ألبوم الصور
العزاء الحسيني
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3286098
معنى الإصلاح الديني: مقاربة أولية للمجتمع القطيفي
الشيخ محمد عمير - 6 / 11 / 2004م - 11:01 ص


إن منطقة القطيف تعيش جواً خاصاً في برامجها الدينية وفهمها الحركي وطبيعة تطبيقها له واختيار الآليات التي تتناسب مع ذلك الفهم، الذي يبعث على الكثير من الارتياح لما تتميز به من نشاط وتنوع معرفي واختلاف في تصور الأهداف العليا وبالتالي رصد الأولويات وسحبها على الواقع، كما أنه يبعث على الوجل من أن تنشق هذه الاختلافات على مسارها الطبيعي لتتحول إلى عوائق صعبة في عملية تبليغ الدين وتعميقه.

وليس الحديث عن القطيف حديثاً يجرنا للاختناق في الزوايا الجغرافية الحرجة، أو التفكير المتبلد بالقومية، أو المشاعر التي لا تنفتح على بقية المناطق والأمزجة الأخرى، بل لأجل تعميق النظر في هذه البلد ودراسة التوصيات التي تقدمها هذه الورقة والتي تمثل معالجات إصلاحية هامة، تقفز من الواقع لتبنيه وتعالجه. وفي البدء لا بد أن أشرح دالين مهمين، أجعل من فهمي لهما مفاتيح نقدية للقارئ الكريم لما سوف أقدمه من معالجات، الأول : الإصلاح، الثاني : الدين.

فالإصلاح مفردة تشير إلى معنى علاجي أو لمسات منشطة أو إضافة مهمة على أي واقع كان، ليزداد في كفاءته وعطائه. بخلاف التغيير الذي يوحي بقلب الواقع وتبديله. والدين مفردة تشير إلى أيديولوجية مفروغ عن صحتها وعن سلامة النتائج التي توصل إليها إذا ما روعيت إرشاداتها واتبعت الأدوات التي تؤسسها أو ترشد لها. وبالتالي فإن التركيبة اللغوية «الإصلاح الديني» ستعني معادلة جريئة وهي:

الدين >> ادوات دينية جديدة >> إصلاح ديني

فالدين هو الذي يفرز الأدوات التي يفترضها لتقويم مسيرته وتأييد قدرته على الاستمرار في كل زمان ومكان، لنصل إلى معطى نهائي، وهو : كل ممارسة إصلاحية خارجة عن الدين ليست بإصلاح لمشروعه، بل هي أجنبية عنه وبعيدة عن روحه وفكره.
ولن يولد الدين تلك الأدوات ما لم يجدد المتخصصون النظر له، و يملكون الجرأة في استنطاق ما يقدمه من نصوص إلهية أو روائية بأساليب علمية رصينة، لتكون مسألة قيادة الدين للحياة أمراً ملموساً، وصلاحيته لإدارة كل زمان ومكان أمراً وجدانياً واضحاً.

تأسيس مشروع يعمق الدين ويسرع من تأثيره في قلوب أبناء المنطقة أمر صعب وخطير، لما يحوطه من هيمنة اجتماعية لكثير من القوى الفاعلة، لكن متى ما تيسر فهم أهداف تلك الرغبة الصادقة كان مجال النجاح أكبر. وسأستعرض ما أقترحه في عملية التطوير تلك، مكتفياً بثلاث اقتراحات مهمة :

أولا: اقتراح التقارب

وهذا الاقتراح يجب أن يكون في السياق الديني، المؤسس له في كلمات أهل البيت قبل أن نضعه في الخانة النفعية الحركية، ليكون الأول هو المغذي والدينامو المحفّز لاستمرار ذلك التقارب.

• وعند استحضار المشهد القطيفي من حسن العلاقة بين الجماهير والرموز التي تؤمن بها، سواء كان إيماناً مبرراً عقلانياً أو انفعالياً، فإننا لا نخرج من هذا الاقتراح إلا بعد التشديد على ضرورة إيجاد مناخ التقارب بين «علماء الدين» الذي من شأنه أن يسهم في إبراز لوحة دينية فنية لقياديه ورواده، لتسحر بجمالها الجمهور المتدين، وتبث في قلبه الثقة بقادته وعلمائه،ومبادئ دينه النيرة، وتشد أعين غير المتدين ليقتنع ولو قلبياً بقدسية الدين وآثاره الإنسانية.

• أما المشهد الديني فإنه يطالب بصيغ تقترب من الوجوب أن يكون «علماء الدين» قدوة للناس، ومصابيح للهداية. وإذا كانت أوامر الدين للناس عامة في التخلق بصفات الوحدة والتعاون على البر فإنها للعلماء بشكل آكد وأقوى بلا أدنى ريب.

