ألبوم الصور
تشييع الفقيد العلامة المرهون
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3286097
بر الوالدين رسالة سماوية
علي ناصر الصايغ - 1 / 12 / 2004م - 9:24 ص


في الماضي كان للمعاناة صبرٌ جميلٌ، وللسعي وراء العيش طعمٌ مرٌ ولكنه يمتزج بالرضا، وللود والانسجام مساحة واسعة في القلب الذي ينبض بالحب، متسامح يتبادل ما تكنه النفس من مشاعر فياضة معبراً عن ما يحمله في ضميره الحي الذي ينصف ويستشعر ويتألم، وعلى الفقر المدقع والحاجة المزرية لما تتطلبه الحياة في ذلك الوقت، إلا أنه كان للذات اتزانها وللعقل رجحانه، وللإيمان وقفة صادقة مع قضاء الله وقدره لما يجري على الإنسان، لذلك نجد حالة من التكامل في العيش المشترك بين الآباء والأبناء والأخوة والأقارب، تترجمها الطيبة التي تكنها النفوس والتي تحمل الانصياع الوراثي الممتد من الجدود للآباء ويسكن في نفوس الأبناء عن طريق الكلمة التعليمية أو النظرة الأبوية الحانية أو في أشد الحالات غضباً وهي نفس الكلمة ولكن بطريقة خشنة تحمل نوع من أنواع القسوة اللسانية نتيجة تصرف غير مقبول ولا يرضاه أحد.

فطبيعة التعايش له وردية متجانسة وله اخضرار ينعش النفس ويحي حالة المودة في البيت الواحد، لذلك نحن نجد ولوقت قريب حالة الانسجام في العلاقات الأسرية، بالتوادد والتراحم والاحترام، وهذا ما حرص عليه آبائُنا في نقله لنا وتعليمنا إياه، ونحن وللأسف كجيل فمنا من حافظ على هذا التراث الو راثي الأخلاقي الضخم ومنا من لم يعلم نفسه حتى يعي حقيقة هذا التراث فيترجمه في سلوكه وتعامله مع الآخرين فضلاً عن أن يعلمه أبنائه، فحياة الإنسان مليئة بالتجارب ولا سيما الآباء والأجداد «كبار السن» فهم علة وجودنا في هذه الحياة ولوجودهم بيننا بركة، وذلك لإيمانهم القوي بالله تعالى ولتمسكهم بالأخلاق الفاضلة، ولحفاظهم على نعمة التواضع والتي غرست في نفوسهم فضيلة التسامح والتراحم وصلة القرابة، لمعرفتهم بالأسباب التي تصل بالمجتمع إلى التكامل من خلال حفاظهم على هذه القيم النبيلة والعادات الجميلة التي تحلّوا بها، وهذا الأمر يصل بنا إلى صدق المقولة التي تقول: على المرء أن يسعى وليس عليه أن يكون موفقا؟.

من هنا نتعرف على قصة قديمة ولكنها حقيقية تنقل عن رجل يعيش في قرية من قرى العراق، وكيف كان يحمد الله تعالى ويسبحه ويقدسه ويشكره على آلائه ونعمائه، رجل تقدم به العمر دون أن ينجب ولداً وذلك لإرادة الله تعالى ومشيئته له، ولكنه وبإلحاحه في الدعاء وخضوعه وخشوعه المطلق في الصلاة، سأل الله تعالى أن يرزقه بطفل ينير في قلبه مشعل الأمل، ويضيء حياته بعبق الأبوة، ويجدد الفرحة التي تدفق العطاء وتبعث على السعادة.

هذا الرجل عاش مع زوجته حياة طيبة، وطالما حلما أن يُنجبا طفلاً ينثر عبيره على حياتهما، فقد كان للصبر متسع في قلبهما، ولقضاء الله وقدره تسليمهما، وللأمل بعطائه متنفسهما، فشاء الله لهما ورزقهما بمولود أعطى للسعادة طعماً اخضرت معه حياتهما من جديد، فكانا يخافا عليه من كل شي حتى من نسمة الهواء.. ورعياه وغدقا عليه بحبهما وعطفهما وحنانهما.. واهتما بتربيته وتنشئته، وأدخلاه مدرسة القرية حتى أنهى مراحلها الأولى، ولعدم وجود كلية قريبة من قريته طلب من والديه إكمال تعليمه العالي بالسفر للمدينة.. وهي تبعد عن القرية كثيراَ مما يعني أن يقيم فيها، وهما لا يستغنيا عنه لحبهما وحاجتهما له وخوفهما عليه.. فلم يقفا حائل أمام رغبته.. فسعيا في تأمين ما يحتاجه من الأموال لسفره وما يكفيه لمعيشته، وكانا يحرمان نفسيهما عن الطعام والملبس في سبيل أن يوفرا له الأموال.

