ألبوم الصور
قطيفنا خضراء
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3285641
العمل الواعي بين الأمل والطموحات
علي ناصر الصايغ - 7 / 11 / 2004م - 10:12 ص


جاء في الحديث الشريف «أعمل لدنياك كأنك تعيش أبدأً وأعمل لأخرتك كأنك تموت غداً »  في هذا الحديث دعوة للعمل الصالح الناتج عن وعي وإدراك وبصيرة، وهو عمل للدنيا والآخرة معاً وأن العمل الدنيوي وهو ليس للدنيا فقط وإنما للآخرة أيضاً، وفيه حث على العمل الأخروي والذي لا ينبغي التغافل عنه، وهو يحمل عنواناً للمؤمن الفطن، المؤمن الواعي الذي يدرك قيمة العمل من أجل ألآخرة فينظر بعين الله تعال في كل شيء،  يقول الإمام الشيرازي «قد سره» في كتابه «الفضيلة الإسلامية» مختصراً هذا المعنى في التوفيق بين العمل للدنيا والعمل للآخرة أن  « يعمل لإصلاح الدنيا، وتقدم الحضارة، عمل من يرى أن الدنيا أبدية دائمية، فيعبِّد الأرض، ويشقّ الأنهار، ويزرع الفيافي، ويعمِّر البلاد، وما إلى ذلك من زينة الحياة الدنيا، وبهجة الحضارة البشرية... هذا من جانب، ومن جانب آخر يعمل للآخرة، كأنه يموت غداً، فيصلي لربِّه الفرائض ويؤدي الصدقة الواجبة، ويحج البيت إن أستطاع إليه سبيلاً ، ويصوم الواجب ويأمر بالمعروف ويتحلى بالفضيلة، ويجتنب المحرمات والمآثم ، حتى لا يبالي أمات غداً أو بعد ألف سنة».

والقرآن الحكيم تُحدثنا آياته البينات عن الإنسان المؤمن وعن فضيلة الصدق مع الله تعالى والتي يتحلى بها في حياته وكيف يحمل الأمل الواعي، وتكشف لنا أبعاد الطموحات لدى المؤمنين وقيمة ما يعتقده في إيمانهم بالغيب وتصديقهم للقيم الإلهية وما جاء به القرآن الكريم من آيات تحمل للبشرية التطلع لخير الدنيا والتمتع بلذائذها المشروعة، والاستعداد الدائم لنعيم الآخرة النعيم الأبدي يقول تعالى في المحكم المبين ﴿ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار البقرة أية (201) فأن العمل للدنيا أيضاً من الدين ، من هنا يسعى الإنسان المؤمن من أجل رضا الله تعالى أي لا يقوم بعمل ألا وفيه رضاًً لله تعالى قبل أن يكون فيه مصلحة له، فالإنسان الذي يعيش على أمل نـقي وخالي من الشوائب فهو يعمل لبناء ذاته وإصلاحها من أجل رقيها وتقدمها حتى تكون مقدمة لبناء المجتمع الإنساني السليم، فمن خلال امتلاكه للأمل الواعي والذي يبني به أخرته من خلال العمل للدنيا كأنما بقائها أبدي وهذا ليس لأيمانه بعدم زوالها وإنما الإنسان المؤمن يتحين الفرص لإيمانه بأن الدنيا لها يوم ينتهي فيه وجودها ويأمر الله تعالى بزوالها، فقد أشار الله تعالى في المحكم المبين للمسارعة من أجل طلب المغفرة والمسارعة من أجل الفوز بالجنة التي عرضها السماوات والأرض ﴿ وسارعوا إلى مغفرة من ربكم آل عمران أية (  133 )  ولكن بشرط التقوى ﴿ الم ، ذلك الكتب لا ريب فيه هدىً للمتقين ، الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون البقرة أية (1). 

وفي آية أخرى يشير الله تعالى لحقيقة اليقين والتي هي من شروط الإيمان بالله وهي مرحلة من مراحل الكمال المطلق ﴿ وبالآخرة هم يوقنون البقرة أية ( 4 ) من هنا كان العمل للآخرة من الأمور التي حث عليها الإسلام ورغب في المسارعة لها موضحاً أن الدنيا ما هي ألا محطة وكما قال الإمام علي : «الدنيا مزرعة الآخرة» إذاً بالسعي الحقيقي والعمل الصادق والأمل الواعي يحصد الإنسان ثمرة الأمل ويصل به إلى الآخرة الباقية، وكما يعمل الإنسان للدنيا عليه أن يعمل للآخرة أيضاً « وأعمل لأخرتك كأنك تموت غداًً » فكما أنك تعمل لدنياك عليك بالعمل لأخراك بل أن العمل للآخرة لا بد أن يكون في المقدمة أي أن يكون له النصيب الأكبر، أما الدنيا فطبيعة الإنسان هو يعمل من أجلها ولكن عليه أن لا ينشغل بعمله للدنيا وينسى أن فيها العمل الذي يحمل الأمل والذي يصل من خلاله للآخرة عليه أن يأخذ منها ما يحتاجه للبقاء فيها ويجمع منها زاده لأخرته فهي محطة للتزود وجسر للوصل، وحتى لا يصّدق عليه قول الله تعالى ﴿ وهم عن الآخرة هم غافلون الروم أية ( 7 ) وهنا يؤكد الله تعالى غفلة البشر عن الآخرة ونعيمها.


