ألبوم الصور
اشجار الموز
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3286102
تأملات في شخصية الإمام علي (ع)
محمد بن علي المحمود - 27 / 10 / 2004م - 5:00 م


في فجر السابع عشر من شهر رمضان، عام أربعين من الهجرة، انبعث أشقاها (أشقى الآخرين) لينهي بذلك عصر الخلافة الراشدة؛ بقتله لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب وهو يؤم الناس لصلاة الفجر في مسجد الكوفة عاصمة الخلافة آنذاك. لم تكن مجرد ليلة يتبعها صباح، ففي تلك الليلة التي اغتيل في فجرها القاتم؛ انشطر التاريخ الإسلامي إلى شطرين تباينا أشد التباين، ولم يكن الحدث عابرا، فقد تبع الحدث مآس كثيرة؛ فكانت (مآتم) بالعراق تعدها أموية بالشام من (أعيادها)، كما يقول الشريف الرضي - رحمه الله -.

يتذكر المسلمون - أيضاً - الانتصار المفصلي في التاريخ الإسلامي (يوم بدر) في مثل هذا اليوم من هذا الشهر المبارك من السنة الثانية من الهجرة. ذلك اليوم الذي كان لعلي دور حاسم فيه، بشهادة الأرقام وحياديتها، لا بعبث الأوهام وتهويماتها.

لكن، إذ تغيب ليلة الاغتيال المأساوية عن الذاكرة - تلك الذاكرة التي جرى اغتيالها منذ ذلك التاريخ البعيد - تحضر ذكريات الانتصار حضوراً كاسحا؛ بذكرى الانتصار البدري الكبير. ومع أنه يفترض في الذاكرة الإسلامية - كي تستحق مسمى (ذاكرة) - ألا تكون ذاكرة انتصارات فحسب، بل ذاكرة تجمع بين الأتراح والأفراح، في سياق تأويلي، يبحث عن المعنى الغائر في تحولاته المنطقية، ما أمكن ذلك، خاصة عندما تكون الأحداث تعبر عن بداية ونهاية لمعنى كلي، كما هو الحال بين هذا النصر وتلك الهزيمة (الاغتيال). لكن للذاكرة تحزباتها التي تختار على أساس منها ما يحق له البقاء حيا وما لا يحق له ذلك، وهي تحزبات لا تعيها في أكثر الأحيان.

وعند أدنى تأمل، ندرك أن حادثة الاغتيال لم تكن مجرد حادثة طارئة، معزولة عن الأحداث وعن شخصية الإمام علي ، بحيث يجري تسجيلها ضد هذا المجرم أو ذاك، بل كانت نتاج أحداث وأحداث سبقتها بتاريخ طويل، وللصفات الشخصية - صفات علي رضي الله عنه - التي سأشير إلى بعضها لاحقا، أثر ظاهر في مجيء النهاية على هذه الصورة خاصة، دون غيرها من الصور؛ لكونها صفات ذات أثر فاعل في مجريات الأحداث، لا في عصر خلافته فحسب، وإنما فيما قبل ذلك من أحداث ومواقف، من غير أن يكون الأثر نتاج فعل بالضرورة، وإنما قد يكون نتاج اللافعل. وبهذا يتضح أنها صفات ليست لازمة، بل متعدية، لا يمكن - بحال - أن تقف عند حدود الشخصي، مهما أريد لها ذلك.

وإذا كانت معركة بدر هي بداية حضور الفعل الإسلامي، كفعل يتغيا الإسلامية ويمارسها بقوة الوعي وقوة النظام، فإن هذه الحادثة هي النهاية لهذا الحضور الاستثنائي، من حيث هو حضور على مستوى الفعل الرسمي القادر على المبادرة، والصادر عن وعي يتماهى معه، بمعنى أنه ليس ذلك التهويم الفردي الذي لم ولن يفقد في يوم من الأيام، في المجموع الإسلامي العام، وإنما هو حركة مجتمع متسق البنى، يندفع بتلقائية تجاه المعنى (المبدأ) العام.

