ألبوم الصور
أول محطة بنزين
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273594
الحياة العلمية في القطيف


تقاس حضارة الأمم بما لها من ثقافة ، وبما أنتجت من فكر ، وبما أبدعت من فن و من المؤسف والمؤلم في الوقت نفسه أن يسيطر الغموض على تاريخ القطيف، فلا تزال بحاجة إلى المزيد من البحوث والدراسات العلمية المكثفة عن قيمتها التاريخية بين الحضارات الإنسانية العريقة؛ حيث يعتقد بعض الناس أنها منطقة حديثة العهد بالتعليم، يعود التعليم فيها إلى فترة ظهورالبترول. رغم أنها قديمة قدم العصور، ومن هنا ترجع مسئولية التعريف بتاريخ القطيف إلى أبناء القطيف أنفسهم؛ إذ يجب عليهم جميعاً العمل على النهوض بها.

ومن خلال هذا البحث المتواضع حاولنا دراسة الأوضاع العلمية في هذه المنطقة خلال القرن الرابع عشر للهجرة. وقد قسمت البحث إلى فصلين مع لمحة تاريخية:

الفصل الأول: وتحدثت فيه عن الحياة العلمية القديمة خلال العهد العثماني الثاني (طرق التدريس في الكتّاب ومراحل التحصيل العلمي العليا).

أما الفصل الثاني فتحدثت فيه عن الأوضاع العلمية في فترة الحكم السعودي، وعن المدارس التي أنشأتها أرامكو، وعن النهضة العلمية والأدبية، ثم ختمت الدراسة بتراجم لأبرز علماء القطيف.

ثقافة القطيف عبر العصور

 

إذا تتبعنا الحركة الثقافية في منطقة القطيف فإننا نجد أن هذه الحركة لم تنشأ من فراغ، وإنما قامت على أسس من الإلمام بمختلف العلوم والفنون، والتفاعل مع ثقافات كل عصر، مما أدى إلى ظهور العديد من العلماء والأدباء والشعراء على تعاقب الأجيال(1).

ويذكر العمران في كتابه الأزهار الأرجية أن في القرن الثامن الهجري منيت بلدان القطيف بالتقسيم السياسي وتحالفت عليها الأمارت واضطربت الحياة المدنية ولم تعرف الاستقرار فخبت أشعة الفكر، لكن لم يرد ذكر في كتابه عن أسباب ذلك التقسيم، ولم نتمكن من الحصول عليها حتى من خلال السؤال مشافهة. أما في القرن العاشر الهجري فقد كانت القطيف حاضرة علمية يطلق عليها النجف الصغرى؛ وذلك لكثرة العلماء والحلقات العلمية، فقد اجتمع في فترة زمنية واحدة أكثر من أربعين مجتهداً من القطيف والأحساء يمارسون البحث العلمي.

الأوضاع العلمية في القطيف خلال العهد العثماني (الثاني)(1288 - 1331هـ)

 
لقد سار منهج تعلم الأبجدية، التي ابتدع ترتيبها منذ القدم، وفق النظام المتوارث طيلة تلك العصور، ثم طرأ عليه بعض التغيير في الوقت الحديث وفقاً لما فرضته الثقافة الجديدة التي جاءت مع كتاب الله(2).

وكان التعليم في العهد العثماني الثاني ينقسم إلى مرحلتين:

1ـ مراحل الكتاتيب

2ـ مراحل التحصيل العلمي العليا.

1ـ مراحل الكتاتيب:

والتعليم في الكتّاب (3) يمكن تصوره على مستويين:

المستوى الأول: يدرس الطالب والطالبة كتاب الله العزيز مبتدئاً بتعلم الحروف الهجائية، وهي الطريقة المعروفة منذ القدم، ويسميها علماء التربية طريقة تعلم الألفباء بأسمائها، وهي نوع من الطريقة التركيبية، ومن ثم يبدأ بدراسة قصار السور بتهجي حروف الكلمة ثم نطقها، وتستمر هذه الطريقة حتى منتصف جزء عم (الثلاثين) من القرآن الكريم، ثم يبدأ المعلم أو المعلمة بقراءة السورة آية آية أمام الطالب والطالبة وهو يرددها وراءه حتى يتقن السورة لينتقل منها إلى غيرها حتى نهاية القرآن، وتسمى عند القطيفيين بالسّرد (4).

المستوى الثاني: يختلف تعليم الذكور عن الإناث؛ فالذكور يتعلمون الكتابة وتسمى (النظر)، حيث يخط المعلم لطلابه بيتاً من الشعر أوّل ما يبدأ تعليمهم الكتابة (5)، وهم بدورهم يقومون بتقليد ذلك الخط بعد معرفتهم بأنواع الحروف، ومن ثم يتطور إلى كتابة قصيدة بكاملها يقرؤها لهم المعلم. وفي هذه المرحلة يتعلم الطلاب مبادئ الحساب من جمع وقسمة وكسور وغير ذلك (6).