طول الأمل مذموم؟

الأمل الواعي هو الذي يحث الإنسان على العمل والعطاء والسعي الحقيقي لبناء النفس البشرية والنهوض بالمجتمعات نحو تأصيل حالة العمل بين الناس وإشاعة حالة التنافس في العبادة والتقرب إلى الله تعالى بكل ما يعد عمل فيه فائدة ومنفعة لخير الناس، وإما طول الأمل فهو مذموم لكونه يترك في نفس الإنسان طبقة من التغافل والطمع والنظرة الحادة للبقاء الأبدي في هذا الوجود الزائل، ما يعني يصل بالإنسان إلى زاوية يفقد فيها الإنسان كل ما جاء على لسان القرآن وما نقلته آيات الذكر الحكيم من مشاهد لنعيم الآخرة، ينقل السيد الشيرازي «قدس سره»  في كتابه « الفضيلة الإسلامية » عن الرسول الأكرم في كلمة يذم فيها الأمل : « نجاة أول هذه الأمة باليقين والزهد، ويهلك آخر هذه الأمة بالبخل والأمل» ويعلق الإمام الشيرازي على هذا بقوله : « ولعل مراده من ( النجاة ) نجاة الدنيا والآخرة ، ومن ( الهلاك ) هلاك الدنيا والآخرة فأن الزاهد المتيقن لا يترك الدنيا لكي يستغلها الفسّاق والظالمون ، فيملؤنها فساداً وتباراً ، بل يجاهد في سبيل الله والمستضعفين وبذلك تعمر الدنيا ،كما يعمر آخرته بالعمل الصالح ، الذي يحفز أليه زهده ويقينه ، بخلاف البخيل الطويل الأمل ، فإنه حيث يحب الدنيا وزينتها ، ولا يكافح في سبيل الحق ) من هنا نجد أن العمل بالأمل هو خير من العمل بطول الأمل وذلك لأن أحدهم دائم ما بقي الإنسان وأن الآخر قد يصل بالإنسان إلى دائرة مغلقة لا تجعل من الإنسان يعمل للآخرة لما وصل به من الاعتقاد بأن بقائه طويل وأن الدنيا باقية، ويعني أنه لا يوجد آخرة من أجل أن يعمل لها والعمل فقط للدنيا ونعيمها وملذاتها..


الأمل الحقيقي؟

أما الأمل الحقيقي هو أن يعيش الإنسان على نور ولو كان هذا النور ضعيفاً جداً، فالأمل الذي يحمل الطموح من الممكن أن يحقق الهدف والذي يسعى الإنسان من أجل تحقيقه وهذا الأمل يحمل غريزة البقاء من أجل الحياة للعيش المشترك بين الناس والتزود من هذه الحياة الزائلة للآخرة الباقية، فليس للإنسان عمر طويل يبقيه أبد الآبدين وإنما إيمان الإنسان المؤمن بالحياة والآخرة والعمل من أجل الدنيا والآخرة يخلق في نفسه حب الأمل، الأمل الحقيقي والواضح بين عينيه يجعله أمام كل شيء ليحقق به طموحاته وغاياته للسعادة والفوز بالدرجات العلى.

أما إذا لم يكن لدى الإنسان أمل فلن يكون لديه عمل يحقق به أهدافه ولن يقطف ثمرة العمل التي تنفعه يوم لا ينفع مال ولا بنون، فالأمل المشترك مع العمل النفعي ينير للإنسان دربه المظلم ويحقق له السعادة في دار الدنيا والفوز برضا الله تعالى في الأخرى.
       

