ألبوم الصور
البوم
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273776
كيف تربي طفلك تربية سليمة
واحة القطيف - 12 / 2 / 2004م - 5:31 ص

 

المقدمة

إن النبتة الصغيرة تحتاج إلى العديد من العناصر والمواد والإمكانيات حتى تنو وتكبر بشكل صحيح لتغدو شجرة قوية أساسها متين وجذورها راسخة، شجرة وافرة مثمرة نافعة، والطفل كهذه النبتة يحتاج تربية سليمة وعناية فائقة وإهتمام بالغ وملاحظة مستمرة حتى يكبر ويصبح عنصر فعال ذو فائدة لنفسه ولمجتمعه، فالطفل إن لم يتلق التربية السليمة لا يُسيئ لنفسه فحسب بل إنه يُسئ إلى مجتمعه أيضاً ويشكر خطراً جسيماً على المحيطين به.

لكن تربية الطفل وتنشأته بطريقة سليمة ليست بالأمر الهين ولا بالأمر اليسير خصوصاً في ظل مجتمع تحيط به المغريات ويتربص به الأعداء الذين يتحينون الفرص لنصب شراكهم وبث سمومهم إلى من هو سهل المنال ألا وهو ذلك الطفل الغض البريئ، وهذه الصعوبة قد لا يدركها إلا الوالدين أو من يهتم بالتربية وأمور المجتمع.

وإن أردنا أن نكفل لأبنائنا تربية وتنشئة سليمة فلا أفضل من إنتهاج وتتبع منهج بيت آل النبوة، فهم سلام الله عليهم خير مدرسة يتعلم منها الآباء وينهلوا من نورهم المبارك ويهتدوا بالخطواتهم العملية التي وضعوها لنا سلام الله عليهم لندرك منها ما يصح وما لا يصح من تصرفات وأفعال وأقوال قد تنفع أو قد تضر فلذات أكبادنا، لكن يبقى هناك الكثير من الآباء والأمهات ممن يجهل تلك الأسس والمبادئ لهذه المدرسة المباركة ربما نتيجة لقلة الإطلاع أو ربما لعدم توفر المصادر الكافية، ونتيجة لهذا الجهل ينشأ الأطفال على أفكار أبائهم البالية التي لا تستند إلى أية أسس دينية أو علمية أو تربوية وبهذا يضحى الطفل ضحية لجهل أو قلة إدراك والديه.

تبدأ مرحلة الطفولة المبكرّة من عام الفطام إلى نهاية العام السادس أو السابع من عمر الطفل، وهي من أهم المراحل التربوية في نمو الطفل اللغوي والعقلي والإجتماعي، وهي مرحلة تشكيل البناء النفسي الذي تقوم عليه أعمدة الصحة النفسية والخلقية، وتتطلب هذه المرحلة من الأبوين إبداء عناية خاصة في تربية الأطفال وإعدادهم ليكونوا عناصر فعّالة في المحيط الإجتماعي.  وسنحاول هنا التعرض لبعض النقاط الهامة على طريق التربية السليمة للطفل والتي يتوجب على الآباء الوقوف عندها طويلاً وتأملها وإستيعابها ومن ثم تطبيقها على أطفالهم بشكل متوازن وصحيح حتى يستوعبها الطفل وتتشربها نفسه عن فهم وإدراك وقناعة تامة.

أولاً:  تعليم الطفل معرفة الله تعالى

إن الأيمان هو الحجر الأساسي في البناء النفسي والعاطفي للطفل، وهذه المهمة لا تحتاج إلى قدر كبير من التكلف في بداية الأمر أذ أن الطفل قد فُطر على التوحيد كما في الحديث (فُطرتهم على توحيدي) فالايمان بالله موجود أصلا في باطن الطفل بفطرته.  والفِطرة تقود الطفل إلى الله وتُعرفهُ به وتدفعه إلى الإيمان بالحقائِق الخالدة وتقبُل التعاليم الإلهية حتى تمتزج بدمه، ووجود هذهِ العاطِفة تردع الطفِل في حال البلوغ عن العصيان والطغيان والتمرد على الأوامر الإلهية، لكن لابد للأبوين من تنمية بعض النِقاط الدينية في عاطِفة الطفل كـ :

1-  أن يجعل طفلهُ يتأمل مخلوقات الله وآياته
2-  ينمي عاطِفة الإيمان بالله ومحبته وتطبيق تعاليمه
3-  أن يُعرف طفله المعرفه الصحيحة بدينه
4-  تعريف الطفل بأن الله سُبحانهُ وتعالى لهُ صِفات محبوبة ويشرح لهُ ذلك
5-  تعليمه على كيفية السؤال عن أمور الدين التي تتعلق بالمعاد والحِساب والصِراط والوحي والقبر والعدل والجنة والنار ...
6-  توظيف ميوله الدينية بتعليمه الصلاة وتحبيبها إلى نفسه، وتعويده على قِراءة القُرآن

فإذا ما أنتعشت نفس الطفل بالأيمان بالله فأنها تكون قد سارت وفق فطرة الله وأستجابت لأقوى قوة وجدانية في النفس، عندها تكون نفس الطفل نشيطة مستعدة لأحياء جميع السجايا الفطرية الفاضلة في نفسه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال (بادروا أولادكم -أحداثكم- بالحديث قبل أن يسبقكم إليهم المرجئة) أي علموهم أمور دينهم وعقائدهم بشكل صحيح قبل أن يتأثروا بكلام المخالفين ويبادروا للباطل فيفسد فكرهم.

هذا ما يتفق وأساسيات التربية الحديثة التي تعتمد على التسلسل الذهني والعقلي ما ندعيها (مرحلة التمييز) وهي سلسلة من المراحل كالمشي والنطق والجلوس وإكتشاف العالم من حوله، وقد حدّد الإمام محمد الباقر عليه السلام تسلسل المنهج قائلاً (إذا بلغ الغلام ثلاث سنين يقال له: قُلْ لا إله إلاّ الله سبع مرات، ثم يترك حتى تتم له ثلاث سنين وسبعة أشهر وعشرون يوماً فيقال له: قُلْ محمد رسول الله سبع مرات، ويترك حتى يتم له أربع سنين ثم يقال له: قُلْ سبع مرات صلى الله على محمد وآله، ثم يترك حتى يتم له خمس سنين ثم يقال له: أيهما يمينك وأيُّهما شمالك  فاذا عرف ذلك حوّل وجهه إلى القبلة ويقال له: أسجد، ثم يترك حتى يتم له سبع سنين فإذا تم له سبع سنين قيل له إغسل وجهك وكفيك فإذا غسلهما قيل له صلِّ ثم يترك، حتى يتم له تسع سنين، فإذا تمت له تسع سنين علم الوضوء وضرب عليه وأمر بالصلاة وضرب عليها فإذا تعلم الوضوء والصلاة غفر الله عز وجلّ له ولوالديه إن شاء الله)

 وكما يقول صاحب كتاب (الطفل بين الوراثة والتربية) في الجزء الأول: " إن الأساس الأول الذي يجب تعليمه للطفل في سبيل التربية الصحيحة إشعاره بوجود الله والايمان به بلسان ساذج متسير الفهم.  أن الحاجة للايمان بالله موجودة في باطن كل إنسان بفطرته الطبيعية، فعندما يبدأ جهاز الإدراك عند الطفل بالنشاط والعمل، ويستيقظ حس التتبع فيه، ويأخذ في السؤال عن علل الأشياء ومنشأ كل منها، فإن نفسه الطاهرة وغير المشوبة تكون مستعدة تماماً لتلقي الايمان بخالق العالم، وهذه الحالة هي أشد الحالات طبيعية في بناء الطفل.  وعلى القائم بالتربية أن يستفيد من هذه الثروة الفطرية، ويفهمه أن الذي خلقنا، والذي يرزقنا، والذي خلق جميع النباتات والحيوانات والجمادات، والذي خلق العالم، وأوجد الليل والنهار، هو الله تعالى ... إنه يراقب أعمالنا في جميع اللحظات فيثيبنا على الحسنات ويعاقبنا على السيئات، هذا الحديث سهل جداً وقابل للإذعان بالنسبة إلى الطفل ونفسه فنراه يؤمن بوجود الله في مدة قصيرة ويعتقد به.  بهذا الأسلوب نستطيع أن نخلق في نفس الطفل حب النظام والإلتزام ونحثه على الاستقامة في السلوك وتعلم الفضائل الخلقية والملكات العليا بالتدريج.

إن للإيمان بالله ـ وهو إحياء لأعظم قوة وجدانية عند الانسان ـ آثاراً ونتائج مهمة في إحياء سائر الفطريات الخلقية والمثل العليا، وبإمكانه أن يخرج تلك الفطريات جميعها من مرحلة القوة إلى الفعلية بأحسن صورة، وبعبارة أوضح نقول إن للإيمان بالله أثرين مهمين: (الأول) أنه يعمل على إحياء أعظم واقعية روحانية أي الفطرة العقيدية، ويصب ركائز السعادة الواقعية للإنسان.  (والثاني): إن جميع الفطريات الروحية والفضائل الخلقية تستيقظ في ظل القوة التنفيذية للإيمان، وتتحقق في الخارج ومهما بلغت قيمة الوجدان الأخلاقي، ومهما خطر دوره في تحقق سعادة الانسان، لكنه إذا لم يكن مستنداً إلى الإيمان فلا يقوى على حفظ البشرية من التردي والسقوط.  وكذلك سائر الصفات الصالحة إن لم يكن لها سند إيماني فإنها تندحر أمام الغرائز والميول اللامشروعة في الصراع بينها."