أما الإناث في هذه المرحلة فيدرسن كتاب (المنتخب) للشيخ فخر الدين الطريحي،ويسمونه (النسخه) وفيه سيرة الرسول (7).

تمتاز الدراسة في الكتّاب بالتعاون بين من يتصدر التعليم فيه وبين الطلاب ذكوراً وإناثاً، حيث إن المتقدم في تعليمه يتولى تعليم المبتدئ والأكثر تقدماً يعلم الأقل منه وهكذا، ويتقاضى صاحب الكتّاب أجوراً زهيدة هي عبارة عن مبلغ رمزي (مربعانية) (8)، ويضاف إليه (الرفعات) (9).

وفي هذه الكتاتيب تخرّج جُلّ علماء القطيف وأدبائها وشعرائها إلا بعض الشباب ممن أدركوا التعليم النظامي، ولا يزال هذا الأسلوب باقياً حتى الآن (10).

2ـ مراحل التحصيل العلمي العليا:

لقد شهدت القطيف في القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجري حركة علمية نشطة وازدهرت بالعلماء وطلاب العلم بصورة كبيرة، وقد ساعدها على تبوؤ هذه المكانة عدة أمور من أهمها:

- تقدير سكان المنطقة واحترامهم للعلماء ورجال الدين وإعجابهم بطلاب العلم، وتعلق أبناء المنطقة باللغة العربية وشغفهم بتعلم أصولها وقواعدها وآدابها.

- كثرة علمائها المتفرغين للتدريس وترحيبهم بمن يقصدهم بفتح بيوتهم ومساجدهم وإهداء كتبهم ومدوناتهم لطلاب العلم، وكثرة سفرهم وتجوالهم في مناطق الخليج العربي بقصد نشر العلم ومحاربة الجهل والبدع.

-تنافس أسر المنطقة وتسابقها في الاهتمام بالعلوم الدينية والعربية، والسعي الحثيث لإحياء الحركة العلمية وإثرائها، مما جعل الأحساء والقطيف مركزين للإشعاع العلمي والأدبي (11).

وقد حفلت القطيف بمدارس دينية عديدة تخرج منها الكثير من العلماء الأفاضل أبرزها: مدرسة الشيخ علي البلادي البحراني (12) (1274 - 1340هـ) ومقرها القديح، فقد تتلمذ على يده جل علماء القطيف، وأشهرهم أصحاب السماحة والفضلاء: السيد حسين العوامي (.... - 1358هـ) والشيخ عبدالله المعتوق (1274 - 1362هـ) والسيد ماجد العوامي (1275 - 1367هـ) والشيخ محمد بن نمر (1277 - 1348هـ) وغيرهم من العلماء الأجلاء الذين يقدر عددهم صاحب كتاب أنوار البدرين بخمسين عالماً (13).

ومدارس سماحة الشيخ محمد بن نمر (1277 - 1348هـ) ومقرها العوامية والقديح والدبابية، وتخرج من هذه المدارس كثير من علماء القطيف أشهرهم: الشيخ حسين القديحي (1302 - 1387هـ) والشيخ طاهر البدر (1324هـ -....) والشيخ منصور المرهون (.... - 1362هـ) والشيخ رضوان عجيان والشيخ جعفر بن الشيخ محمد صالح من أهالي القديح، والشيخ علي السويكت، والشيخ محمد حسين آل عبدالجبار (1300 -....) وغيرهم، كذلك لسماحة الشيخ عبدالله المعتوق مدرسة في جزيرة تاروت كان مقرها منزل الشيخ عيسى السني، تتلمذ على يديه السيد باقر العوامي (1303هـ -....) والشيخ عيسى السني (1305 - 1355هـ) والشيخ منصور بن غنام والشيخ علي بن يحيى وغيرهم كثيرون (14).

المستوى الأول: الدراسات التمهيدية والوسطى

1ـ اللغة العربية وعلومها:

يدرس في هذا المستوى علم النحو، وهو العلم الذي يعرف به تغيير أواخر الكلام إعراباً وبناءً، وذلك لصيانة اللسان عن الخطأ في الكلام العربي والقرآن الكريم. ويدرس طلبة المستوى التمهيدي كتباً متعددة في النحو تبتدئ بمتن الآجرومية وتنتهي عند عناوين مهمة في هذه المادة ((كألفية ابن مالك))، ((مغني اللبيب)) لابن هشام الأنصاري، كما يدرس الطلبة علوم البلاغة والصرف وغير ذلك من الفنون العربية.

