثار وحب القيم والسلوك الصالح، والإبتعاد عن كلِّ ما إبتعدوا عنه، وتنمو عواطف البغض والكره والنفور من الذين خالفوهم ووقفوا في مواجهتهم وإجتناب سلوكهم في الحاضر أو في المستقبل .

ومن الاساليب الاخرى لتنمية العواطف هو الإرشاد والتوجيه المستمرين، حتى يفهم الطفل المسموح والممنوع من السلوك، وكذلك التشجيع على الإرتباط والتعلق بالقيم والأعمال الصالحة، والتشجيع على ممارستها في الواقع، فحينما يعطي شيئاً من ألعابه لطفل آخر يتم تشجيعه على ذلك بالكلام الحسن، وتعويضه بإهداء لعبة أُخرى له، وحينما يصدق في قوله، أو يحترم الآخرين أو يرأف بالفقراء أو يساعد إخوانه أو والديه في أداء بعض الأعمال يشجّع على ذلك بالمدح والثناء والإطراء أمامه وأمام الاُسرة وأمام أقاربه وأصدقائه .

كما أن للتعامل مع الطفل كصديق أثر كبير في نفسه فهو يشجّعه على التعبير عن عواطفه ومشاعره المكبوتة وهذا التعبير مفيد جداً في تحقيق التوازن العاطفي، وتهذيب العواطف غير المرضيّة .

ونحن نجد من خلال التجربة أنَّ الأسلوب القصصي من أفضل الأساليب في تنمية العواطف، وخصوصاً الأسلوب المنسجم مع إدراكه وقدرته العقلية، فيمكن أن نقصَّ عليه قصصاً عن الطيور والحيوانات تتضمن القيم الصالحة والقيم الطالحة التي يتخذها الطير الفلاني أو الحيوان الفلاني فتنمو عنده العواطف إتجاه العدل أو التعاون أو الايثار أو القيم الاخلاقية الأخرى، وتنمو عنده عاطفة حبّ المظلومين وبغض الظالمين . والقصص عن الطيور والحيوانات مرغوبة ومحبّبة لدى أطفال هذه المرحلة، فيستمعون إليها بشوق وتلهّف أكثر من القصص الواقعية، وتتضمن أحداثاً كثيرة تتوقف على خيال الوالدين في السرد القصصي، وتكون شاملة لإظهار جميع أنواع وأقسام العواطف .

وقد ذكر بعض علماء النفس أن مخ الطفل من أول يوم ولادته يسجل كل ما حوله من الأحداث ويؤثر ذلك في وعيه ولعل ذلك سبب تأكيد الشارع على الآذان في أذنه اليمنى والأقامة في أذنه اليسرى، قال رسول الله : (من ولد له مولود فليؤذن في أذنه اليمنى بآذان الصلاة، وليقم في اليسرى فإنها عصمة من الشيطان الرجيم).

يتصور البعض أن المولود الجديد قطعة من اللحم الحي يحتاج إلى الغذاء والنوم فقط، ويجب أن يمر عام على حياته على الأقل ليتفهم ما يجري حوله ويعد هذه المدة تبدأ التربية.  هذا التصور في الحقيقة خاطئ، فأن الطفل يستجيب في الأسابيع الأولى من حياته بفضل غرائزه وإستعداداته للعادات والمؤثرات.  يقول صاحب كتابة الطفل بين الوراثة والتربية: (إن الأطفال الرضع محتاجون أكثر مما يتصوره البعض، إنهم عندما يرون أن نتائج البكاء أنفع لهم فإنهم يستخدمونها بلا شك).
 
إن على الوالدين الإهتمام بتنمية عواطف الطفل إذ أن مشاعره العاطفية تكون يقظة في فترة غياب إدراكه العقلي، وقد ورد في الحديث القدسي في سؤال موسى ربه قال: (يا رب أي الأعمال أفضل عندك؟)  قال: (حب الأطفال فإني فطرتهم على توحيدي فإن أمتّهم أدخلتهم جنتي برحمتي).  ويقول الإمام الصادق عليه السلام: (هل الدين إلا الحب).