ويقول في موضع آخر من نفس الكتاب وفي الجزء الثاني منه:  "من واجبات الوالدين في القيام بالمهمة التربوية تنمية المشاعر الإيمانية والخلقية في نفس الطفل. يجب على الآباء والأمهات المسلمين ـ حسبما تصرّح به الأحاديث ـ أن يربّوا اطفالهم على الإيمان، ويوقظوا فيهم فطرة عبادة الله بواسطة العبادات التمرينية، فيشجعوهم على إتباع الأوامر الإلهية، والإرتباط بالخالق العظيم."

وتحت عنوان أثر الأيمان في الطفل يقول المؤلف:  "إن الطفل الذي يتربى على أساس الإيمان منذ البداية يمتاز بإرادة قوية وروح مطمئنة، تظهر عليه أمارات الشهامة والنبل منذ الصغر، وتطفح كلماته وعباراته بحقائق ناصعة وصريحة.  وكمثل على ذلك نأخذ الصديق يوسف، فقد كان إبن النبي يعقوب.  هذا الطفل المحبوب تلقى درس الإيمان بالله من أبيه العظيم، ونشأ طفلاً مؤمناً في حجر يعقوب ..  لقد نقم إخوته الكبار منه وصمّموا على إيذائه، فأخذوا الطفل معهم إلى الصحراء وبعد أساليب مؤلمة ووحشية فكروا في قتله، ثم إنصرفوا عن هذه الفكرة إلى إلقائه في البئر .. وكانت النتيجة أن بيع الطفل إلى قافلة مصرية، وبصدد معرفة عمره عندما ألقي في البئر يقول أبو حمزة: ( قلت لعلي بن الحسين عليهما السلام: أبن كم كان يوسف يوم ألقوه في الجب ٌ؟  فقال: إبن تسع سنين)

ماذا يتوقع من طفل لا يتجاوز عمره التسع سنوات في مثل هذه الظروف الحرجة والمؤلمة؟  أليس الجواب هو الجزع والإضطراب؟!!   في حين أن قوة الإيمان كانت قد منحت يوسف حينذاك مقدرة عجيبة وتطامناً فائقاً، ففي الحديث: (لما أخرج يوسف من الجب وأشتري قال لهم قائل: إستوصوا بهذا الغريب خيراً.   فقال لهم يوسف: من كان مع الله فليس في غربة)

ونظير هذا نجده في قصة الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله مع مرضعته حليمة السعدية،  تقول حليمة: لما بلغ محمد الثالثة من عمره قال لي: (أماه، أين يذهب إخوتي نهار كل يوم؟)  فأجبته: يخرجون الى الصحراء لرعي الأغنام.  قال: (لماذا لا يصحبوني معهم؟)  فقلت له: (هل ترغب في الذهاب معهم؟)  قال: (نعم).  فلما أصبح دهنّته وكحّلته وعلّقت في عنقه خيطاً فيه جزَع يمانية، فنزعها ثم قال لي:  (مهلاً يا أماه، فإن معي من يحفظني)

الإيمان بالله هو الذي يجعل الطفل في الثالثة حراً وقوي الإرادة بهذه الصورة.

وتحت عنوان العبادات التمرينية يقول المؤلف: "لضمان التربية الدينية للأطفال يجب أن يكون هناك تماثل بين أرواحهم وأجسامهم من الناحية الإيمانية.  ولهذا فإن الإسلام أوجب على الوالدين من جهة أن يعرّفا الطفل بخالقه ويعلماه الدروس الدينية المتقنة، ومن جهة أخرى أمرهما بتدريب الطفل على العبادات والصلاة بالخصوص.

1-  عن معاوية بن وهب قال: (سألت أبا عبد الله عليه السلام: في كم يؤخذ الصبي بالصلاة ٌ فقال: بين سبع سنين وست سنين)
2-  عن النبي صلّى الله عليه وآله قال: (مُروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً)
3-  عن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فقد أُوتي الحكم صبيّاً)
4-  وعنه صلى الله عليه وآله:  (من علم ولده القرآن فكانّما حجّ البيت عشرة آلاف حجّة، وإعتمر عشرة آلاف عمرة، وأعتق عشرة آلاف رقبة من ولد أسماعيل عليه السلام، وغزا عشرة آلاف غزوة، وأطعم عشرة آلاف مسكين مسلم جائع، وكأنّما كسا عشرة آلاف عارٍ مسلم، ويكتب له بكل حرفٍ عشر حسنات، ويمحوا الله عنه عشر سيّئات. ويكون معه في قبره حتّى يبعث،  ويثقل ميزانه، ويجاوز به على الصراط كالبرق الخاطف، ولم يفارقه القرآن حتّى ينزل من الكرامة أفضل ما يتمنّى)
5-  وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام قال : (حقّ الولد على الوالد أن يُحسن أسمه، ويُحسن أدبه ، ويُعلّمه القرآن)
6-  وعن معاذ قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما من رجل علّم ولده القرآن إلا توّج الله أبويه ـ يوم القيامة ـ تاج الملك وكسيا حلّتين لم ير الناس مثلهما .

فالتركيز على قراءة القرآن في الصغر يجعل الطفل منشدّاً إلى كتاب الله، متطلعاً على ما جاء فيه وخصوصاً الايات والسور التي يفهم الطفل معانيها، وقد أثبت الواقع قدرة الطفل في هذه المرحلة على ترديد ما يسمعه، وقدرته على الحفظ، فينشأ الطفل وله جاذبية وشوق للقرآن الكريم، وينعكس ما في القرآن من مفاهيم وقيم على عقله وسلوكه .

ثانياً:  التركيز على حبّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأهل البيت عليهم السلام

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أدبّوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن)

مما لا شك فيه في أن أهل البيت عليهم السلام هم عدل الكتاب وأحد الثقلين الذين أمرنا الرسول بإتباعهم مع القرآن الكريم، وهذا الأمر لا يأتي بغتة‘ وإنما يحتاج إلى مقدمات تبدأ في فترة الطفولة لتترسخ في العقل والوجدان.  في مرحلة الطفولة تنمو المشاعر والعواطف والأحاسيس عند الطفل، من حب وبغض وإنجذاب ونفور، وإندفاع وإنكماش، فيجب على الوالدين إستثمار حالات الإستعداد العاطفي عند الطفل وتنمية مشاعره وعواطفه، وتوجيهها نحو الإرتباط بأرقى النماذج البشرية، والمبادرة إلى تركيز حبّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحبّ أهل البيت عليهم السلام في خلجات نفسه، والطريقة الأفضل في تركيز الحبّ هو إبراز مواقفهم وسلوكهم في المجتمع وخصوصاً ما يتعلق بفضائلهم وخصالهم وصفاتهم النبيلة من رحمة وعطفة وكرم وعبادته وطاعتهم لله، ومعاناتهم وما تعرضوا له من حرمان وإعتداء، يجعل الطفل متعاطفاً معهم محباً لهم، مبغضاً لمن آذاهم من مشركين ومنحرفين .

ونحن في حاجة ماسة في هذا الزمن أكثر من ذي قبل لتوطيد هذا المطلب، فما هو حاصل في هذه الأيام في أن كثير من الأسر وللأسف أهتمت في حصول أبنائها على الشهادة التي تمكنهم من دخول أرقى الجامعات لنيل أرفع الشهادات، وهذا امر لا بأس به ولكنهم جهلوا تثبيت الدعامة الاساسية التي تظمن لهم السعادة الدنيوية والأخروية أيضاً ألا وهي حب آل بيت محمد صلى الله عليه وآله، وما أبتلى به مجتمعنا من عادات وتصرفات قبيحة إنما نتاجها في الأساس سوء التربية، والمقصود التربية السليمة.

 إنّ "القدوة" في التربية هي أفضل الوسائل جميعاً وأكثرها فعالية‘ وأهل بيته (عليه السلام) هم الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة، وقد أوجب الله تعالى إتخاذهم قدوة لمن أراد أن يعبد الله عز وجل حق عبادته، ويمكن أن يتم ذلك من خلال قراءة بعض القصص الخاصة بهم عليهم السلام على الطفل لترسيخ ذكرهم في القلب والعقل، أو بأصطحابهم إلى المنابر الحسينية في الإحتفالات الدينية المختلفة، فما أجمل أن تكون في مجالس أهل البيت عليهم السلام وترى طفلاً يصفق فرحاً في ليلة مولد أحد الأبرار عليهم السلام أو يلطم صدره في وفاة أحد الأئمة الأطهار.

نسأل الله الثبات على الولاية ..