2ـ علوم المنطق:

وهي الأداة التي يستعين بها الإنسان على العصمة من الخطأ في الفكر ويعتبر كتاب المنطق للشيخ المظفر أحد الكتب التي يتداولها الطلبة في بداية التقائهم بهذه المادة وغيره ذلك من الكتب.

3ـ علوم أصول الفقه:

يبحث فيه عن قواعد طرق استباط الحكم الشرعي، فبعدنا الزمني عن عصر التشريع سواء عصر الرسول أو الأئمة قد جعل عدداً من أحكام الشريعة يكتنفها الغموض، ولهذا كانت الحاجة ملحة لإنشاء علم أصول الفقه.

4ـ الفقه:

يختص باستنباط الحكم الشرعي من المصادر المقررة: القرآن والسنة النبوية. ويدرس في الفقه شروط اختيار المجتهد ((المقلَّد)) وأحكام الطهارات وأحكام الصلاة والزكاة وغيرها(15).

المستوى الثاني: الدراسات العليا

بعد أن ينتهي الطالب من الكتب المقررة لم يبقَ أمامه إلا حضور حلقات الدراسات العليا حيث يلتف الطلاب حول العلماء المجتهدين ويلقي عليهم بعض المحاضرات، فإذا أحسّ الأستاذ المحاضر في بعض تلاميذه قدرة على استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة منحه شهادة (الاجتهاد) (16).

في مستوى الدراسات التمهيدية ترتبط هذه الفترة بدراسة الكتب المختارة، وتستغرق هذه المرحلة في الغالب أربع سنوات، وطول مدة الدراسة أو قصرها مرتبط بجد الطالب وقدرته على الاستيعاب، وأما المستوى الأوسط فتتراوح مدة التحصيل فيه ما بين ثلاث إلى ست سنوات، أما مستوى الدراسات العليا فيكون الطالب متفرغاً لحضور هذه الحلقات المساعدة في عملية استنباط الأحكام عن طريق مدرسيه المساعدين له في عملية الاستنباط، وقد تصل هذه الفترة إلى  عشرة أعوام أو أكثر وقد تكون أقل، وذلك تبعاً لقدرة الطالب على استنباط الأحكام الشرعية من الإيات الكريمة والأحاديث الشريفة (17).

الأوضاع العلمية في فترة الحكم السعودي(1331هـ  - 1400هـ)

 

الأوضاع العلمية في القطيف من عام (1331 - 1357هـ) لم يطرأ عليها أي تغيير، وإنما هي استمرار للأوضاع العلمية في العهد العثماني، إلا أن تأسيس مديرية المعارف السعودية عام 1345هـ في عهد الملك عبدالعزيز آل سعود كان لها أثر بالغ في ترسيم التعليم في مختلف المناطق، وكان منها القطيف (18).

ولقد التمس بعض المستنيرين من سكان الأحساء من الملك عبدالعزيز رحمه الله حين زيارته للأحساء عام 1349هـ، فتح مدرسة ابتدائية في الهفوف، فأوعز جلالته لمديرية المعارف بتلبية الطلب، وقد سارعت المديرية في عام 1350هـ بإرسال اثنين من المعلمين هما الشيخ عبدالجليل الشعلان الأزهري، والشيخ راغب القباني فافتتحا مدرسة في شارع الخباز (19).

وفي سنة 1357هـ، أنشئت أول مدرسة ابتدائية حكومية في حي القلعة بالقطيف، وكانت تدرس القراءة والكتابة والحساب، وتعلم القرآن الكريم. وتسلم إدارة المدرسة أستاذ حجازي اسمه رضوان، ولقد استعان بمدرسين من الأهالي. ولاقت المدارس النظامية في بدايتها معارضة من قبل المحافظين، وذلك بسبب تخوفهم من الجديد من جهة، وبسبب النظام الأبوي الذي كان يحكم تلك الفترة؛ حيث أن الآباء كانوا يريدون من أبنائهم أن يعملوا معهم في الحقول الزراعية والغوص وصيد الأسماك بدلاً من ذهابهم للمدارس (20).

وبسبب الضغط التنظيمي والمالي في بداية نشأة الدولة السعودية لم تتمكن المديرية المالية من دفع رواتب العاملين بتلك المدرسة الذي سبب انسحاب المدير منها، واستلمها بعده مساعده الملا علي بن أحمد الغانم والذي حولها إلى كتّاب، وانتقل بها لمنزله، وبالتالي عاد التعليم إلى شكله التقليدي الذي كان متبعاً في السابق، وهو الكتاتيب (21).