وغير خفي أن التمذهب ليس غائباً عن احتفاليات النصر - المبدّعة بالمنطق السلفي - والتي تتكرر كل عام، بوسائل متباينة، كيما تنأى بها عن أن توصف بالاحتفالية، كنوع من الكر والفر داخل المنظومة ذاتها. إنه كر وفر يأخذ - للأسف - البعد المذهبي في حسابه قبل أي بعد آخر، فهو - في الغالب - ليس مجرد احتفاء بريء بنصر، وتناس لهزيمة، أو تفاعل مع انتصار المجموع بوصفه مكتسبا للكل، واستهانة بعوائد الخسارة لهزيمة فرد، على اعتبار أنها نهاية محتومة لهذا الفرد من جهة، وخسارة لا تتعدى هذا الفرد بآثارها من جهة أخرى. إنها قضية تذكر ونسيان، لا ينبغي أن تمر دون تفسير الموقف من هذا الحدث وذاك.

وبعيداً عن هذا الارتباط (العابر) بين واقعتين متضادتين، ليس بينهما إلا (صدفة) الاتفاق في اليوم والشهر، فإن الواقعة الأخيرة (الاغتيال) مع شخصيتها التي لا تنفك عنها كصفات وليس كموضوع للحدث - بحال، تحتاج لتأمل من زوايا كثيرة، قد يصعب التضافر على بعضها في هذا السياق. لكن القراءة العابرة يمكن أن تشير - مجرد إشارة - إلى منافذ للتأمل، خاصة إذا تحررت - ولو بالحد الأدنى - من أسر المذهبي في بعديه: الواعي واللاواعي. وهي قراءة تحفز على التأمل للخروج بتأويل خاص، تأويل من إنتاج القارئ بأكثر مما هو مستوحى من إشارات الكاتب. وبقراءتي العابرة لتلك الواقعة والشخصية، أشير إلى ما يلي:

1- هذه الحادثة ليست مجرد حادثة اغتيال فردية، بها تنتهي حياة شخصية ذات اعتبار في التاريخ الإسلامي فحسب، بل هي حادثة تنتهي بها حقبة زمنية، يعترف الجميع بتميزها النوعي عما بعدها. إنها في الوعي الإسلامي عصر له تميزه، عصر يختلف اختلافا نوعيا عن ما تلاه من عصور، ويخصه المؤرخون من عرب ومستشرقين بتفسير خاص، يفصله عن غيره من العصور اللاحقة له؛ وإن كان ذلك يتم منهم على اختلاف بينهم في درجة التخصيص والفصل. وهذه الممارسة الموضوعية من قبل المؤرخين تعني صدق الحدس الذي سرى في قلوب الملايين ولا يزال، بجعله أفقا مثالياً لا ينال. وإن سعى الكثير لنقله من الذاكرة إلى الواقع، فهذا لا يقلل من رؤيتهم لمثاليته التي تقترب به - لديهم - من دوائر المقدس.

هذا العصر الذي له هذه الصورة المثلى في المخيال الإسلامي، والذي تعلق به الوعي الإسلامي أيما تعلق، لم ينته بحوادث جماعية كالمعارك الحاسمة مثلا، أو بتحولات انقلابية كبرى، تستحضر البديل الإيديولوجي، كما هي العادة في نهاية عصر وبداية عصر آخر، وإنما كانت نهاية هذا العصر بنهاية هذه الشخصية (علي ) دون غيرها من أحداث. لا ننفي أثر الأحداث في الصيرورة إلى النهاية، لكنها - مهما عظمت - لم تكن هي النقطة الفاصلة بين عصرين.

وبهذا فحادثة الاغتيال ليست نهاية إنسان، وإنما هي نهاية أمة، أمة كانت تمتلك وجدانها الخاص. صحيح أنها لن تفقد هذا الوجدان الخاص - النابع من وعي خاص - بصورة كلية، لكن - ما بقي - لن يعود ذا أثر في الواقع بعد تلك الليلة الرمضانية الفاصلة.

إن هذا الارتباط بين نهاية شخص ونهاية عصر، ارتباط له دلالته العميقة في تميز هذه الشخصية وتفردها، بما يجعل لها هذا الأثر البعيد في الواقع؛ لأن القضية هنا ليست نهاية دولة وقيام دولة أخرى على أعقابها، فتصبح مجرد تبادل للأشخاص والأدوار، بل كانت نهاية علي نهاية عصر، بوعيه وقيمه وتصوراته، إنها ليست النهاية المتوقعة - والتي كان لابد لها أن تأتي - للدولة التي كان يحكمها فحسب، أي أن الأمر لا يقتصر عليه كشخص، ولا على الدولة كنظام، وإنما كان - بهذا الأثر - الحد الفاصل بين أمة وأمة، بكل ما يعنيه ذلك من تمايز بعيد الدلالة.