ثالثاً:  تربية الطفل على طاعة الوالدين

﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) سورة الاسراء

يلعب الوالدان الدور الأكبر في تربية الأطفال، فالمسؤولية تقع على عاتقهما أولاً وقبل كلّ شيئ، فهما اللذان يحدّدان شخصية الطفل المستقبلية، وتلعب المدرسة والمحيط الإجتماعي دوراً ثانوياً في التربية.  والطفل إذا لم يتمرّن على طاعة الوالدين فإنه لن يتقبل ما يصدر منهما من نصائح وإرشادات وأوامر إصلاحية وتربوية، فيخلق لنفسه ولهما وللمجتمع مشاكل عديدة، فيكون متمرداً على جميع القيم وعلى جميع القوانين والعادات والتقاليد الموضوعة من قبل الدولة ومن قبل المجتمع . قال الاِمام الحسن بن علي العسكري عليه السلام: (جرأة الولد على والده في صغره، تدعو إلى العقوق في كبره)،  وقال الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام: ( شرّ الابناء من دعاه التقصير إلى العقوق).

وتربية الطفل على طاعة الوالدين تتطلب جهداً متواصلاً منهما لتمرينه على ذلك؛ لأنّ الطفل في هذه المرحلة يروم إلى بناء ذاته وإلى الاستقلالية الذاتية، فيحتاج إلى جهد إضافي من قبل الوالدين، إذا أن هذه الطاعة يجب أن تكون نابعة من داخل الطفل عن قناعة ورضى تاميين فهي يجب أن تكون طاعة مكللة لاحب والإجلال والإحترام للوالدين، فمُعظم الأبناء في الصغر يُطيعون الوالدين فقط خوفاً من العقاب لذا نجد أن هذا الأبن أو الأبنة حالما يكبر ويشتد عوده وتقوى شوكته يبدأ في إعلان التمرد الإنقلاب على والديه، وهذا شيئ طبيعي فهو لم يكن يطيعهما بل كان يخاف من العقاب الذي سيحل به إن عصاهما، وهذا هو الخطأ، فالطاعة لا يجب أن تفرض على الأبناء بالقوة والغصب وبمنطق (العصى لمن عصى) بل يجب أن تكون طاعة عن إقتناع تام، فأوامر الوالدين لا يجب أن تكون كأوامر قراقوش غير قابلة للنقاش أو الجدال (على الأقل في البداية) إذا نهى الأب إبنه عن عمل ما عليه أن يوضح لإبنه سبب نهيه حتى يقتنع الأبن بأن لا يُعاود القيام بهذا العمل لأن في هذا العمل ما يضره وما يُسئ إليه، وشيئ فشيئ سيترسخ في عقل هذا الصغير أن والديه إذا ما أمروه بشيئ أو إذا ما نهوه أو حثوه على أمر ما فهو بتأكيد لصالحه حتى وإن لم يعلم هو الحكمة من وراء أمرهم هذا لكنه بالتأكيد لصالحه لأنه صادر من أبوين يحبانه ويحبان الخير له.

ومن أفضل الوسائل التي تجعل الطفل مطيعاً هي إشباع حاجاته الأساسية من إحساس بالأمن، المحبة، التقدير، الحرية، فإذا شعر الطفل بالحب والحنان والتقدير من قبل والديه، فإنه يحاول المحافظة على ذلك بإرضاء والديه وأهم مصاديق الإرضاء هو طاعتهما .فالوالدان هما الأساس في تربية الطفل على الطاعة، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رحم الله واللدين أعانا ولدهما على برّهما) وأسلوب الإعانة كما حددّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رحم الله عبداً أعان ولده على برّه بالإحسان إليه، والتألف له، وتعليمه وتأديبه).  فإذا كان الحبُّ هو السائد في العلاقة بين الطفل ووالديه، فإنّ الطاعة لهما ستكون متحققة الوقوع، وعلى الوالدين أنْ يُصدرا الأوامر برفق ولين بصورة نصح وإرشاد فإن الطفل سيستجيب لهما، أمّا استخدام التأنيب والتعنيف فإنه سيؤدي إلى نتائج عكسية، ولذا أكدّ علماء النفس والتربية على التقليل من التعنيف كما جاء في قول أنور الجندي: (يقتصد في التعنيف عند وقوع الذنب، لانّ كثرة العقاب تهون عليه سماع الملامة وتخفّف وقع الكلام في نفسه وإطاعة الأوامر لا يجد فيها الطفل الذي حصل على المحبة والتقدير أية غضاضة على حبه للإستقلال، وبالمحبة التي يشعرها تتعمق في نفسه القابلية على تقليد سلوك من يحبّهم وهما الوالدين، فينعكس سلوكهما عليه، ويستجيب لهما، فإنه إذا عومل كإنسان ناضج وله مكانة فإنه يستريح إلى ذلك ويتصرّف بنضج وبصورة لا تسيئ إلى والديه، فيتمرّن على الطاعة لوالديه، ومن ثم الطاعة لجميع القيم التي يتلقاها من والديه أو من المدرسة أو من المجتمع).

وهنا لابد لنا من التوقف عند أحد الأمور الهامة وهو كيفية التعامل مع الأولاد حسب مراحل العمر، حيث ينبغي للوالدين معرفة حاجات الأبناء في كل مرحلة .

وهذه المراحل هي باختصار كما يَلِي :
المرحلة الأولى : في هذه المرحلة ينبغي على الوالدين التعامل مع الطفل على أساس حاجاته التي تَتَمَيَّزُ بما يلي :

1-  اللَّعِب .
2-  السِّيَادَة .

وكما جاء في النـصوص الشـريفة عن النبي صلى الله عليه وآله: ( الولدُ سيِّدُ سبعِ سنين )، وعن الإمـام الصادق  عليه السلام: ( دَعِ إبنَكَ يلعبُ سَبعَ سنين)، وعنه عليه السلام أيضاً: (أهَمِل صبيَّكَ تأتي عليه سِتُّ سِنِين).

ولِعبُ الطفلِ الذي تتحدث عنه الروايةُ يعني عدمَ إلزامِهِ بالعمل فيما يتعلم من والديه، وسيادَتُهُ تعني قبولَ أوامره دون الإئتمار بما يطلبه الوالدان، أما إهماله فهو النهي عن عقوبته . فهذه المرحلة تكون نفسية الطفل بيد والديه كالأرض الخصبة بيد الفلاح تَتَلَقَّفُ كلَّ ما يَبذُرُ فيها من خيرٍ أو شرٍّ .

المرحلة الثانية : وهي تشمل السبع سنين الثانية من العمر، وفي هذه المرحلة يَجدُرُ بالوالدين التعامل مع الطفل على أساس :

1-  تدريب الطفل على تَلبيةِ أوامرِ والديه .
2-  المُبادَرَةُ إلى تأديب الطفل وتهذيبه .

فقد جاء في النصوص الشريفة عن النبي صلى الله عليه وآله: (الولدُ سيدُ سبعِ سنين، وعبدُ سبعِ سنين)، وعن الإمام الصادق عليه السلام: دَعِ إبنَكَ يلعبُ سبعَ سنين، ويُؤَدَّبُ سبعاً)، وعنه عليه السلام أيضاً: أهمِل صبيَّك تأتي عليه ستُّ سنين، ثم أدِّبهُ في ستِّ سنين)

المرحلة الثالثة : وتكون من سن الرابعةِ عشر من العمر فما بعد، وتختلف هذه المرحلة عن الثانية في أن الأبناء أصبحُوا في المستوى الذي يُؤَهِّلُهُم لإتخاذ المكانة المرموقة في الأسرة، فالولد (ذكرٍ أو أنثى) في هذه المرحلة :

1-  وزيرٌ لوالديه .
2-  مستشارٌ لهما .

ففي هذه المرحلة يكون الولد كالنبات الذي حان وقتُ قطفِ ثِمَارِهِ ، فهو وزيرٌ لوالديه كالثمر للفلاح ، ووزير المـلك الذي يحـمل ثِقلَهُ ويُعِيـنَه برأيه.  ثم إن إلزامَ الوالدين للولد في هذه المرحلة وضَمَّهُمَا إليه كما جاء في النصوص الشريفة تعني كونه مُستَشَاراً لهما، وهذا هو الأمر الذي يُؤَدِّي إلى قُربِهِ ودُنُوِّهِ من والديه، وأما إذا كان الولد في هذه المرحلة غير مُؤَهَّل لهذا المنصب في الوزارة والإستشارة، فهذا يَرجِعُ إلى سوء إختيارهِ لطريقة مَمشَاهُ في الحياة، وعلى هذا لا ينفع إتخاذ سبيل الشِدَّة معه، أو الإلحاح على تهذيبه وتعديل سلوكه، وهو ما تشير إليه الرواية (فَخَلِّ سَبيلَهُ) أو (فإنه لا خيرَ فيه).