تعليم الذكور:

في عام 1369هـ أعيدت الحياة للمدرسة التي توقفت بسبب الظروف الآنفة الذكر باسم ((الحسين بن علي الابتدائية)) (22)، وكان عدد مدرسيها 24 مدرساً، وكان منهم الكاتب والأديب عبدالله شباط، ومديرها الأستاذ عبدالله مبارك (23)، وعدد طلابها 495 طالباً، وقد دعاهم المدير لإنشاء ((جمعية تشجيع الطلاب)) والتي قامت بدعم المدرسة مادياً أولاً وبإعانة الطلاب على مواصلة دراستهم ثانياً، وكان من أعضائها الأستاذ محمد سعيد المسلم (24).

وبعد ذلك أخذت المدارس تنتشر في مختلف مناطق القطيف؛ ففي عام 1373هـ افتتحت مدرسة أخرى في جزيرة تاروت، وفي سنة 1378هـ افتتحت مدرسة ابتدائية في دراين، وتواصلت بعد ذلك المدارس في الانتشار. وبعد انتهاء المرحلة الابتدائية لأولئك الطلاب أنشئت متوسطة باسم ((معن بن زائدة)) (25) في عام 1376هـ، وكان عدد معلميها 23 معلماً، وعدد طلابها 332 طالباً من أصل 495 طالباً من خريجي المرحلة الابتدائية.

وبعد مرور 12 سنة افتتحت مدرسة ثانوية باسم ثانوية القطيف (26)، وعدد معلميها 30 معلماً، وعدد طلابها 516 طالباً، وكان ذلك سنة 1388هـ، وأخذت المدارس في الانتشار.

وبعد تطور أنظمة التعليم في المملكة أصبح التعليم مهنة يكتسب منه العيش، ولقد لاحظ أبناء المجتمع التقليدي الرافض للتعليم ارتقاء الشباب المتعلم المراكز الوظيفية المرموقة واكتسابهم المهارات العلمية والثقافية حيث أن ذلك الجيل كان منه الكُتَّاب والأدباء الذين أصبح لهم عطاءاً في الأدب العربي وخصوصاً الشعر (27).

تعليم الإناث:

لاقى تعليم البنات إعراضاً ورفضاً أكبر مما لاقاه تعليم الأولاد من قبل المجتمع بسبب اعتقادهم بأن المدرسة هي سبيل لإفساد أخلاق البنت، لكن الآباء ما لبثوا أن شعروا بضرورة تعلم البنت بعد أن قام بعض الشباب المتعلم بالزواج من البنات المتعلمات من خارج البلاد وبالتحديد من العراق، خوفاً من أن تبقى بناتهم بلا زواج، فتقبل الآباء إنشاء مدرسة للبنات، وكان ذلك عام 1379هـ. وفي سنة 1380هـ أنشئت مندوبية تعليم البنات التي تمثل جهازاً إدارياً وتعليمياً مستقلاً عن وزارة المعارف، والتي أخذت على عاتقها تطوير التعليم للبنات، حيث أضيفت مواد خاصة للتدبير المنزلي وأشغال الإبرة والنسيج والخياطة والتطريز، وخصصت لذلك ميزانية مالية كافية للرئاسة العامة لتعليم البنات من ميزانية الدولة (28).

البترول وأثره على التعليم في القطيف

لقد أثر الثراء الاقتصادي الذي شهدته منطقة القطيف بعد اكتشاف النفط بصورة إيجابية في كثير من النواحي وخصوصاً الناحية التعليمية، بحيث ازداد التعليم بصورة واضحة كماً وكيفاً، كما أن نسبة الوعي قد ازدادت بين السكان عما كان عليه من قبل، وقد ضل هذا التطور بصورة مستمرة بفضل تطور الحالة الاقتصادية في البلاد السعودية، بحيث أصبحت المصروفات التي يتلقاها المدرسون في مقابل تعليم هؤلاء الطلاب مجاناً تدفعها الدولة بعد أن كانت في السابق تدفع من تبرعات السكان أو من رصيد الأوقاف (29).

لقد قامت شركة الزيت (أرامكو) في سبيل تطوير التعليم والثقافة في منطقة القطيف بإنشاء مشروع فتح المدارس، بحيث لم تكن تلك المدارس التي قد تم إنشاؤها خاصة فقط بأبناء العاملين في تلك الشركة وإنما كانت عامة لجميع أبناء القطيف (30).

