ألبوم الصور
ريال واحد
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3285634
رمضان في القطيف.. شهر الحب وهجران المعاصي
منصور القطري - « صحيفة اليوم » - 27 / 10 / 2004م - 12:57 م


لشهر رمضان الكريم في القطيف نكهته الخاصة ومذاقه المتميز وعاداته الراسخة التي توارثها أهل البلاد عن أسلافهم جيلا بعد جيل، وكأن الشهر الفضيل يعلن المصالحة بين ماضي وتراث الأجداد وبين ملامح التقدم في عصرنا الحديث، هذا التزاوج الرومانسي في الشهر المبارك يغري الجميع بحيث لا يقوى أي من أبنائه على صوم رمضان في مضارب مدينة أخرى.

واذا كان هذا الشهر المبارك موسما تعبديا تمارس فيه اسمى فريضة وهي فريضة الصوم فان المؤمن يشذى فيه بالصلاة والذكر والدعاء، وينسلخ عن عبادة زمن المال ورجال الاعمال!! لينطلق الانسان في فضاء حاجة المساكين والايتام، فيضخ الشهر الكريم دما جديدا للمصابين (بأنيميا المحبة) وفي الوقت نفسه يعاتب المذنبين ويزيد في سمره من لوعة أهل العشق الرباني وأهل التعبد فيجعل البحر اكثر زرقة ويجعل الطيور ترفرف فوق نخيل بلادي.


اللقاحات المعنوية

على هذه المائدة الثقافية والروحية يسعى الأهالي الى تحجيم أي وجه للترف والترهل المذموم ويستوي في ذلك الشيخ المتعبد والشاب المذنب الذي زلت قدماه فألف احدى المعاصي. فأجواء هذا الشهر المحتشمة تجعل المذنبين يستوحشون من الرجوع الى تلك المثالب فيعمل شهر الفضيلة على تنقية الغبار الذي تثيره خيول الشهوة الجامحة حين يصك مسامع الجميع صوت مآذن القطيف وهي تنطق بالشهادتين، ويلتقي في ذلك موقف المواطن والمقيم حيث ترفرف راية الوطن العزيزة اجلالا لهذا الشهر العظيم.

واذا كان الناس قد تغيروا بحسب ما تغير الزمان واصبحت الحياة المعاصرة اكثر تعقيدا وتبدلت النفوس وتنوعت اهتمامات الافراد والعوائل الا اننا نلاحظ ان هذا الشهر وفي صولجانه ينكسر ذلك الانتظام الآلي لحركة الناس واتجاهات الناس فينقلب الليل نهارا ويرتبط مفهوم التعبدلله والاعداد للآخرة بمتعة الدنيا وطيب العيش المباح، وهو تجسيد عملي بمعناه لماورد عن حبيب قلوبنا وشفيع ذنوبنا الرسول الاعظم : (ان يعمل الانسان لدنياه كما يعمل لآخرته).

هنا على أبواب هذه المدينة روح الماضي تنبعث من جديد في ثوب ناعم كالحرير فيبدأ في شهر شعبان الاعداد المادي والروحي لهذا الضيف الكريم فيتقاسم افراد الأسرة الأدوار فيما بينهم حتى اذا حل شهر الصيام كان كل شيء كالقمر في تمامه، عندها تسرح النساء في اعداد الاطعمة فينزعن من قاموس المجلات الجديدة اشهى الطبخات لتلتحق بقاموس الطبخات القديمة ذات الماركة الخليجية المسجلة (الهريس، الخبيص، التلاقيم، ولا يغيب عن البال الخنفروش) وتتعاون الأم مع بناتها في اعداد هذه الأكلات وكيفية صنعها، فيصبح شهر رمضان حلقة أو (دورة تدريبية) على غرار ما يتم في معاهد الادارة ومراكز التدريب العالمية، لكن هذا التراث الشعبي الاصيل ينساب هنا من جيل الأمهات والجدات الى جيل البنات، وبشكل طبيعي وبدون اجراءات رسمية ولا مساحيق أكاديمية.

