ألبوم الصور
طبخ معاريس
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3285639
من هو لقمان الحكيم؟
واحة القطيف - 15 / 11 / 2004م - 7:12 ص


جاء في كتاب الله الكريم قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد (12) سورة لقمان. فمن هو لقمان الذي آتاه الله الحكمة؟ وما هي قصته؟ وفي أي عصر عاش؟ وكيف آتاه الله الحكمة؟

قصة لقمان

1 - لم يرد اسم لقمان في كلامه تعالى إلا في سورة لقمان ولم يذكر من قصصه إلا ما في قوله عز من قائل: ﴿و لقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله وقد وردت في قصته وحكمه روايات كثيرة مختلفة و نحن نورد بعض ما كان منها أقرب إلى الاعتبار. ففي الكافي، عن بعض أصحابنا رفعه إلى هشام بن الحكم قال: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر : يا هشام إن الله قال: ﴿و لقد آتينا لقمان الحكمة قال: الفهم والعقل.

و في المجمع، روى نافع عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله يقول: حقا أقول لم يكن لقمان نبيا و لكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين أحب الله فأحبه ومن عليه بالحكمة. كان نائما نصف النهار إذ جاءه نداء: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق؟ فأجاب الصوت إن خيرني ربي قبلت العافية و لم أقبل البلاء وإن هو عزم علي فسمعا وطاعة فإني أعلم أنه إن فعل بي ذلك أعانني وعصمني. فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمان؟ قال: لأن الحكم أشد المنازل وآكدها يغشاه الظلم من كل مكان إن وفى فبالحري أن ينجو، وإن أخطأ أخطأ طريق الجنة، ومن يكن في الدنيا ذليلا وفي الآخرة شريفا خير من أن يكون في الدنيا شريفا وفي الآخرة ذليلا ومن تخير الدنيا على الآخرة تفته الدنيا ولا يصيب الآخرة. فعجبت الملائكة من حسن منطقه فنام نومة فأعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها ثم كان يوازر داود بحكمته فقال له داود : طوبى لك يا لقمان أعطيت الحكمة و صرفت عنك البلوى.

و في الدر المنثور، أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : أ تدرون ما كان لقمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: كان حبشيا.

2 - وفي تفسير القمي، بإسناده عن حماد قال: سألت أبا عبد الله عن لقمان و حكمته التي ذكرها الله عز و جل، فقال: أما و الله ما أوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل و لا بسط في جسم ولا جمال. و لكنه كان رجلا قويا في أمر الله متورعا في الله ساكتا مستكينا عميق النظر طويل الفكر حديد النظر مستغن بالعبر لم ينم نهارا قط و لم يره أحد من الناس علي بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستره وعموق نظره وتحفظه في أمره، ولم يضحك من شيء قط مخافة الإثم ولم يغضب قط، ولم يمازح إنسانا قط، و لم يفرح بشيء أتاه من أمر الدنيا و لا حزن منها على شيء قط و قد نكح من النساء و ولد له من الأولاد الكثير و قدم أكثرهم أفراطا فما بكى على موت أحد منهم. ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان إلا أصلح بينهما و لم يمض عنهما حتى تحابا، ولم يسمع قولا قط من أحد استحسنه إلا سأل عن تفسيره وعمن أخذه، وكان يكثر مجالسة الفقهاء و الحكماء، وكان يغشى القضاة و الملوك و السلاطين فيرثي للقضاة مما ابتلوا به، و يرحم الملوك و السلاطين لغرتهم بالله و طمأنينتهم في ذلك، ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان يداوي قلبه بالفكر و يداوي نفسه بالعبر، وكان لا يظعن إلا فيما يعنيه فبذلك أوتي الحكمة ومنح العصمة.