فقد كانت أول مدرسة أنشأتها أرامكو في منطقة سيهات، والتي تعرف اليوم بمدرسة ((ابن خلدون الابتدائية)) (31)، والتي قد أنشأتها في عام 1375هـ، وقد بلغ عدد طلابها عند بداية الدراسة حوالي 557 طالباً، وعدد المعلمين 23 معلماً. وأما عن المدارس المتوسطة فقد قامت أرامكو بإنشاء مدرسة متوسطة في منطقة سيهات عام 1389هـ عرفت باسم المدرسة النموذجية، وقد استبدل الاسم وأصبح يطلق عليها اليوم ((مدرسة سيهات المتوسطة))، وبلغ عدد الطلاب 208 طلاب، وعدد المعلمين 21 معلماً. كما أنشأت مدرسة أخرى في القلعة عام 1391هـ، وقد كان عدد طلابها 379 طالباً، وعدد المعلمين 23 معلماً، وهي ما يطلق عليها اليوم ((مدرسة الشاطئ)) (32). وكذلك قامت الشركة بإنشاء مدرسة في صفوى عام 1391هـ، وقد كان يبلغ عدد طلابها 255 طالباً، وعدد المعلمين 19 معلماً. وبعد ذلك أخذت تلك المدارس في ازدياد أعداد طلابها. وهذه المدارس كان لها شكل مميز تختلف به عن المدارس الأخرى التي تنشئها الحكومة من ناحية البناء، أما من ناحية المناهج لم يكن هناك أية أختلاف.

هذا بالإضافة إلى البعثات الدراسية إلى الخارج التي تتكفل بها الشركة إلى جانب جميع ما تقوم به من إنشاءات ومصاريف التدريس ومتطلبات الطلاب الدراسية (33).

ورغبة من الحكومة في أن يكون هناك تنسيق مع شركة أرامكو على ما تقوم به من إنشاء المدارس فقد أنشأت إدارة خاصة في (عام 1363هـ/ 1943م)، وقد اختير الأستاذ حمد الجاسر ليكون مسؤولاً عنها، وقد باشر عمله في شهر ذي القعدة عام 1363هـ ويعاونه الأستاذ عبدالله الملحوق (34). ولهذا فإننا نجد لشركة أرامكو دوراً فعالاً في تطوير التعليم في منطقة القطيف.

النهضة العلمية والأدبية في القطيف

البيئة العلمية المستنيرة غالباً ما يصاحبها وعي لدى الشعب يرفع البعض عن مستوى العامة، فالعلماء يشكلون في منتدياتهم (35)، ومجالسهم العامة والخاصة مراكز إشعاع ثقافي وفكري يغذون العقول ويبذرون في نفوس الناس حب العلم والمعرفة. وإلى جانب العلماء هناك شخصيات مهمة لعبت دوراً في نشر الثقافة في ربوع القطيف، مثل الشيخ عبدالحميد الخطي والشيخ ميرزا البريكي (1326 - 1396هـ)، الذين يقومون بإلقاء المحاضرات على المنابر الحسينية (36).

والكتب التي عرفت طريقها إلى القطيف مع العائدين من مهجرهم العراق وإيران وغيرها، حيث كانوا يتلقون تعليمهم هناك، ومع المهتمين بإدخالها وبيعها، ولاسيما تلك الكتب التي تمخضت عن حركة الانبعاث والتجديد الثقافي الأدبي في العالم العربي في نهضته الفكرية الميمونة، وكان شعور أدباء القطيف بحاجة النشء لغذاء الفكر وسلاح المعرفة حافزاً لتأسيس أوّل مكتبة عامة في القطيف هي (المكتبة الأهلية) عام 1372هـ، بالإضافة إلى المكتبات التي تم افتتاحها في بعض المدارس الحكومية(37)، والمكتبات الخاصة الكثيرة التي حفلت بها بيوت العلماء وبعض الشخصيات، ومن أهمها مكتبات الخنيزي والتي تضم عشرات المخطوطات القيمة، ونخص بالذكر منها مكتبات كل من علي الخنيزي، محمد سعيد الخنيزي، وعبدالله الخنيزي (38). كما أن هناك مكتبة محمد بن فارس، ومكتبة الجشي، ومكتبة السعود وغيرهم كثيرون، التي كان لها أبلغ الأثر في النهضة الثقافية الرائدة التي شهدتها القطيف.

أما عهد المنطقة بإنشاء المكتبات الحكومية العامة فيعود إلى عام 1374هـ/ 1955م حيث صدر الأمر ببناء مكتبات عامة في كل من الهفوف والدمام والقطيف. وقد أدت تلك المكتبات دورها الثقافي المطلوب، لاسيما وأن شباب المنطقة قد عرفوا فائدتها فتحمسوا لها وأقبلوا عليها (39).