عاشراً : الاهتمام بالطفل اليتيم

اليتيم بعد فقد والده أو والدته أو كليهما يشعر بالحرمان المطلق، حرمان من إشباع حاجاته العاطفية والروحية، وحرمان من إشباع حاجاته المادية كالحاجة إلى المأكل والمشرب والملبس، فتنتابه الهواجس والمخاوف، ويخيّم عليه القلق والإضطراب، فالشعور بالحرمان من العطف والحنان له تأثيراتها السلبية على كيان الطفل وعلى بناء الشخصية، ومن خلال متابعة الواقع الإجتماعي نجد أن أغلب الأيتام الذين لم يجدوا العناية والإهتمام من قبل الآخرين كانوا مضطربي الشخصية تنتابهم العقد النفسية وسوء التوافق مع المجتمع الذي حرمهم من العناية والإهتمام، لذا أوصى الاِسلام برعاية اليتيم رعاية خاصة لا تقل إن لم تَزِدْ على الرعاية الممنوحة للأطفال الآخرين، فأكدَّ على إشباع جميع حاجاتهم المادية والروحية، وكانت الآيات القرآنية المختصة برعاية الأيتام أكثر من الآيات المختصة بعموم الأطفال.

وأول الحاجات التي أكدّ الاِسلام على اشباعها هي الحاجات المادية، قال سبحانه وتعالى: (ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً)، (أو إطعامٍ في يوم ذي مسغبة يتيماً ذا مقربة)، (وآتى المال على حبّه ذوي القربى واليتامى والمساكين).

كما وجعل سبحانه وتعالى لليتيم حقاً في أموال المسلمين (وإعلموا أنّما غنمتم من شيء فإنَّ لله خُمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين)، (قُل ما أنفقتم من خيرٍ فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين).

ونهى تعالى عن التصرّف بأموال اليتيم إلاّ بالصورة الأحسن التي تجدي له نفعاً وربحاً فقال عز من قائل (ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ باللتي هي أحسن حتى يبلغ أشدّه).

أما عن ثواب واجر ومكانة كافل اليتيم فقد ردت فيها أحاديث كثيرة عن الرسول العظم صلى الله عليه وآله وسلم منها قوله (من عال يتيماً حتى يستغني، أوجب الله له بذلك الجنّة) وقوله (من كفل يتيماً من المسلمين فأدخله إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنّة البتة، إلاّ أن يعمل ذنباً لا يغفر) وقال صلى الله عليه وآله وسلم (أنا وكافل اليتيم في الجنّة كهاتين ـ وهو يشير بإصبعيه).

وقد راعى المنهج الإسلامي إشباع الحاجات المعنوية لليتيم كالإحسان إليه والعدل معه، قال سبحانه وتعالى: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلاّ الله وبالوالدين إحساناً وذوي القربى واليتامى والمساكين) وقال تعالى: (وأن تقوموا لليتامى بالقسط)، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: (خيرُ بيتٍ من المسلمين بيتٌ فيه يتيم يُحسن إليه، وشرّ بيتٍ من المسلمين بيتٌ فيه يتيم يساء إليه) وأوصى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمداراة اليتيم والرفق به وتكريمه فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (حثّ الله تعالى على برِّ اليتامى لإنقطاعهم عن آبائهم، فمن صانهم صانه الله تعالى، ومن أكرمهم أكرمه الله تعالى، ومن مسح يده برأس يتيم رفقاً به جعل الله تعالى له في الجنّة بكلِّ شعرة مرّت تحت يده قصراً أوسع من الدنيا وما فيها)، وشجّع الإمام الصادق عليه السلام على التعامل مع اليتيم بحنان ورحمة فقال: (ما من عبد يمسح يَدَه على رأس يتيم ترحمّاً له إلاّ أعطاه الله تعالى بكلِّ شعرة نوراً يوم القيامة).