وإن الله تبارك و تعالى أمر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار و هدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا: يا لقمان هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس؟ فقال لقمان: إن أمرني الله بذلك فالسمع و الطاعة لأنه إن فعل ذلك أعانني عليه و علمني و عصمني و إن هو خيرني قبلت العافية. فقالت الملائكة: يا لقمان لم؟ قال: لأن الحكم بين الناس بأشد المنازل وأكثر فتنا و بلاء يخذل ولا يعان و يغشاه الظلم من كل مكان و صاحبه فيه بين أمرين إن أصاب فيه الحق فبالحري أن يسلم و إن أخطأ أخطأ طريق الجنة، و من يكن في الدنيا ذليلا ضعيفا كان أهون عليه في المعاد من أن يكون حكما سريا شريفا، و من اختار الدنيا على الآخرة يخسرهما كلتيهما تزول هذه و لا تدرك تلك. قال: فتعجب الملائكة من حكمته و استحسن الرحمن منطقه فلما أمسى وأخذ مضجعه من الليل أنزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه إلى قدمه و هو نائم و غطاه بالحكمة غطاء فاستيقظ و هو أحكم الناس في زمانه، و خرج على الناس ينطق بالحكمة و يبثها فيها. قال: فلما أوتي الحكم بالخلافة ولم يقبلها أمر الله عز وجل الملائكة فنادت داود بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان فأعطاه الله عز وجل الخلافة في الأرض و ابتلي بها غير مرة كل ذلك يهوي في الخطإ يقيله الله و يغفر له، و كان لقمان يكثر زيارة داود و يعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه، وكان داود يقول له: طوبى لك يا لقمان أوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية وأعطي داود الخلافة و ابتلي بالحكم و الفتنة.

ثم قال أبو عبد الله في قول الله عز و جل: ﴿وإذ قال لقمان لابنه و هو يعظه - يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم قال: فوعظ لقمان ابنه باثار حتى تفطر و انشق. وكان فيما وعظه به يا حماد أن قال: يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة فدار أنت إليها تسير أقرب إليك من دار أنت عنها متباعد. يا بني جالس العلماء و زاحمهم بركبتيك ولا تجادلهم فيمنعوك، وخذ من الدنيا بلاغا ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس، ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك، وصم صوما يقطع شهوتك ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة فإن الصلاة أحب إلى الله من الصيام.

يا بني: إن الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير فاجعل سفينتك فيها الإيمان واجعل شراعها التوكل، واجعل زادك فيها تقوى الله فإن نجوت فبرحمة الله وإن هلكت فبذنوبك. يا بني: إن تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا ومن عنى بالأدب اهتم به، ومن اهتم به تكلف علمه ومن تكلف علمه اشتد له طلبه ومن اشتد له طلبه أدرك منفعته فاتخذه عادة فإنك تخلف في سلفك و ينتفع به من خلفك و يرتجيك فيه راغب و يخشى صولتك راهب، وإياك والكسل عنه بالطلب لغيره فإن غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الآخرة وإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على الآخرة واجعل في أيامك ولياليك وساعاتك نصيبا في طلب العلم فإنك لن تجد له تضييعا أشد من تركه ولا تمارين فيه لجوجا ولا تجادلن فقيها ولا تعادين سلطانا، ولا تماشين ظلوما ولا تصادقنه ولا تؤاخين فاسقا و لا تصاحبن متهما واخزن علمك كما تخزن ورقك. يا بني: خف الله عز و جل خوفا لو أتيت القيامة ببر الثقلين خفت أن يعذبك وارج الله رجاء لو وافيت القيامة بإثم الثقلين رجوت أن يغفر الله لك.

فقال له ابنه: يا أبت كيف أطيق هذا وإنما لي قلب واحد؟ فقال له لقمان: يا بني: لو استخرج قلب المؤمن يوجد فيه نوران نور للخوف و نور للرجاء لو وزنا لما رجح أحدهما على الآخر بمثقال ذرة فمن يؤمن بالله يصدق ما قال الله عز و جل و من يصدق ما قال الله يفعل ما أمر الله، و من لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله فإن هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض. فمن يؤمن بالله إيمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا ومن يعمل لله خالصا ناصحا فقد آمن بالله صادقا ومن أطاع الله خافه، ومن خافه فقد أحبه، ومن أحبه فقد اتبع أمره ومن اتبع أمره استوجب جنته و مرضاته، ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخطه نعوذ بالله من سخط الله. يا بني: لا تركن إلى الدنيا و لا تشغل قلبك بها فما خلق الله خلقا هو أهون عليه منها أ لا ترى أنه لم يجعل نعيمها ثواب المطيعين و لم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين.

المصدر:
الميزان في تفسير القرآن للعلامة محمد حسين الطباطبائي