أما فيما يختص بالنوادي الأدبية فإن المنطقة لم تعرف هذا النوع من النشاط الثقافي مقارنة بما كانت عليه الحال في أمارات الخليج العربي خاصة في البحرين والكويت. وقد كان لأدباء القطيف صلات خاصة بنوادي البحرين كالنادي الخليفي ونادي العروبة ونادي الإصلاح ونادي المعلمين والنادي الأهلي والنادي الثقافي. وكان أول نشاط ثقافي من هذا النوع عرفته المنطقة، قد جاء نتيجة لنشاط المدارس (40).

والمجلاّت الأدبية كانت تفد القطيف وتغذي الحركة الثقافية وتدفعها إلى الإمام، بما تحويه من دراسات وبحوث ونتاج عباقرة العرب من القدامى والمحدثين وعمالقة الشعر والنثر، ولاسيما (مجلة العرفان) البيروتية لصاحبها أحمد الزين (41).

هذه العوامل وغيرها، جعلت من القطيف بيئة ثقافية ممتازة، جعلتها في محل الصدارة بين أخواتها مدن وحواضر الجزيرة العربية، ويكفي أن أنقل بعض انطباعات الدكتورة بنت الشاطئ عنها عند زيارتها لها مع وفد مصري ضمن زيارته للجزيرة العربية.

« كم تألمت وأنا أصغي إلى حديث أدباء القطيف عن معاركنا النقدية ومذاهبنا الفنية! كم خجلت وأنا أرى في أيديهم كتبنا ومجلاتنا، نحن الذين لا نشعر بهم أو نلقي إليهم بالاً »، « ليت هذه الزيارة التي طالما رنونا إليها، تكون فاتحة تعارف وهمزة وصل بيننا وبين مصر الشقيقة» (42).

هذه بعض اللمحات التي دونتها براعة الدكتورة بنت الشاطئ عن القطيف ونهضتها الأدبية التي كانت إبّان نشاطها عند زيارتها لها عام 1373هـ.

وكان النشر والتأليف نتيجة طبيعية لتكلم الحركة العلمية والنهضة الثقافية التي رأيناها، فالعلماء كتبوا في مجالات اختصاصهم المختلفة، فالمجتهدون منهم كتبوا في الفقه الاستدلالي، وأشهر مدونة فيه (دلائل الأحكام) لسماحة الإمام الشيخ أبو الحسن الخنيزي (1285 - 1362هـ)، والأدباء كانت لهم يد طولى في النشر، حيث كانت الصحف والمجلات في العراق مثل (العربي) و (الهاتف) وغيرهما، ولبنان مثل (المعارف) و (الأديب)، تحمل بين طيّاتها نتاج أدباء القطيف، وأشهر من نشر فيها العلامة عبدالحميد الخطي، والأستاذ عبدالله الجشي، والأستاذ عبدالله الخنيزي، والأستاذ السيد حسن العوامي وأخوه السيد علي، والأستاذ محمد سعيد المسلم، وغيرهم (43).

وهذه النهضة العلمية والأدبية هي استمرار للقديم، وكذلك هي نتاج إنشاء المدارس الجديدة، والاحتكاك بالثقافات الأخرى.

الخاتمة

يمكننا أن نقسم الأوضاع العلمية في القطيف خلال العهد العثماني (1288 - 1331هـ) إلى:

مرحلة الكتاتيب: والتي يعلم فيها القراءة من خلال القرآن الكريم، وكما يعلم (الخط) أي الكتابة، والحساب.

مرحلة التحصيل العلمي العليا، ففي القرن الثالث عشر والرابع عشر الهجري ازدهرت الحركة العلمية حيث أنشئت عدة مدارس في القطيف على أيدي علمائها خرجت الكثير من الطلاب، الذين درسوا اللغة العربية وعلومها، وعلم المنطق، وعلوم أصول الفقه، والفقه كمستوى أول، أما المستوى الثاني فيدخل الطالب للدراسات العليا، وتسمى ((البحث الخارج)) حتى يتمكن الطالب من استنباط الأحكام الفقهية. هذا ما يتعلق بالتعليم غير الرسمي.

أما ما يخص التعليم الرسمي، والذي تزامن مع فترة الحكم السعودي (1331 - 1400هـ) فقد فتحت أول مدرسة ابتدائية حكومية بالقطيف سنة 1357هـ، والتي لاقت معارضة من قبل المحافظين، وقد واجهت المدرسة ضائقة مالية دعت المدير الذي أرسل من قبل مديرية المعارف السعودية إلى تركها، فسلمتها للملا علي الغانم الذي عاد بها للتعليم التقليدي في بيته.