ومن رعاية اليتيم معالجة المشاكل التي تواجهه والتي تسبب له الألم والقلق والإضطراب، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إذا بكى اليتيم إهتزّ العرش على بكائه فيقول الله تعالى: ياملائكتي أشهدوا عليّ أنَّ من أسكته وإسترضاه أرضيته في يوم القيامة)، وعنه صلى الله عليه وآله: (إذا بكى اليتيمُ في الأرض يقول الله من أبكى عبدي وأنا غيّبت أباه في التراب فوعزتي وجلالي إنّ من أرضاه بشطر كلمة أدخلته الجنّة).

ومن الوصايا بشؤون اليتيم إدخال الفرح على قلبه بإشباع حاجاته المادية والروحية من إحترام وتقدير ومحبّة أو مدح وتشجيع إلى غير ذلك . قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إنَّ في الجنّة داراً يقال لها دار الفرح لا يدخلها إلاّ من فرّح يتامى المؤمنين).

ومن هدى الرسول صلى الله عليه وآله المسح على رأس اليتيم، وقد ورغب فى ذلك وقال (بكل شعره حسنه)، وقد أثبت علم النفس أن للمسات أثراً عميقاً على نفسية وسلوك الإنسان، واللمسات تعتبر وحدة الإدراك والإعتبار، أي أنها هي الأساس لإعتبار الناس والإعتراف بوجودهم وإعطائهم قيمتهم، فاللمسات لغة حسية توصل المعاني الإيجابية للجسد الآخر، والصغار هم الأكثر قدرة على ترجمة هذه اللغة.  إن فقد اليتيم لحنان الأم والأب ليس بالأمر السهل فجسده الصغير يحتاج لتعويض هذا الحنان الذي لم ينله ولم يحظ به كباقي الأطفال، إنه إفتقد طعم الرضاعة من صدر أمه، وإفتقد دفئ حضنها وبرد قبلاتها ولذة تدليلها، كما أنه لم يجد أباً يلاعبه ويحمله على كتفه ويأخذ بيده .. يشجعه .. يعلمه الوقوف والمشي.  اليتيم بحاجة إلى تلك اللمسات فهي مطلب نفسي كما يؤكد علماء النفس، واليتيم بحاجة إلى أن نختلط به ونلاعبه ونمسح على رأسه كما أمرنا خير البشرية صلى الله عليه وآله وسلم، لعلنا بتلك المسحة نستطيع أن نوصل له بعض المعاني التي عجزنا أن نوصلها له بلغة القول ولغة المال.

ومن الإهتمام والعناية باليتيم هو القيام بتربيته تربية صالحة وإعداده لأن يكون عنصراً صالحاً في المجتمع، قال أمير المؤمنين عليّ عليه السلام: (أدّب اليتيم بما تؤدّب منه ولدك).  يستفاد من مجموع النصوص الإسلامية الواردة في هذا المقام ضرورة تربية الأيتام كسائر الأطفال في المجتمع ، ولهم الحق في الإستفادة من جميع المزايا والعواطف الإنسانية.  إن الأيتام في الدولة الأسلامية يمتازون برعاية كاملة من حيث الطعام واللباس والحنان والأدب بحيث لا يحسون بأي فرق بينهم وبين سائر الأطفال، وطبيعي أن تربية كهذه تكون مصونة من الإنحراف والخطأ، وإن طفلاً كهذا لا يصاب بعقدة الحقارة والذلة، فينمو بصورة معتدلة وتشبع رغباته الباطنية جميعها بشكل صحيح، ولكن القيام بمثل هذا الواجب المقدس والعبأ الثقيل يتطلب إيماناً قوياً وعقيدة مستقيمة.

فاليتيم الذي يحصل على العناية والرعاية والحب والحنان يشعر بالراحة والطمأنينة ويعيش سوّياً في عواطفه وفي شخصيته، أمّا في حالة الحرمان فإنّه لا يصبح سويّاً وقد يلتقطه بعض المنحرفين فيوجهه الوجهة غير الصالحة فيصبح عنصراً ضاراً في المجتمع.

عودة لبداية الموضوع