وبالحديث حول العوامل التي تساعد على طاعة الأبناء للوالدين نذكر منها:

1- إشباع حاجات الطفل :

إن الطفل في المرحلة الأولى من عمره (من 1 إلى 7 سنين) يحتاج إلى الحُبِّ والحنان لتنمية قدراته النفسية، كما يحتاج إلى الطعام والماء لتنمية قدراته الجسدية . وكل فرد يحتاج إلى قوة النفس لممارسة نشاطاته الحياتية، وتُعتَبَرُ حَجَرُ الأساس في النجاح في الممارسات اليومية .

وتاريخُنا الإسلامي يسجل للأمة الإسلامية قوتها وصلابتها في مواجهة قريش وعدَّتِها وعددها بما أوتِيَت من ثقة بالنفس يحمله أفرادها .
إضافة إلى أن باب خيبر الذي يعجز الرجال الأشداء عن حمله إستطاع أن يحمله أمير المؤمنين عليه السلام بقوته النفسية . ومن هنا يتضح لنا ضرورة إشباع حاجة الطفل من الحُبِّ والحنان، ويتضح أيضاً سببُ تأكيدِ التربية الإسلامية على ذلك، ونلحظه في النصوص التالية :
-  عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (أحِبُّوا الصِبيان وإرحَمُوهُم)
-  وقال الإمام الصادق عليه السلام: (إن اللهَ لَيَرحَم الرجلَ لشدَّةِ حُبِّهِ لولدِهِ)
-  وعنه عليه السلام أيضاً: (بِرُّ الرجل بولَدِهِ بِرُّهُ بوالدَيه)

ولا يكفي أن نحمل الحُبَّ لأولادنا في قلوبنا فحسب، بل ينبغي للوالدين إظهار ذلك لهم من خلال السلوك والتعامل معهم . وقد جاء في الحديث الشريف عن الإمام علي عليه السلام : (من قَبَّـلَ ولدَهُ كانَ لهُ حَسَنةٌ، ومن فرَّحَهُ فرَّحَهُ اللهُ يومَ القيامة)،  وورد أنه جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال : (ما قبّلت صبياً قَطٌّ، فلما وَلَّى قال النبي صلى الله عليه وآله: (هذا رجل عندنا إنه من أهل النار).  ومن أبرز مصاديق إظهار المحبة للأولاد هو إدخال الفرح والسرور على قلوبهم من خلال حمل الهدايا لهم والتوسعة عليهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وآله: (من دخل السوق فإشترى تُحفَةً فحملها إلى عياله كان كحامل صدقة إلى قوم مَحَاويجٍ، وليبدأ بالإناث قبل الذكور، فإنه من فرَّح إبنه فكأنما أعتق رقبة من ولد إسماعيل)، وورد عنه صلى الله عليه وآله: (ليس منا من وُسِّع عليه ثم قَتَّر على عياله.

2-  الاهتمام بوجودِ الطفلِ :

إن الطفل بحاجة أيضاً في السبع السنوات الأولى من حياته إلى شعوره بأنه يحتلُّ في قلوب والديه مكاناً مهماً سواء كان ذكراً أو أنثى، ذكياً أو بليداً، جميلاً أو قبيحاً . وينبغي للوالدين الإنتباه إلى هذه الناحية، فعليهم الإصغاء إليه حينما يتحدث، وأَخذُ مشورته في القضايا العائدة إليه، وإحترامُ رأيه حين يختار، ونحن نلحظ أن الشريعة الإسلامية توجهنا إلى هذه المعاني ففي قصة النبي إبراهيم عليه السلام نجد أنه عندما جاءه الأمر الإلهي في ذبح ولده إسماعيل قد إستشار ولده في ذلك قائلاً : (يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى)، وكذلك نجد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام كانت تحرص على إسماعِ أبنائِها دعاءَها لهم في صلاة الليل مع إستحباب إخفائه ، والسبب واضح لتأكيد إهتمامها بهم وبأنهم يَحتَلُّونَ في قلبها المكانة الرفيعة .

ومن المؤسف أن نَجِدَ بعض الآباء لا يهتمون بأبنائهم ، فنجدهم -على سبيل المثال- يتجاهلونهم في مَحضَرِ الضيوف، فلا يُقدِّمون لهم الطعام ولا يمنحونهم فرصة الحديث في المجلس وغير ذلك .

3-  الحرية اللازمة:

لا بُدّ أن يتمتعَ الطفل بالحرية في المرحلة الأولى من حياته، فلا بُدّ أن يجد المكان المناسب له في لعبه وحركته وترتيب لوازمه دون تدخُّلِ الكبار، ولا بُدّ أن يجد الحرية في الحركة دون تحذير . وكذلك لا بُدّ أن لا يجد من يعيد ترتيب ممتلكاته بعد أن رتبها بنفسه، وأن يجد الحرية في إرتداء ما يعجبه من الملابس وإختيار ألوانها، فما دام هو السيد في هذه المرحلة وهو الأمير فلا بُدّ أن يكون ترتيب البيت بشكل يتناسب مع حركته ووضعه، كما يجدر بالوالدين التَحَلِّي بالصبر للحصول على النتائج والثمار الحسنة .

رابعاً:  الإحسان إلى الطفل وتكريمه

الطفل في هذه المرحلة بحاجة إلى المحبّة والتقدير من قبل الوالدين وبحاجة إلى الإعتراف به وبمكانته في الأسرة وفي المجتمع، وأن تُسلّط الاضواء عليه، وكلّما أحسَّ بانّه محبوبٌ، وأنّ والديه أو المجتمع يشعر بمكانته وذاته فانّه سينمو متكيفاً تكيّفاً حسناً وكينونته راشداً صالحاً يتوقف على ما إذا كان الطفل محبوباً مقبولاً شاعراً بالإطمئنان في البيت.  والحبُّ والتقدير الذي يحسّ به الطفل له تأثير كبير على جميع جوانب حياته، فيكتمل نموه اللغوي والعقلي والعاطفي والإجتماعي، والطفل يقلّد من يحبه، ويتقبّل التعليمات والأوامر والنصائح ممّن يحبّه، فيتعلم قواعد السلوك الصالحة من أبويه وتنعكس على سلوكه إذا كان يشعر بالمحبة والتقدير من قبلهما، وقد وردت عدة روايات تؤكد على ضرورة محبة الطفل وتكريمه، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أكرموا أولادكم وأحسنوا آدابهم)، وقال أيضاً : (رحم الله عبداً أعان ولده على بِرّه بالإحسان إليه والتألف له وتعليمه وتأديبه)، وقال: (نظر الوالد إلى ولده حبّاً له عبادة)، وأيضاً قال صلى الله عليه وآله: (أحبّوا الصبيان وإرحموهم ، فإذا وعدتموهم فوفوا لهم، فانّهم لا يرون إلاّ أنكم ترزقونهم).
 
ومن باب تكريم الطفل إحترامه، فمع الأسف الشديد من الملاحظ في مجتمعاتنا الإستخفاف بقدرات الأطفال و تحقيرهم على خلاف تعالي الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله، مع أن الحقيقة العلمية تثبت أن للطفل قدره هائلة على التعلم والحفظ والإستيعاب، إن أكثر الآباء لا يهتمون برعاية إحترام أطفالهم ، ويوجدون في نفوسهم عقدة الحقارة من حيث يعلمون أو لا يعلمون، ونضرب على ذلك أمثلة -للأسف- منها:

1-  من المتداول في الحفلات والمجالس أن تُبعث بطاقات الدعوة للكبار فقط، وبعض الآباء يصحبون معهم أولادهم الذين في السن الثامنة أو العاشرة ـوهؤلاء يملكون نفوساً حساسةـ بدون بطاقة دعوة، وبهذا العمل فإنهم يلقنونهم الذلة والحقارة، ويفهمونهم بصورة غير مباشرة أنهم لا يليقون بالدعوة.  لا بد أنكم لاحظتم ما يحدثه إرسال صاحب البيت بطاقة خاصة للصبي ذو العشر سنين من أثر عظيم في روح الطفل، فيحضر الحفلة بعزة وفخار، شاعراً بالاستقلال والاحترام !

2-  عندما يجلس الكبار على المائدة يوضع أمام كل منهم صحن وملعقة وشوكة، بينما الأطفال لا تخصص لهم صحون، فيأخذون بالنظر إلى من حولهم بإنكسار إلى أن يرق قلب الأب أو أحد الحاضرين فيفرغ للصبي صحن الخضروات الصغير ويناوله إياه، إن هذا تحقير صريح للطفل أمام ذلك الجمع الكبير، وهو ضربة قاصمة ترد على شخصيته وربما تلازمه مدى العمر.

3-  يحين وقت النوم، فيخصص لكل من الضيوف الكبار سرير خاص أو فراش معين، ويبقى الصبي الصغير حائراً دون أن يفكر في أمره أحد، كأنهم لم يعتبروه إنساناً ولم يخصصوا له سريراً، وأخيراً يلجأ مع الإحساس بالفشل والإنهيار الى فراش أبيه أو أحد أقربائه !