وفي عام 1369هـ عادت الحياة للمدرسة التي توقفت باسم ((الحسين بن علي الابتدائية))، وأنشئت جميعة لتشجيع الطلاب على مواصلت دراستهم، وتوالى بعد ذلك فتح المدارس في مختلف مناطق القطيف منها دارين سنة 1368هـ، وفي جزيرة تاروت أخرى سنة 1373هـ.

واصل بعض خريجي المدرسة الابتدائية دراستهم في مدرسة ((معن بن زائدة)) المتوسطة، والتي فتحت في عام 1376هـ. وفتحت أول مدرسة ثانوية سنة 1388هـ، باسم ((ثانوية القطيف))

وفيما يخص تعليم البنات، فإنه واجه في البداية رفضاً كبيراً من الأهالي، لكنه ما لبث أن ظهر في 1379هـ بعد أن أخذ الشباب المتعلم الإقبال على الزواج من فتيات متعلمات من خارج المنطقة.

ونستشف ما للبترول من أثر واضح على التعليم في القطيف، حيث ساهم بسد تكاليف التعليم بشكل عام في المملكة، وبشكل خاص في منطقة القطيف حيث أخذت شركة أرامكو على عاتقها إنشاء المدارس، وكان أولها في منطقة سيهات في سنة 1375هـ، باسم ((ابن خلدون الابتدائية))، وتواصل الشركة ذلك حتى بلغ عددها أربع مدارس. كما أن شركة أرامكو تكفلت بإرسال بعثات دراسية للخارج لإكمال دراستهم، وكان من ضمنهم العديد من أبناء القطيف.

من الأمور التي ساعدت على النهضة العلمية والأدبية في القطيف:

1. الرحلات العلمية لخارج البلاد التي قام بها علماء القطيف.
2. مجالس ومحاضرات العلماء، حيث يطرح فيها قضايا الفكر والثقافة.
3. المكتبات، وقد أنشئت أول مكتبة عامة في القطيف سنة 1372هـ، باسم ((المكتبة الأهلية)) ووجدت بعض المكتبات المدرسية، وساهمت في ذلك أيضاً المكتبات الخاصة لبعض العلماء والأدباء.
4. المساهمة الفكرية والأدبية لبعض العلماء والأدباء في الدوريات الخليجية والعربية.

 

المصادر والمراجع :

1. أبو علية، عبدالفتاح حسن، الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبدالعزيز، مطبوعات دار الملك عبدالعزيز، 1396هـ، الرياض.
2. البلادي، الشيخ علي بن حسن، أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين، بيروت، دار المرتضى، الطبعة الأولى، 1337هـ.
3. بنت الشاطئ، عائشة عبدالرحمن، أرض المعجزات، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، د. ت.
4. الجاسر، حمد، المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية، معجم المنطقة الشرقية، دار اليمامة للترجمة والنشر، الرياض، الجزء الثالث.
5. جواد، علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، دار العلم للملايين، بيروت، 1969م، الجزء الثاني والثالث.
6. آل سيف، عبدالعلي يوسف، القطيف وأضواء على شعرها المعاصر، الطبعة الأولى، 1409هـ.
7. السبيعي، عبدالله ناصر، الحياة العلمية والثقافية والفكرية في المنطقة الشرقية، الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع، الخبر، الطبعة الأولى، 1407هـ.
8. الشرفاء، محمد صالح، الحياة الفكرية في المنطقة الشرقية، كتاب مخطوط عند المؤلف.
9. الشرفاء، محمد صالح، الحياة الاجتماعية في المنطقة الشرقية، كتاب مخطوط عند المؤلف.
10. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، دار سويدان، د. ت، لبنان، الجزء الثاني.
11. العمران، الشيخ فرج، الأزهار الأرجية في الآثار الفرجية، مطبعة النجف، 1373هـ، ج2، 6.
12. المسلم، محمد سعيد، ساحل الذهب الأسود، منشورات دار مكتبة الحياة، بيروت، د. ت، الطبعة الثانية.
13. المسلم، محمد سعيد، هذه بلادنا القطيف، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، الرياض، الطبعة الأولى، 1410هـ.
14. المسلم، محمد سعيد، القطيف واحة على ضفاف الخليج، دراسة تاريخية، طبع في الرياض، 1991م.

المقابلات الشفهية
1. الشيخ سعيد أبو المكارم، تاريخ المقابلة 15/ 7/ 1416هـ.
2. الشيخ عبدالغني العباس، تاريخ المقابلة 9/ 7/ 1416هـ.

المجلات
1. مجلة البصائر، مجلة فكرية إسلامية، تصدر في لبنان، الأعداد (10، 12، 13)، ربيع الأول، 1414هـ.
2. مجلة الموسم، بيروت - لبنان، الأعداد (9، 10)، ج/3/ 1411هـ.