• ليس هذا الاقتراح - كما هو مؤكد – طلب للتنازل، بأن يتنازل كل طيف ديني، يفهم الدين ببعض الخطوط، للطرف الديني الآخر، أو أن يجامل للدرجة التي يفقد فيها مميزاته الفكرية والحركية، بل هو دعوة للالتقاء على نقاط الاشتراك بعد الالتفات إلى عناصر التميز والاختلاف عند كل طيف علمائي، وسحبها على طاولة الحوار الهادئ.

• ربما يفهم بعض علمائنا المبدأية أن يحتاط في اقترابه من الآخر، لأنه فيما يعتقد يبتعد عن الحقيقة، ولهذا التصور مصاديق خارجية، كما لدعاة الاقتراب كذلك، إلا أن المسألة تلقى على الجماهير المتدينة لتكريس هذا الاقتراح فيما بينها، وفتح بوابات الحوار الجريء مع رموزها، فلا شك أن أحدهما سوف يقنع الآخر.


ثانيا: اقتراح الترابط

وهذا الاقتراح يختص بـ( المشاريع الرسالية) المنتشرة في أنحاء المنطقة بصور مختلفة ( دورات تأهيلية، مجموعات أنشودة، مجموعات مسرح، مجموعات حركية، مجموعات أخلاقية روحية، مجموعات خيرية اجتماعية،.. ) وهذا الانتشار هو الذي ضمن لنا استمرار الحس الديني في كل المناطق والقرى، وصدر وعي الدين في عقول الناس بمقدار كبير، لكن ليس هذا كل شيء في زمن تتعقد فيه وسائل الخطاب لكل الشرائح الاجتماعية، وينفتح فيها العقل الاجتماعي على قنوات مختلفة الأغراض والتوجهات، وخاضعة لسياسات الاستكبار العالمي.

لذا، فإن هذا الاقتراح يركز على أهمية ابتكار مشاريع رابطة، تجمع شتى الجهود والإبداعات المتميزة، وذلك:

1- تستمر في نموها.
2- تتسع إداركاتها المبدعة.
3- تلامس تجارب حية تشاركها في الأهداف.
4- تطوير مشروعها بعد ملاحظة ثغرات المشروع المماثل أو عناصر متانته.

إلى غير ذلك من الأهداف المرجوة من اجتماع الطاقات المختلفة، ولعلي أستحضر هنا مشروعات ثلاثة : الأولى مشروع ترانيم للإنشاد والإبداع، الذي وفر مناخاً حيوياً ورائعاً لكل الفرق الإنشادية في المنطقة، الثانية : مشروع أوبريت الإمام المهدي الذي يحاول الاستفادة من طاقات مبدعة مختلفة في التوجه والانتماء، الثالثة : مشروع التقاء الدورات الدينية، والذي أشرفت عليه لجنة الهدى.

إن ترابط المنطقة وأبنائها عبر ترابط المشاريع الرسالية، يساهم في إنجاح الاقتراح الأول في التقارب، وفي تأكيد ريادة الدين ومشاريعه في المجتمع الواسع. إن هذا الاقتراح بإمكانه أن يسحر كل المشاريع التقليدية والجديدة في المنطقة، المساجد و الحسينيات ومواكب العزاء و الفرق الدينية.. كل ذلك يمكنه أن تضفى عليه لمسات جديدة، ذات بريق رسالي متميز بعد عقد تلك اللقاءات والتواصل الدائم.


ثالثا: اقتراح الاستراتيجيات

التخطيط + التنظيم + المتابعة + الرقابة = العمل الديني الناجح.

هذه هي معادلة هذا الاقتراح لتخرج أعمالنا الدينية الشبابية والعلمائية وغيرهما من رق العفوية والعمل في دائرة (البركة) لتسجل حضوراً له وزنه في مجال العمل الإداري الاستراتيجي المتقن.

إذا نظرنا إلى بعد التخطيط فإننا نجد أن مشكلة الكثير من المشاريع الدينية هو افتقادها للتخطيط الذي يبتدأ من تحديد الهدف الأساس والمهمة الملقاة إلى تحديد الخطة التفصيلية إلى رسم حركة الأداء، الأمر الذي يدخلنا في الفوضى، وفقدان الآثار العملية في نشاطاتنا، وابتعاد المجتمع عنا لعدم ملامسته للنتائج المترتبة علينا، ويكون اتهامنا بتضييع أموال بيبت المسلمين بلا فائدة !
يجب على العلماء العاملين في المنطقة أن يحددوا الأهداف الاستراتيجية العليا، لنتسلمها نحن العاملين، ونسعى لتحقيقها عبر الخطط المرحلية والتشغيلية التنفيذية.

تزداد خطورة المسألة متى ما اكتشفنا أن فقدان تلك المشاريع للتخطيط والمرحلية ناشئ من عدم وعينا بالأهداف العليا منها.. إن ذلك انتكاسة خطيرة على مستوى العمل الرسالي الجاد. وأترك بين يدي قارئي العزيز مثالين على خبرتنا الإدارية : إدارة الأوقاف الإسلامية، إدارة الخمس.