4-  الأب جالس مع الضيوف في غرفة الاستقبال وهم يتحدثون، يدخل الصبي ذو العشرة أعوام إلى الغرفة يقوم الضيوف إحتراماً له، من المناسب في هذه الحالة أن يسكت الأب حتي يقوم الصبي نفسه بتوجيه الشكر لهم، أو أنه اذا لم يستطع ذلك يقول له الأب : "تشكّر من السادة" ويقول هو : "أشكركم"، لكن ما يحدث في كثير من الأحيان أنه بمجرد أن يحترم الضيوف الصبي، يظهر الأب خجله من ذلك فيقول لهم وكأن عملاً سيئاً قد وقع: "إستريحوا، تفضلوا" إنه بهذا العمل يستسغ التحقير لولده، وهنا يحس الصبي بأن أباه يريد أن يقول للضيوف: "إن إبني لا يليق بالإحترام والتكريم، لا تعتنوا به ولا تقوموا له".

5-  كثيراً ما يُشاهد أن الآباء لا يحجزون في بعض السفرات القصيرة مقاعد لأطفالهم بغرض الإقتصاد في الصرف، فيقف الطفل طول الطريق، وعندما يتعب يجلس في حجر الأب، هنا يحس الطفل بأنه لا يملك من المنزلة والإحترام ما يستوجب أن يحجز له مقعد خاص حتى يجلس كالآخرين، خصوصاً إذا كان هناك طفل في سنه قد حجز له أبوه مقعداً.  إن الأب يحاول أن يقتصد بعض الشيء ولكنه يوجه ضربة قاصمة نحو شخصية الطفل ويهينه بعمله هذا.

6-  أسئلة الأطفال كثيرة جداً، بعضها قد يكون مُحير بالنسبة لنا، والبعض قد يكون سخيف ومكرر، والبعض الآخر قد يكون مُحرج، لذا فإننا نجد الغالبية منا يلجأ إلى تفسير الأمور للطفل بطريقة سخيفة مُضحكة غير منطقية ولا علاقة لها بالحقيقة أو حتى بالسؤال الذي طرحه الطفل فقط لنسكته ونخلص من شرّه، مُعتقدين بأنه غير قادر على فهم أو إستعاب الحقيقة، مع إنه على العكس لو حاولنا تفسير الأمور للطفل بمنطق مُبسط سيستوعبها تماماً وسيكون بمنتهى الرضى.  إننا حينما نجيب الاطفال على أسئلتهم بطريقة صحيحة مع إحترام لعقلية هذاالطفل، وحين ننتهز فرصة للعبنا مع أطفالنا لتفسير وشرح بعض المفاهيم والأمور البيسطة، أو عند تفسير سبب نهينا لهم عن تصرفات معينة ، وفي هذه الأثناء نحن نكون البُنية الأساسية لعقلية وتفكير هذا الصغير، هذه البُنية ستكون بمثابة المرجع التي سيرجع لها الطفل طوال حياته والتي سيستنبط منها معلومات أكبر وأكثر تعقيداً في المستقبل، لذا فإن وُضعت هذه البنية أو اللبنة الأولى لعقلية هذا الطفل بشكل غير صحيح وعلى أساس خاطئ وهمي يفتقر إلى الصدق أو المنطق نكون قد كتبنا على أطفالنا الحيرة والتخبط واللامنطقية طول العمر.
 
كيف ستكون ردة الفعل عند هذا الطفل؟

قد يظهر الطفل أمام هذه الاهانات رد فعل فوري، فيغضب، أو يتحسر ويتألم، أو يبكي، وقد يتفاقم ذلك فيظهر بصورة أعمال إستفزازية منكرة.  ان تكرار الأعمال التي تتضمن التحقير والإهانة يوجد في ضمير الطفل عقدة نفسية، ويجعله إنساناً تافهاً، ويقتل فيه قابلية الإعتماد على النفس وإستقلال الشخصية وتلازمه ويلات ذلك كله مدى العمر.
 
إن من أسلم الطرق وأفضلها لإحياء شخصية الطفل إحترامه والإمتناع عن تحقيره وإهانته، وقد أشار العلماء المعاصرون في الكتب النفسية والتربوية إلى هذين الأمرين، أعني: إحترام الطفل، وعدم تحقيره.  على الوالدين أن يسعيا للنفوذ إلى أعماق قلب طفلهما حتى يرى المسائل بالشكل الذي يريانه.  قد يسمع الأطفال أن حديثاً يدور حولهم، وأن الحديث يتناول ذمهم وذكر معايبهم، وتأويل سذاجتهم إلى شيء من البلادة والحمق، عند ذاك يدركون أن الكبار يحتقرونهم، ويوجهون اللوم والتقريع نحوهم دون أن يفهموا روحياتهم، في حين أن هؤلاء الأطفال الأبرياء لا يعلمون السبب في توبيخهم وتأنيبهم، أو أنهم يجبرون على سلوك معين في حين يجهلون العلة الصحيحة والمنطقية لذلك، بهذه الصورة ينفصل عالمهم عن عالم الكبار في حين أنهم توصلوا تلقائياً إلى هذه النتيجة، وهي أن الكبار موجودات تختلف عنهم، وان عليهم أن يتسلحوا بالسلاح الكافي للدفاع عن حقوقهم تجاههم.

يجب على الآباء أن يحاولوا أن لا ترتفع إصواتهم مع الأطفال أكثر مما هو الحال عند الحديث مع زميل أو صديق لهم، أما الإرشادات فعندما تصبح ضرورية يجب أن تُساق بالهدوء واللين بحيث لا تُوجد حاجزاً بينهم وبين الأطفال، أو تؤدي إلى نفوره وحقده.  فإذا سار السلوك مع الأطفال على هذا النحو نشأوا ذوي شخصية ممتازة، وإعتادوا على الإعتماد على النفس.  يجب إفهام الطفل بأنه عضو فعال في الأسرة، وأن عليه مسؤولية معينة يجب أن يلتزمها ويقوم بأدائها.

لقد كان صلّى الله عليه وآله يراقب أطفاله منذ الأيام الأولى للولادة، فالرضاع، فالأدوار الأخرى خطوة خطوة، ويرشدهم إلى الفضائل العليا والقيم المثلى، يحترمهم ويكرمهم حسب ما يليق بهم من درجة تكاملهم الروحي.  وأهم من ذلك أنه كان لا يقصر أهتمامه على اطفاله فقط، بل كان يهتم بتربية أطفال الآخرين أيضاً، فقد كان ـفي الواقعـ مربياً عظيماً وأباً عطوفاً لأطفال المسلمين أيضاً، وكان يسعى لإحياء الشخصية الفاضلة فيهم قدر المستطاع، وعلى سبيل الشاهد نذكر نماذج من سلوكه في تربية أولاده وأولاد المسلمين أيضاً:

روي عن أم الفضل زوجة العباس بن عبد المطلب مرضعة الحسين عليه السلام قالت: (أخذ مني رسول الله صلّى الله عليه وآله حسيناً أيام رضاعه فحمله، فأراق ماءً على ثوبه، فأخذته بعنف حتى بكى.  فقال صلّى الله عليه وآله: مهلاً يا أم الفضل، إن هذه الاراقة الماءُ يطهرها، فأي شيء يزيل هذا الغبار عن قلب الحسين؟)  إن مرضعة الحسين عليه السلام ترى في البلل الذي أحدثه على ثوب جده ـشأنه في ذلك شأن سائر الأطفالـ عملاً منافياً، ولذلك فهي تأخذه من يد رسول الله بعنف في حين أن ذلك يخالف سلوك النبي مع الأطفال، ومع فلذة كبده الحسين بصورة خاصة.

فالطفل الرضيع يدر العطف والحنان، كما يدرك الحدة والغلظة بالرغم من ضعف روحه وجسده، ولذلك فهو يرتاح للحنان ويتألم من الغلظة والخشونة.  إن الآثار التي تتركها خشونة المربي في قلب الطفل وخيمة جداً بحيث أنها تؤدي إلى تحقيره وتحطيم شخصيته، وإن إزالة هذه الحالة النفسية من الصعوبة بمكان، ولذلك فإن الرسول الأعظم يقول لمرضعة الحسين : (إن ثوبي يطهره الماء، ولكن أي شيء يزيل غبار الكدر وعقدة الحقارة من قلب ولدي؟).

هذه الرعاية التربوية نفسها كانت تنال أطفال المسلمين بصورة عامة فقد كان ينبه الآباء إلى واجباتهم في الحالات المناسبة، فقد جاء في الحديث إنه كان صلّى الله عليه وآله يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو ليسميّه.  فيأخذه فيضعه في حجره تكرمة لأهله.  فربما بال الصبي عليه فيصيح بعض من رآه حين بال.  فيقول : (لا تزرموا بالصبي) فيدعه حتى يقضي بوله، ثم يفرغ من دعائه أو تسميته.  فيبلغ سرور أهله فيه، ولا يرون أنه يتأذى ببول صبيهم، فإذا إنصرفوا غسل ثوبه.

وفي هذا الحديث ثلاث نقاط جديرة بالملاحظة:

الأولى:  أن الرسول الأعظم كان يستغل جميع الأساليب والوسائل لإحترام المسلمين وتكريمهم، ومن ذلك إحتضان أطفالهم الرضع بكل حنان وعطف ومعاملتهم بالشفقة، فأحد أهداف النبي في عمله هذا هو تكريم أولياء الأطفال كما ورد التصريح بذلك في الحديث (تكرمة لأهله).