الهوامش :
(1) الشرفاء، محمد صالح، الحياة الفكرية في المنطقة الشرقية، كتاب مخطوط عند المؤلف.
(2) محمد سعيد المسلم، هذه بلادنا القطيف، الرئاسة العامة لرعاية الشباب، الرياض، الطبعة الأولى، 1410هـ، ص216.
(3) انظر صفحة رقم (45)، صورة رقم 3. ص53.
(4) آل سيف، القطيف وأضواء على شعرها المعاصر، ص53.
(5) انظر صفحة رقم (43)، صورة رقم (1).
(6) الشرفاء، محمد صالح، الحياة الاجتماعية، مخطوط، ص56.
(7) آل سيف، القطيف وأضواء على شعرها المعاصر،
(8) مربعانية: جرت العادة أن تسلم أجورالمعلم أو المعلمة في يوم الأربعاء.
(9) الرفعات: هي مبلغ يدفع لصاحب الكتاب عند اجتياز الطالب مرحلة من القرآن.
(10) آل سيف، القطيف وأضواء على شعرها المعاصر، ص54.
(11) السبيعي، عبدالله ناصر، الحياة العلمية والثقافية والفكرية في المنطقة الشرقية، الدار الوطنية الجديدة للنشر والتوزيع، الخبر، الطبعة الأولى، 1407هـ، ص20.
(12) انظر صفحة رقم (51)، مخطوط رقم (1).
(13) الشيخ علي بن حسن البلادي البحراني، أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والأحساء والبحرين، بيروت، دار المرتضى، الطبعة الأولى، 1337هـ، ص376.
(14) آل سيف، القطيف وأضواء على شعرها المعاصر، ص50 - 52.
(15) محمد التهمامي، تطور التعليم الديني وطرق تدريسه، البصائر، العدد (10) 1413، ص58.
(16) الاجتهاد: إعطاء الرأي في أي مسألة شرعية وذلك عن طريق دراستها ومطابقتها على القرآن والسنة وإعطاء الحكم.
(17) مقابلة مع الشيخ عبدالغني العباس، في منزله يوم الجمعة 9/ 7/ 1416هـ.
(18) أبو علية، عبدالفتاح حسن، الإصلاح الاجتماعي في عهد الملك عبدالعزيز، مطبوعات دار الملك عبدالعزيز، 1396هـ، الرياض، ص240.
(19) السبيعي، عبدالله ناصر، الحياة العلمية والثقافية، ص51.
(20) المسلم، محمد سعيد، هذه بلادنا القطيف، ص220.
(21) المسلم، محمد سعيد، القطيف واحة على ضفاف الخليج - دراسة تاريخية، طبع في الرياض، 1990م، ص344.
(22) انظر صفحة رقم (44 و 47) صورة رقم (2، 5).
(23) عبدالله المبارك: واصل دراسته وحصل على درجة الدكتوراه، وعمل في جامعة الملك سعود أستاذاً للأدب الحديث.
(24) المسلم، هذه بلادنا القطيف، ص221.
(25) انظر صفحة رقم (46)، صورة رقم (4).
(26) انظر صفحة رقم (50)، صورة رقم (10).
(27) الشرفاء، الحياة الاجتماعية، مخطوط، ص56.
(28) السبيعي، عبدالله ناصر، الحياة العلمية، ص92.
(29) السبيعي، الحياة العلمية والثقافية، ص126.
(30) أبو علية، عبدالفتاح حسن، الإصلاح الاجتماعي، ص222.
(31) انظر صفحة رقم (49)، صورة رقم (9).
(32) انظر صفحة رقم (49)، صورة رقم (8).
(33) مقابلة مع مدير مدرسة القطيف النموذجية، يوم الخميس، 17/ 11/ 1416هـ، في منزله.
(34) السبيعي، الحياة الع لمية والثقافية، ص88.
(35) المنتديات الخاصة هي مجالس الديوانيات التي تنعقد
بين الأصدقاء، والمنتديات العامة هي التي تقام في الحسينيات في المناسبات الدينية والاجتماعية.
(36) المسلم، هذه بلادنا القطيف، ص227.
(37) آل سيف، القطيف، ص56.
(38) السبيعي، الحياة العلمية والثقافية، ص98.
(39) السبيعي، الحياة العلمية والثقافية، ص99.
(40 ) السبيعي، الحياة العلمية والثقافية، ص99.
(41) آل سيف، القطيف، ص56.
(42 ) بنت الشاطئ، د/ عائشة عبدالرحمن، أرض المعجزات، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، د. ت، ص131 - 141.
(43 ) آل سيف، القطيف، ص61.