وصار يأتي لزيارتهما في كل عطلة سنوية.. حتى انقطع عن زيارتهما لسنوات عدة.. مما أدى ذلك إلى أن خافا وقلقا عليه كثيراً، عندها قررا الذهاب للمدينة لزيارته وللاطمئنان عليه.. وبعد أن تحملا عناء الطريق ومشقة السفر وقساوة فصل الشتاء، وصلا للمدينة وأخذا يبحثا عنه حتى أصابهما الإعياء، وبعد البحث والسؤال عنه، وصلا لداره وطرقا الباب فخرج لهما ولدٌ صغيرٌ، سألاه دار من هذه ومن تكون!!، فأجابهما على سؤالهما، فما كان منهما إلى أن أخذاه يضمانه إلى حضنهما يقبلاه ويشما فيه عبق رائحة أبنهما والذي لم يروه منذ سنوات طويلة، وبعد أن أخبراه أنهما جداه طلبا منه أن يخبر أباه عن قدومهما، ولفرحته بالأمر هرول مسرعا إلى والديه فرحاَ يخبرهما عن الأمر، قائلاً لهما أن رجل وامرأة كبيرا في السن يسألا عنك ويقولا أنهما والديك!!

ولكن أنظرو ماذا فعل الابن بوالديه الذين تعبا من أجله وجاءا ليطمأنا عليه... وكيف كان تصرفه!! فبدلاً من أن يستبشر بهذا الخبر الذي سرّ أبنه ويزرع الفرحة والسعادة في قلب والديه، وينحني أجلالاً لشيبتهما وضعفهما ويقبل تراب قدمهما، تناسى كل الحب والرحمة التي بذلاها له، فزرع العقوق في نفسه؟، فما كان من يد السنن إلا أن تترجم ذلك في نفس ابنه وتحفظه له؟، فطلب من أبنه أن يذهب أليهما ويخبرهما بعدم وجوده، هذا الأمر أستوقف الابن للحظات؟ ولسان حاله يقول!! ألا يعني هذا الأمر أنه كذب وخيانة ونكران للذات وقتل للفضيلة ولماذا يتصرف أبي هكذا مع والديه وهو موجود في الدار؟ وهو من يعلمني كيف أحسن التعامل معه ومع الآخرين، ومن ثم ذهب وأخبرهما بذلك وهو لا يدرك حقيقة هذا الأمر في علم الله تعالى، شعرا بأمر غريب ولكنهما لم يشاءا أن يطلبا الدخول دون أن يؤذن لهما بذلك.

حينها قررا أن ينتظراه حتى يعود وقبل أن يغلق الباب طلبا منه أن يحضر لهما لحافاَ يقيهما من البرد الشديد، فذهب إلى أبيه يخبره بما طلباه منه، فأمره أن يذهب ويحضر لهما لحافاَ قديماَ من مخزن الدار، وقبل أن يذهب به توقف قليلاً؟ يترجم حقيقة السنن ويرفع الغطاء عن مؤشر العد التنازلي للنتائج العكسية لكل من يخالف حقيقة القانون الغيبي لقيم السماء ويعطي لنا درس ينبغي أن تتعلم منه البشرية؟، ومن ثم ذهب وأحضر مقصاً وصار يقطع اللحاف إلى نصفين، ما أثار ذلك الأمر سخط والديه عليه، فقال له أبيه لماذا فعلت ذلك؟، فأجاب أبيه بقوله.. أما النصف الأول فهو إلى والديك الذين لم تراعي مشاعرهم ولم ترأف بحالهم؟، وأما النصف الآخر فهوا لكما عندما أكبر؟.. هي هكذا سنة الكون والحياة « كما تدين تدان » والقرآن الحكيم يحمل لنا العبر ويكشف لنا الحقائق ويعلمنا دروساً في العمل الصالح، وبر الوالدين وقول الكلام الطيب لهما، والدعاء وطلب الرحمة لهما من الله تعالى في الدنيا والآخرة ذلك هو حق من الحقوق المفروضة على الأبناء اتجاه آبائهم، وعدم الوقوف أمامهم والاستخفاف بحقهم.

ولننظر اليوم إلى ما يجري في دور العجزة والمسنين وكيف هي معاناتهم وما يلاقوه من الحرمان من أبنائهم والآلام لوجودهم في أماكن من الصعب التعايش معها، فهي قد تولد فيهم العصبية والتعب النفسي وذلك لبعدهم عن أهلهم ودويهم، ولحرمانهم من الجلوس مع أبنائهم أو النظر أليهم، وما يعتري ذلك من الشوق والحنين واللهفة الجامحة والتي تشتعل في قلوبهم المتعطشة لنسيم رحمة الأبناء ودفء الأقارب والأصدقاء ولاشتياقهم لسماع ألحان الكلمة الجميلة «بابا» والتي هي باعث على سكون النفس واستقرارها وراحة العقل عن انشغاله بالتفكير الذي يجلب المتاعب ويعيق حركة العلاج.

من هنا نجد أن التعلق بالآباء والأجداد أمر ضروري لحياة الأبناء، كما أن الالتزام بالعادات والتقاليد والفضائل الو راثية التي يكتسبها الأبناء عن آبائهم والعمل بها من الأمور التي تساعد الجليل القادم من الأبناء على التعلق بقيم الدين واحترامهم للتراث الجميل الذي خلفه الآباء والأجداد، ذلك حتى لا تتحول نتائج العمل السيئ إلى نتائج عكسية في حياة البشر؟