الثانية:  أن الطفل يبول طبقاً لحاجته الطبيعية وأداءً لعمل فطري، ولا يدرك في عمله هذا إستحسان المجتمع أو إستياءه، ولذلك فإن الرسول صلّى الله عليه وآله يقول: (لا تغلظوا معه ولا تمنعوه من التبول، دعوه حراً) ولا شك في أن إجبار الطفل على إمساك ما تبقى من بوله يخالف القواعد الصحية.

الثالثة:  أن خشونة الوالدين وغلظتهما تؤدي إلى تحقير الطفل وإيذاءه وأن الإنهيار النفسي للطفل يؤدي إلى نتائج سيئة طيلة أيام العمر، فعلى الراغبين في تنشئة أطفالهم بصورة صحيحة أن يحذروا من إثارة غبار التألم والإستياء في الضمير الباطن لهم.

كم يتجلى لنا مدى إهتمام الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله بتكريم أولاده من الرواية التالية، يقول الراوي: دعي النبي إلى صلاة والحسن متعلق به، فوضعه النبي مقابل جنبه وصلى، فلما سجد أطال السجود، فرفعت رأسي من بين القوم فإذا الحسن على كتف رسول الله صلّى الله عليه وآله، فلما سلم قال له القوم: يا رسول، لقد سجدت في صلاتك هذه سجدة ما كنت تسجدها، كأنما يوحى إليك.  فقال: لم يوح إلي، ولكن إبني كان على كتفي، فكرهت أن أعجله حتى نزل).  هذا العمل من النبي تجاه ولد الصغير أمام ملأ من الناس نموذج بارز من سلوكه في تكريم الطفل، إن الرسول عمل أقصى ما يمكن لإحترام الطفل.

وقد كان أطفال الناس أيضاً يحوزون إحتراماً وتكريماً من قائد الإسلام العظيم، وكان يبذل لهم من العناية بمشاعرهم الروحية وعواطفهم ما يبذله لأولاده، فعن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (صلّى رسول الله عليه وآله بالناس الظهر فخفف في الركعتين الأخيرتين، فلما إنصرف قال له الناس: هل حدث في الصلاة حدثٌ؟  قال: وما ذاك؟  قالوا: خفّفت في الركعتين الأخيرتين.  فقال لهم: أما سمعتم صراخ الصبي؟!).  وهكذا نجد النبي العظيم يطيل في سجدته تكريماً للطفل تارة، ويخفّف في صلاته تكريماً للطفل أيضاً تارة أخرى، وهو في كلتا الصورتين يريد التأكيد على إحترام شخصية الصبي وتعليم المسلمين طريق ذلك.

ومثل هذا نجده في الحديث الآتي عن النبي صلّى الله عليه وآله أنه كان جالساً، فأقبل الحسن والحسين، فلما رآهما النبي قام لهما، وإستبطأ بلوغهما إليه فإستقبلهما وحملهما على كتفيه، وقال : (نعم المطيّ مطيّكما، ونعم الراكبان أنتما).  في هذا الحديث نجد أن النبي يُكرم سبطيه بشتى الصور فيقوم لهما، وينتظرهما، ويستقبلهما، ويجلسهما على كتفيه، هذا من الناحية العملية، وأما قولاً فهو يقول في حقهما: "نعم الراكبان أنتما".  إن ما يلفت الإنتباه هو أن المسلمين في الغالب، ولهذا الأمر فائدتان: الأولى أن جذور شخصية السبطين كانت تقوى وتستحكم بفضل إحترام النبي لهما أمام الناس، والثانية أن الرسول كان يُعلم الناس طريق تربية الأطفال بصورة تطبيقية.

وقد كان أطفال المسلمين أيضاً متمتعين بهذا الأحترام والعطف من النبي أيضاً، فكان صلّى الله عليه وآله يقدم من السفر، فيتلقاه الصبيان فيقف لهم، ثم يأمر بهم فيرفعون إليه فيرفع منهم بين يديه ومن خلفه، ويأمر أصحابه أن يحملوا بعضهم، فربما يتفاخر الصبيان بعد ذلك، فيقول بعضهم لبعض: حملني رسول الله بين يديه، وحملك أنت وراءه، ويقول بعضهم: أمر أصحابه أن يحملوك وراءهم.  مما سبق يظهر جلياً أن الأطفال كانوا يتمتعون بهذه المناظرة السارة، وكانوا يفرحون كثيراً لهذا السلوك الممتاز فلا ينسون تلك الخواطر الطيبة، بل كانوا يتحدثون عنها فيما بعد ويتفاخرون بتقدم رتبة بعضهم على بعض بمقدار تكريم النبي لهم.

يُقال: أن الأطفال يستأثرون بإهتمام العصر الحاضر، وأن تربيتهم تشغل مجالاً واسعاً من تفكير الحكومة والشعب ... أفهل يمكن أن يبلغ إهتمامهم بالأطفال الدرجة التي بلغها إهتمام الرسول الأعظم بهم وتكريمه لهم؟ !

وبصورة أساسية فإن الرسول الأعظم كان يُعامل جميع الأطفال سواء كانوا أبناءه أو أبناء غيره بالشفقة والعطف والحنان، وقد جاء في الحديث: (والتلطف بالصبيان من عادة الرسول).  إن عطف النبي صلّى الله عليه وآله كان يؤدي إلى تشديد أواصر الحب والإخلاص بينه وبين الأطفال فيرسخ حبه في قلوبهم وينشأون منذ البداية محبين لقائدهم العظيم، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام أنه قال: (جبُلت القلوب على حب من نفعها وبغض من ضرها)، وعنه أيضاً: (طبعت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.

لقد تجاوز الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله في سبيل تكريم الأطفال حد رد السلام فكان هو يبدأ السلام معهم على ما هو عليه من عظم الشخصية، وبذلك كان يحترم شخصيتهم. هذا العمل الفريد من نوعه دعاء علماء الحديث إلى أن يوردوا إحاديث (إستحباب التسليم على الصبيان) في باب خاص. وهذه نبذة نستعرض فيها بعض الروايات بهذا الخصوص:

1-  عن أنس بن مالك قال:  (إن رسول الله صلّى الله عليه وآله مرّ على صبيان فسلم عليهم وهو مغِذّ)
2-  وذكر بعضهم في تعداد صفات النبي : (إنه كان يسلم على الصغير والكبير)
3-  وعن الإمام الصادق عليه السلام عن آبائه عن النبي صلّى الله عليه وآله قال: (خمس لست بتاركهن حتى الممات ... وتسليمي على الصبيان لتكون سنة من بعدي)

و لبدء الطفل بالسلام أثران نفسيان، الأول أنه يقوي في نفس المسلم صفة التواضع وخصلة الخلق الفاضل، والثاني أنه يحيي في الطفل الشخصية الرصينة والإرادة المستقلة.  إن الطفل الذي يجد الكبار يسلمون عليه ويحترمونه بهذا الأسلوب يُصدق بكفاءته وأهليته للإحترام، ويطمئن منذ الصغر إلى أن المجتمع يعتبره إنساناً ويعيره الناس إهتماماً لا بأس به.  على الراغبين في إتباع سُنة الرسول الأعظم أن يبدأوا الأطفال بالسلام، كي يُركّزوا في نُفوسهم خصلة التواضع، ويحيوا شخصيات الأطفال ويدفعوهم إلى طريق التربية السليمة.

ونُضيف أيضاً بأن من مصاديق محبة الطفل وإشعاره بمكانته التشجيع له ومدحه على ما ينجزه من أعمال وإنْ كانت يسيرة والتجاوز عن بعض الهفوات، وعدم تسفيه أقواله أو أعماله وعدم حمله على مالا يطيق، وكذلك تقبيل الطفل فإنه من أفضل الوسائل لاِشعاره بالحب والحنان.  قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (أكثروا من قبلة أولادكم، فإن لكم بكلِّ قبلة درجة في الجنة)، وقال صلى الله عليه وآله: (من قبّل ولده كان له حسنة، ومن فرّحه فرّحه الله يوم القيامة).  والأفضل أن يكون إشعار الطفل بانّه محبوب مرافقاً له في كلِّ الأوضاع والأحوال حتّى وإنْ أخطأ أو إرتكب ما يوجب التأنيب أو العقاب، والأفضل أن نجعل الطفل مُميّزاً بين الحب له وعدم كراهيته في حالة خطئه أو ذنبه، ويقال (انّنا كآباء يجب أن لا نجعل الطفل يشعر في أي مرحلة من مراحل عمره بانّه منبوذ ولو حتى بمجرد نظرة عين، انّ الطفل لا يستطيع أن يفرّق بين كراهية والديه لسلوكه وبين كراهيتهما له، ولكن بالتدريب وتكرار العمل يمكننا أن نقنع الطفل بأنّ العمل الخاطئ الذي يرتكبه مبغوضاً من قبل والديه، أو من قبل المجتمع مع بقاء المحبوبية له، ونحاول إقناعه بالإقلاع عن الأعمال الخاطئة وإشعاره بإنْ الحب والحنان سيصل إلى أعلى درجاته في هذه الحالة.