2- تمت قراءة علي كجزء من المشهد الراشدي الذي قبله، مع أنه في مجمل رؤيته - التي تفرضها عليه السمات الخاصة التي اتسمت بها شخصيته، كما تفرضها عليه ظروف عصره المغايرة لما قبله - مختلف في كثير من الرؤى - تنظيرا وتطبيقا - عن السياق الذي أراد له كثير من الصحب أن يتأطر به فتأبى عليهم باعتداد. وهذا لا يعني أنه ليس في سياق ذلك المشهد الرائع من حيث صفة (الراشدية) وإنما أقصد أن قراءته كجزء من مشهد عام - مهما بدا رائعا - تختزل أبعاد التفرد لديه، وهي أهم ما يميزه كفاعل إسلامي مغاير يعي أهمية وجدوى هذه المغايرة.

إنه لم يحضر - عندما أريد له أن يحضر - كاستمرار، وإنما حضر كتغيير ومغايرة. لقد كان يحمل قبل الخلافة وأثناءها، نفسا ثوريا تغييريا لا يخفى على متأمل سيرته. ومن الطبيعي أنه ليس تغييراً يقطع مع السابق وينقلب عليه رافضا إياه، وإنما هو مجرد نفس تغييري يتغيا الكمال، ويتجلى في رؤية خاصة، معتدة بخصوصيتها، لما هو الأنسب إسلاميا. وهنا - كما هو واضح - إيمان بأحقية الفرد في إبداع رؤيته الخاصة، وممارستها ضمن شروط الاجتماعي والسياسي.

ولا شك أن هذا النفس الثوري - الذي يظهر حينا ويختفي في أحايين أخرى - حسب مقتضيات الحال - أملاه موقعه الرقابي لفترة طويلة، إذ كان يقف بموقف المراقب - وليس التنفيذي - لما يجري في ساحة الإسلامي، سواء ما كان داخل دوائر النخبة السياسية أو خارجها في الشعبوي. هذا الموقف التأملي الذي وضع فيه، مع ما يملكه من رؤية فاحصة، تتماس مع المثالي، أوجد في نفسه قناعة بأهمية التغيير، تغيير من وجهة نظر تختلف، وتحتفظ بحقها في الاختلاف، وإن كانت لا تبتعد كثيراً في الاختلاف. إذن، هذا النفس الثوري، نتج من كونه مكث وقتاً طويلاً وهو يمتلك آلية إنتاج النظرية، ولكنه لا يمتلك آلية تنفيذها على أرض الواقع.

3- اغتياله كان على يد التطرف (الخوارج) كما هي نسبة الحدث تاريخيا، مع أن خيط الاتهام قد لا ينتهي عند هذا الخارجي الموتور بجماعته جماعة التطرف والإرهاب في القديم، وإنما قد يمتد إلى يد المستفيد من هذه الحادثة!. ليس هذا هو المهم، بل المهم - هنا - أن الاغتيال لم يكن بدعوى المطالبة بالعدل، أو بتغيير الولاة، أو لاستبعاد ذوي السابقة في الإسلام، أو ما شابه ذلك، وإنما كان بدافع الانتقام من الرجل الذي سحق جماعات الإرهاب والتطرف الديني؛ بعد أن استباحت هذه الجماعات دماء المسلمين في أكثر من موقع، وزايدت على تدين السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.

وعلى ضوء هذه العلاقة الضدية الحادة بين علي وبين جماعات التطرف في القديم، لم يكن غريبا أن التطرف والإرهاب الذي نعاني منه في عالمنا الإسلامي بكافة أطيافه، يتكئ على مقولات تفرزها منظومات متشددة، يتجلى في ثناياها الازورار عن علي وآل بيت النبوة، وترتاب - بما يشبه الذعر - بأقل الثناء عليهم عند التخصيص. فهناك - إذن - علاقة ظاهرة بين (النصب) وبين التطرف على مستوى المرجعيات المعتبرة، فالتطرف نراه - دائماً - على الضفة الأخرى المقابلة، حيث (ابن ملجم) وأصحابه في القديم والحديث. وهذه العلاقة المشار إليها، قد تكون صريحة، بتبني مقولات الخوارج - أو شيئاً منها - صراحة، وقد تكون ضمنية بتبني مواقف الخوارج القدامى، بنسب متفاوتة، قد تخفى على الكثير.