أعمل لدنياك وأخرتك؟

يقول الإمام علي « ما أطال عبد الأمل ، إلا أساء العمل» فليقصر الإنسان من أمله ويهتم بعمله ، فأن قصر الأمل موجب لخير الدنيا وسعادة الآخرة ، والعمل ليس هو مقصور على الآخرة فقط دون الدنيا وليس هو محدد بكيفية معينة ولزمان معين أو مكان محدد، وإنما هناك تركيز كبير للعمل من أجل الآخرة لغفلة الناس عنها وانشغالهم بأمر الدنيا، وهذا لا يعني بالضرورة أن يهمل الإنسان الدنيا ويترك نصيبه منها، فالأمر بحاجة للوسطية والاعتدال ولكن ليس على حساب أحدهم على الآخر وأن العمل ليس مقصوراً فقط على الصلاة أو الصوم أو العبادات اليومية التي يمارسها الإنسان المؤمن كل يوم، بل أن العمل الدنيوي كالوظيفة هو بحد ذاته عمل يؤجر عليه الإنسان ويثاب ويحصل من خلاله على مكاسب الدنيا ومكاسب الآخرة، ومساعدة المحتاجين هو أيضاً من الأعمال الخيرية التي يصل من خلالها الإنسان لرفعة حقيقية ومنزلة عالية بين الناس، لما قام به من عمل مشترك مع الناس، ففيه رصيد للدنيا وثواب في الأخرى، وهو تربية على مساعدة الآخرين وقضاء حوائج المحتاجين، ففي هذا غدا للروح وللنفس، وأن القيام بذلك فيه صقل لشخصية الإنسان ويكسبه سمعة حسنة بين الناس، والأمر الآخر يتحول هذا العمل إلى مكاسب أخروية ترفع من منزلة الإنسان عند الله تعالى ويزيد في قيمته بين الناس أيضاً.


أغتنم الفرص؟

على الإنسان المؤمن أن لا يؤخر عمل الآخرة على حساب الدنيا وأن لا يقصر في عمل الدنيا لما فيه من الخير الوفير للآخرة، فليس من الصحيح أن يقدم الإنسان أمر الدنيا معتقداً أنه يعيش أبداً ويؤخر أمر الآخرة فهذا الأمل الذي يحمله أمل لا يحث عليه الإسلام بل الإسلام يذم مثل هذه الاعتقادات التي لا تحمل للإنسان أية قيمة ولا تنفعه بل تضره وتخسره قيمة النتائج المرتبطة بالأسباب.


الأمل الواعي؟

فالأمل الحقيقي أن يصل الإنسان إلى مستوى الكمال ويعي حقيقة الموت والحياة ويعمل للآخرة فالدنيا مزرعة الآخرة، والفرصة التي لا تستغلها لا تأتي لك ثانية، فإذا جاء أمر الله تعالى وحضرت سكرة الموت حينها يأسف الإنسان على حاله ويندم على تفريطه في حق نفسه يومها لا ينفع الندم ولا تفيد الحسرات؟.. لا يغفل الناس أمر الآخرة بل يتغافلوا بتكبرهم وعصيانهم وسوء المعاملة والظلم وانشغالهم بملذات الدنيا متغافلين النداء الدائم الذي يذكرهم وينبههم ويقف حائل أمام تصرفاتهم وما يرتكبوه من الأخطاء والفساد والظلم بحق الناس وبحق أنفسهم ، ولكن قلَ من يتعظ ومن يستجيب للوازع الديني الرقيب الإلهي الذي يكتب كل شيء ويحصي كل شيء ،عندها وفي ألحظات الأخيرة إذا جاء الأجل المفاجئ يكتشف الإنسان تقصيره وحقيقة تكبره وتعجرفه وغفلته وهو على فراش الموت لا ينفعه أملهِ الذي وأهمه بالبقاء الأبدي وزين له حب الدنيا وجعله يغلق أبواب الرحمة التي فتحها الله تعالى له وقال له أعمل ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يرهالزلزلة أية ( 7 )، ﴿ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره الزلزلة أية ( 8 ) أيها الإنسان ؟ أين العمل الصالح الذي جعلته رصيداً لك في حياتك ؟، لماذا لم تنظر بعين الله التي أودعك إياها لطاعته؟ ، ماذا عملت لأخرتك ؟ لماذا لم تستفد من الخير الذي وهبك الله إياه .. أسئلة كثيرة من خلالها يتمنى ويقول  ﴿ رب أرجعوني لعل أعمل صالحاً فيما تركت المؤمنون أية (100) من هنا نجد أن الأمل مرتبط بالعمل فالعمل الذي لا يرتبط بالأمل قد لا يتحقق، والأمل الذي ينقصه عمل لا يصل بالإنسان للنتائج المرجوة، وأن الأمل الواعي هو بداية المكاسب التي يسعى كل إنسان من أجل تحقيقها، ولكن على الإنسان أن ينظر بعين الله تعالى وأن يرى هذه الدنيا زائلة مهما كان طول بقائها، ولا قيمة لها بدون الآخرة، حتى يعمل فيها كمسافر فلا  يرتبط بها فيطول أمله وينسى أن يعمل للآخرة فيخسر ما أعده الله تعالى فيها لعباده المؤمنين، فيفوز بالدنيا ويخسر الآخرة.. إذاً لابد من العمل بميزان الأمل الواعي لا بطول الأمل من أجل الهداية في الدنيا والفلاح في الآخرة ﴿ ألئك على هدىً من ربهم وألئك هُمُ المفلحون البقرة أية ( 5 ).