خامساً : التوازن بين اللين والشدّة

إن تكريم الطفل والإحسان إليه وإشعاره بالحب والحنان وإشعاره بمكانته الإجتماعية وبأنه مقبول عند والديه وعند المجتمع، يجب أنْ لا يتعدى الحدود إلى درجة الإفراط في كلِّ ذلك، وأن لا تُتْرك له الحرية المطلقة في أن يعمل ما يشاء، فلابدّ من وضع منهجٍ متوازن في التصرّف معه من قبل الوالدين، فلا يتساهلا معه إلى أقصى حدود التساهل، ولا أن يعنّف على كلِّ شيء يرتكبه، فلا بدّ أنْ يكون اللين وتكون الشدّة في حدودهما، ويكون الإعتدال بينهما هو الحاكم على الموقف منه حتى يجتاز مرحلة الطفولة بسلام وإطمئنان، يميّز بين السلوك المحبوب والسلوك المنبوذ، لأن السنين الخمسة الأولى أو الستة من الحياة هي التي تكوّن نمط شخصيته، وكما جاء عن الإمام الباقر عليه السلام: (شرّ الآباء من دعاه البرّ إلى الاِفراط).

وفي حالة إرتكاب الطفل لبعض المخالفات السلوكية، على الوالدين أنْ يُشعِرا الطفل بأضرار هذه المخالفة وإقناعه بالإقلاع عنها ، فإذا لم ينفع الإقناع واللين يأتي دور التأنيب أو العقاب المعنوي دون البدني، والعقوبة العاطفية خيرٌ من العقوبة البدنية، كما أجاب الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام حينما سُئِل عن كيفية التعامل مع الطفل فقال: (لا تضربه وأهجره ... ولا تطل).  وقد أكدّت الروايات على الإعتدال في التعامل مع الطفل فلا إفراط ولا تفريط، فالاِمام لا يدعو إلى اللين والتساهل مع الطفل في حالة تكرار الأخطاء، كما لا يدعو إلى إستمرار العقوبة العاطفية وهي الهجر، وإنّما يدعو إلى الإعتدال والتوازن بين اللين والشدّة، ذلك أن الإفراط أو التفريط يؤدي إلى تأثيرات سلبية على الطفل من جميع الجوانب العقلية والعاطفية والخلقية، ويجب في ضوء المنهج التربوي السليم أنْ يحدث التوازن بين المدح والتأنيب، فالمدح الزائد كالتأنيبْ الزائد يؤثر على التوازن الإنفعالي للطفل، ويجعله مضطرباً قلقاً.

الهدف من التربية الصحيحة هو أن تقرن حياة الطفل بالسعادة، وتكلّل جهوده بالنجاح، إذ الحياة على طولها تتضمن صراعاً مع المشاكل وهكذا يواجه الفرد كثيراً من المنخفضات والمرتفعات والمعطفات والمصائب في مختلف أدوار حياته، والمربي القدير هو الذي يعمل على تنشئة جسم الطفل وروحه على أحسن الأساليب بحيث يعدّه للمقاومة والثبات أمام صعوبات الحياة.  وكما أن جسم الطفل يقوي نتيجة للمراقبة الصحية، والتوازن في أكله ونومه وحركته ورياضته، ويستطيع من مقاومة البرد والحر، والجوع والعطش، والمرض على أحسن وجه، فكذلك روحه فإنها تنمو قوية في ظل الصحة الروحية والتعاليم الخلقية، والتوازن بين أساليب العطف والحنان والشدة والخشونة...  وبذلك يتمكن من الصمود أمام المصائب والمشاكل والإندحارات الروحية.

وبالعكس فإن الأطفال الذين يواجهون المحبة والرأفة الزائدتين، ويستسلم لهم آباؤهم وأمهاتهم بدون أي قيد أو شرط، ويستجيبون لجميع مطاليبهم من صالح أو طالح، وبالتالي ينشأون على الإستبدادب والإعجاب بالنفس ... فإنهم يحملون أرواحاً ضعيفة ونفوساً سريعة الإنهزام من ساحة المعركة، ويتأثرون من دور الطفولة حتى آخر لحظة من العمر من مواجهة أبسط الأشياء، وأخف المصائب، وينكسرون أمام مشاكل الحياة بسرعة.  إن الأفراد الذين نشأوا في ظل الحنان المفرط، هم أتعس الأفراد، لأنهم يعجزون عن حل مشاكل الحياة الإعتيادية، فيلجأون في الشدائد إلى الإنتحار متصورين أن النهاية الحتمية لفشلهم يجب أن تُبرّر بالإنهزام من معركة الحياة.

أن كل أسلوب أهوج يتّبعه الوالدان في تربية الأولاد يكون له الأثر السيئ، ويولد نوعاً من الإنحراف، فإن الإكثار الضار من المحبة للأطفال يُعد من أعظم الأخطاء التربوية.  إن العواقب السيئة التي يلاقيها الأطفال بهذه المناسبة مهمة وخطرة، ولقد إهتم جميع علماء النفس بهذا الموضوع في بحوثهم التربوية، ولكل منهم حوله كلام فصل.

يقول (جلبرت روبين): (إن تعويد الطفل على الإعجاب بنفسه يورث الغضب الشديد فيه لأبسط الأشياء، والإستبداد في الرأي، وفي الغالب يدفعه إلى الرغبة في طلب الجاه، وفي النتيجة يحصل الطفل على القدرة التي تساعده على التقدم، ومع كونه ذا أعصاب هزيلة فإنه ينجح بواسطة الحيلة والشدة. إن جعل الأطفال معجبين بأنفسهم يكوّن منهم أفراداً تعساء، ضعفاء، عديمي الإرادة).

ويقول (مك برايد): (الشعور بالدل والغنج أمارة اخرى من أمارات عقدة الحقارة، ويجب البحث عن أساسه في أسلوب التربية الخاطىء المتخذ في دور الطفولة.  إن الطفل الذي كان يرى نفسه قرة عين والديه، عندما يكبر ويصبح رجلاً كاملاً يجب أن يكون في جميع نواحي الحياة محبوباً من غير علة ومحترماً لدى الجميع، فعندما يرى أنه لم يُعتن به، يفقد الهدوء والإستقرار، ويختل ما صفا من فكره، فإما أن يلتجيئ إلى الإنتحار، وإما أن يبغض الآخرين.  إن عقدة الحقارة التي تنشأ في الناس بهذه الظاهرة مصيبة عظيمة للمجتمع).

والموضوع الذي يلزم الألتفات أليه هو كيفية التوازن والتعديل في المحبة والحنان، ولا ريب أن الأطفال كما لهم الرغبة في الغذاء والهواء وسائر الحاجات الطبيعية كذلك لهم رغبة فطرية نحو الحنان والمحبة، فيلزم الإستجابة لهذه الرغبة الطبيعية بدورها حسب أسلوب صحيح تشبع تلك الرغبة، وترضي الطفل، فيربّي حسب السنة الخلقية والفطرية.

إن الواجب الدقيق والثقيل على الأبوين في تحسين تربية الطفل هو أن يعلما متى معاملته بالحنان والمحبة، ومعرفة المقدار الذي يجب القيام به حينئذاك، لأن نشوء الطفل أنانياً ومعجباً بنفسه حصيلة أحد أمرين: إما المحبة حيث لا داعي لها، أو الإكثار منها مع وجود المقتضي إليها.