ولا شك أن خفوت البعد الإنساني، وظهور ملامح التوحش بكافة صوره، من قتل وإقصاء ونفي وعدم تسامح، من أهم ما يجمع بين الخوارج في القديم والخوارج في الحديث. وهكذا نجد أن صفات مثل: عدم الإنصاف من النفس، والاستهانة بحياة الآخر، والمسارعة إلى التكفير عند أدنى خلاف أو عداء، هي صفات خارجية، تقف على الضد من الصفات البارزة في شخصية علي من حيث الإنصاف، حتى مع الخصوم، وإقامة الاعتبار للحياة، حتى في حال الحرب، كما ظهر ذلك جلياً في وصاياه في صفين، وعدم التكفير، حتى في حق من كفروه وقاتلوه.. إلخ، وهي صفات إنسانية، تبدأ من احترام الصغير والكبير، والرفق بهم - كما تجلى هذا بوضوح إبان حكمه خاصة - وتنتهي بحفظ حياة الآخر المحارب، عندما لا يصبح للقتل معنى غير القتل.

4- التحدي الذي واجهه علي كان تحدياً من الداخل الإسلامي، وهو على تنوعه وتعدد أطرافه، إلا أنه من صميم الداخل. وعند التعامل مع هذه التحديات - التي تمس الكيان في وجوده - لم يحاول أن يضع أي نوع خارج البيت الإسلامي، مهما كان عداؤه وضرره على الإسلامي. وهنا لا بد أن تمتلك الشخصية مقومات البقاء - البقاء المعنوي هنا - في هذا الصراع، كي تستطيع الصمود، وهي - أي المقومات - مجموع صفات، قد يصعب - إن لم يستحل - اجتماعها في شخصية واحدة؛ لأنها قد تتنافر، فيسهل أن تكون موزعة على مجموع، كما كان ذلك في أحداث تاريخية حاسمة، ولكن يصعب اجتماعها في فرد. أما في حال علي فقد كانت فيه خاصة، فيه حال تفرق المجموع عنه، وبقائه فرداً عليه تدور رحى الأحداث. ومع هذا فهو يصمد لها حتى النهاية، بيقين أمضى من سيفه.

5- الغلو في علي ظهر منذ القدم. وكما قلت من قبل في مقالي عن المسيح إن الغلو فيه لم يكن بمعزل عن الصفات الشخصية التي تفرد بها، من حيث كونها صفات استثنائية، تستقطب الانبهار الشديد، ومن ثم الغلو، وكذلك الحال في علي . إن الغلو في شخصية معتبرة تاريخيا، لا ينبع من فراغ، خاصة إذا كانت الشخصية لا تنشد بسلوكها القولي والعملي الغلو ولا تطلبه، بل ترفضه وتأباه في حقها.

وليس الانبهار والإعجاب مصدره السابقة في الإسلام، إذ يشاركه غيره في هذا، ولا لمجرد القرابة، فغيره أقرب، ولا للمصاهرة فغيره صاهر، ولا للبلاء فغيره أبلى، ولا للخلافة فغيره تولاها.. إلخ. وإنما لصفات عديدة، تنطبع بها هذه الشخصية، ولا يملك المرء إزاءها إلا أن يؤخذ بها، سواء استطاع تفسيرها أو لم يستطع ذلك، بأن قد يكون ما يستعصي على التفسير والتعليل هو الأدعى للانبهار والإعجاب.

6- الأحاديث التي وردت في فضل علي لها بعد نوعي، يتجاوز التعداد الكمي للفضائل، وليس هذا مجال ذكرها، فضلاً عن شهرتها التي تغني عن ذلك. لكن لا يمكن أن نختم هذا المقال دون ذكر حديث صحيح، ذي بعد نوعي، يحتاج إلى من يتأمله بعمق، ويقرأ من خلاله التاريخ والواقع. لقد روى مسلم في صحيحه أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم قال لعلي : «لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق» وهذا ليس إلا لعلي كفرد، وإن كان ورد مثله في (الأنصار) كجماعة، وليس كأفراد، وربط الإيمان والنفاق بالموقف من شخص، يشي بقيمة نوعية، تستحق أن تأخذ حقها من القراءة، في زمن التناحر المذهبي الذي لا يبحث عن المشترك، بقدر ما يبحث عن بؤر الاختلاف.