سادساً : العدالة بين الاطفال

الطفل الأول في الأسرة يكون موضع حب وحنان وعناية من قبل والديه لأنّه الطفل الأول والطفل الوحيد، فيمنح الإهتمام الزائد، والرأفة الزائدة، وتلبّى كثيراً من حاجاته المادية والنفسية، فنجد الوالدين يسعيان إلى إرضائه بمختلف الوسائل ويوفرّون له ما يحتاجه من ملابس وألعاب وغير ذلك من الحاجات، ويكون مصاحباً لوالديه في أغلب الأوقات سواء مع الأم أو مع الأب أو مع كليهما، وبعبارة أُخرى يلقى دلالاً وإهتماماً إستثنائياً، ومثل هذا الطفل وبهذه العناية والإهتمام، سيواجه مشكلة صعبة عليه في حالة ولادة الطفل الثاني، وتبدأ مخاوفه من الطفل الثاني، لانّه سيكون منافساً له في كلِّ شيئ، ينافسه في حب الوالدين ورعايتهم له، وينافسه في منصبه بإعتباره الطفل الوحيد سابقاً، وينافسه في ألعابه، وتبدأ بوادر الغيرة عليه منذ أول يوم الولادة، إذ ينشغل الوالدان بالوضع الطارئ الجديد وسلامة الوالدة والطفل الجديد، فإذا لم ينتبه الوالدان إلى هذه الظاهرة فإن غيرة الطفل الأول ستتحول بالتدريج إلى عداء وكراهية للمولود الجديد، وينعكس هذا العداء على أوضاعه النفسية والعاطفية، ويزداد كلمّا إنصّب الأهتمام بالطفل الجديد وأُخرج الطفل الأول عن دائرة الإهتمام، فيجب على الوالدين الإلتفات إلى ذلك والوقاية من هذه الظاهرة الجديدة، وإبقاء الطفل الأول على التمتع بنفس الإهتمام والرعاية وإشعاره بالحب والحنان، وتحبيبه للطفل الثاني، وإقناعه بأنه سيصبح أخاً أو أختاً له يسلّيه ويتعاون معه، وأنه ليس منافساً له في الحب والإهتمام، ويجب عليهما تصديق هذا الإقناع في الواقع بأن تقوم الأم بإحتضانه وتقبيله ويقوم الأب بتلبية حاجاته أو شراء ألعاب جديدة له إلى غير ذلك من وسائل الإهتمام والرعاية الواقعية، والحل الأمثل هو العدالة والمساواة بين الطفل الأول والثاني فإنها وقاية وعلاج للغيرة والكراهية والعداء وتتأكد أهمية العدالة والمساواة كلمّا تقدم الطفلان في العمر، إذ تنمو مشاعرهما وعواطفهما ونضوجهم العقلي واللغوي بالتدريج يجعلهما يفهمان معنى العدالة ومعنى المساواة، ويشخّصان مصاديقها في الواقع العملي، وقد وردت الروايات المتظافرة لتؤكد على إشاعة العدالة بين الاطفال، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إعدلوا بين أولادكم كما تحبّون أن يعدلوا بينكم في البر واللطف).

والعدالة بين الأطفال مطلقة وشاملة لكلِّ الجوانب الحياتية التي تحيط بالأطفال في جانبها المادي والمعنوي، أي في إشباع حاجاتهما الماديّة وحاجاتهما المعنوية للحب والتقدير والاهتمام.  جاء عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه نظر إلى رجل له ابنان فقبّل أحدهما وترك الآخر، فقال صلى الله عليه وآله: (فهلاّ ساويت بينهما).  وقال صلى الله عليه وآله: (اِنّ الله تعالى يحبّ أن تعدلوا بين أولادكم حتى في القُبَل)، وأكدّ صلى الله عليه وآله على العدالة في العطاء والهدية سواء في الأكل والشرب والثياب والألعاب إلى غير ذلك . كما جاء في قوله صلى الله عليه وآله: (ساووا بين أولادكم في العطيّة، فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلّتُ النساء).

من هذا يتضح لنا أن التربية الإسلامية ترفض الإهتمام بطفل مقابل تجاهُلِ الآخر، ولكن لا بأس بالإهتمام بواحد أو أكثر من الأبناء الآخرين مع عدم تجاهل أحد منهم، والقرآن الكريم حينما يتعرض إلى قصة يوسف وإخوته الذين حقدوا عليه وألقوه في البئر يَقُرُّ بأن نبي الله يعقوب عليه السلام كان يهتم ويحب جميع أبنائه، ولكنه يخص يوسف بنصيب أكبر لما يجد فيه من خيرٍ يفوقُ إخوتَه، فورد في الآية الكريمة عن لسان إخوة يوسف(إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا) لم يقل إخوة يوسف أن أباهم كان ينفرد بِحُبِّ يوسف دونهم، لأن تفضيل الوالدين لطفل على آخر ـمع عدم تجاهل أي أحد من الأبناءـ يدفع بالجميع إلى منافسة الطفل الذي أختص بالعناية في الميزة التي لأجلها إكتسب الأفضلية في قلب والديه، وتجعل الأبناء في حَلَبَةِ السباق إلى فعل الخير .

ويجدر بالآباء أن يمتلكوا الحكمة في معرفة الميزة التي بها يتم التفضيل بين الأبناء، مثل الإستجابة لفعل الخير والبرّ بالآخرين وإمتلاك صفة الكرم والصبر على الأذى، فمن الصحيح أن يُغدِقَ الوالدان الحُب لطفل أهدى لعبتَهُ المُحَبَّبَةَ لآخر مستضعف قِبال إخوته الذين يحرصون على أشيائهم . إن هذا التفضيل يدفعهم إلى منافسته في هذا الفعل، علماً بأن التربية الإسلامية لا تشترط التفضيل، بل تراه صحيحاً . فقد ورد عن أحد الرواة أنه قال سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يكون له بنون، أيفضل أحدهم على الآخر؟  فقال عليه السلام: (نعم لا بأس به، فقد كان أبي عليه السلام يفضلني على عبد الله).

وإن بعض الأمهات حين يفضلن طفلاً على آخر لإمتلاكه صفة الجمال أو لأنه ذكر، فإن هذا النوع من التفضيل خطأ في المنظور الإسلامي، ذلك لأن الجمال أو الذكورة أو غيرها من المعاني لا يمكن التسابق فيها، فلا يملك الطفل القدرة على أن يكون أجملَ من أخيهِ الذي إكتسب الحَظوَةَ عند أبيه، وعندها لا يكون أمام الطفل إلا منفذ واحد للخروج من أزمته النفسية، وهو الغيرة والحقد على من حوله في الأسرة والمجتمع . وقد ورد عن مولى المتقين علي عليه السلام أنه قال: (ما سألت ربي أولاداً نُضُرَ الوجه، ولا سألته ولداً حَسَنِ القامة، ولكن سألت ربي أولاداً مطيعين لله وَجِلِينَ منه، حتى إذا نظرتُ إليه وهو مطيعٌ لله قُرّت عيني).  وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه نظر إلى رجل له إبنان، فقبل أحدهما وترك الآخر، فقال النبي صّلى الله عليه وآله: (فهلا ساويت بينهما؟)، وفي حديث آخر: (إعدلوا بين أولادكم كما تحبون أن يعدلوا بينكم) .

إن مقارنة الوالدين بين الأبناء يُعتبرُ أمراً مزعجاً لهم، فكما أن الزوجة تنزعج حين يطلب الزوج منها أن تكون مثل الجارة ماهرة في إعداد الحلوى، كما يزعجها أيضا تعنيفه لها رافضاً منها أن تكون مثل الجارة مهملة في ترتيب البيت، إضافة إلى الآثار الأخرى من إنكماشها وعدم إرتياحها من الطرف الآخر المقارن معها . فنفسية الطفل كذلك مثل الكبير، فكما أن المقارنة تزعج الأم وكذلك الأب، فهي تزعجه أيضاً، فتصيبُه حالةٌ من التوتر مقابل أخيه المقارن معه . لذا ينبغي على الوالدين عدم إستعمال المقارنة بين الأبناء بالمديح أو الذم، مثل أن تقول الأم لصغيرها "لماذا لا تكون مثل أخيك الذي يحافظ على ملابسه دوماً"، أو تقول "لا تبكِ وتكون مزعجاً مثل أخيك" .

ومهما تحققت العدالة والمساواة بين الأطفال فإنّها لا تستطيع إنهاء بعض المظاهر السلبية كالشجار والصراع بين الأطفال، وهي ظاهرة طبيعية تحدث بين الأطفال في كلِّ أو أغلب الأسر، فتحدث حالات من النقاش الحاد أو الاشتباك بالأيدي بين الأطفال، ويتهم أحد الأطفال أخاه أو أته بأنه المقصر في حقه أو البادئ في العدوان عليه، وفي مثل هذه الحالة على الوالدين أن يدرسا المشكلة دراسة موضوعية وأن ينظرا إلى الشجار والصراع بأنّه حالة طبيعية، فإذا كان سهلاً وبسيطاً ومحدوداً، فالأفضل عدم التدخل في إنهائه، وأن يترك الأطفال يعالجون أمورهم بأنفسهم لإنهاء الشجار، وليس صحيحاً أن يدخل الوالدان أو أحدهما كقاضي في الحكم بينهما، لأنّ الحكم لأحد الأطفال دون الآخر لا ينسجم مع مبدأ تطبيق العدالة والمساواة مع الأطفال، أمّا إذا تكرر الشجار والصراع عدة مرّات أو كان مستمراً طول النهار، أو كان قاسياً وخطراً على الأطفال، فهنا يأتي دور الأبوين في التدخل لإنهائه، بإصدار الأوامر لكليهما بالتوقف السريع عن الإستمرار به، أو لفت نظرهم إلى موضوع آخر، وإشغالهم به، أو التدخل لإبعاد أحدهم عن الآخر، وإذا تطلبّ الاَمر إستخدام التأنيب أو العقوبة المعنوية والتي يُفضل أن تكون موجهة لكليهما إنسجاماً مع تطبيق مبدأ العدالة بين الأطفال .

 

تكملة المقالة

1. كتاب أحسن الأفعال في تربية الأطفال .... مركز آل البيت ( عليهم السلام ) العالمي للمعلومات
2. كتاب الطفل بين الوراثة والتربية ... الشيخ محمد تقي فلسفي
3. كتاب بناء الأسرة الفاضلة ... عبد الله أحمد
4. كتاب تربية الطفل في الاسلام ... مركز الرسالة

بالأضافة الى مجموعة من المقالات المقتبسة من مواقع النت