رومانسية معاصرة

كل الشهور صغيرة الحجم على مجتمعنا الا هذا الثوب فانه يزيد من وسامته واناقته بل ويظهر مكامن القوة في هذا المجتمع فعندما خسرنا كل شيء وتغير الزمان بقي لنا الوازع العقائدي والروحي فلم تعد الاكلات ذات طابع غريزي فهي تقوم بدور المقويات التي تساعد الصائم على مقاومة الجوع، لكنها في الجوهر (منهج تربوي) لذلك تنطلق الاطباق والوجبات الدسمة الى الارحام والجيران محملة على ايدي الصبية ومخبأة تحت عباءة النسوة، في مشهد اجتماعي رائع تحتوي مكوناته على (الزيت، والزبدة، والزنجبيل، والعسل، والقرفة، والسميد واللوز) مضافا له نية التقرب الى الله (ولو بشق تمرة).

على ضفاف (ساحل الذهب الأسود) وفي هذا الشهر تكثر الزيارات والاعراس والمناسبات فهناك ورشة عمل للفن التشكيلي والتصوير الضوئي والخط العربي وسنابل الخير، وهناك سوق خيري وزواج جماعي وتجارة السمك وهناك الديوانيات حوار الياسمين كما يطربك تغريد الاطفال وهم ينطلقون على أرصفة الفرح وعلى الأخص في النصف منه (القرقعان) حيث قال احد الاجانب وهو يحاورني، ما أعظم تلك الثقة التي تمنحونها لأطفالكم.. ينتقلون بين الحارات ويدخلون البيوت يجمعون الحلوى والفستق في اكياسهم بكل ثقة واطمئنان؟.. وقد علقت في حينها بان ذلك قد يكون غريبا في (لوس انجلوس او شيكاغو) التي تكثر فيها حوادث العنف وسرقة الاطفال، أو في المدن الاسمنتية الصامتة حديثة الولادة.. لكن ليس في هذا المكان.

المسرح الاجتماعي

في هذه المساحة من جغرافيا وطني تنساب الطيبة والعفوية بلا اشتراطات وتكلف فهي تستيقظ كل يوم دون الحاجة الى ان تذهب الى غرفة نومها لكي تتأمل وجهها في المرآة لان جمالها رباني فهي تختال مشرئبة بين البساتين وأمواج بحر الخليج وهي عند ما تقرر كتابة سيرتها الذاتية يصمت اللحن وتصبح الكلمات طوع بنانها ويلعلع الشعر في حناجر ابنائها مستلهمين بذلك تجربة تجمع بين عمق المعنى وهرمية الموقع وكهولة التاريخ ومفترشة الألوان الجميلة لأدبنا العربي بمختلف أطيافه.

ان تقوم بجولة في شوارعها يعني ان ترى المسرح الاجتماعي بعين الشاعر وترصد حركة المجتمع بعقلية المحلل الاجتماعي فتطلع على وثيقة اجتماعية للحياة العاطفية كما يعني ايضا ملامستك جهازا عصبيا ينقل اليك الاحساس بجميع الانفعالات.. الفرح.. الحزن.. الديناميكية.. وسوف ترى ان نصف القدح لم يكن فارغا.. انه فقط ينتظر!! ينتظر من يقرأ الاشياء بوعي.. وسوف يتسرب الى انفاسك في تلك اللحظة رائحة الخبز الأسمر والأصفر، ورائحة البن المطحون المنبعثة من بين الأزقة.. وكذلك طعم الهيل في الفناجين العربية وهي نائمة في أيدي كبار السن الذين تشكلوا في حلقات على قارعة الطريق في كل مساء وعند افول الحمرة المشرقية ينتظرون اطلالة ضيف يهبط من غيمة الاحلام ليرسم عالما جديدا مسالما خاليا من العقد فيذكرنا بالمقولة الجميلة لحكيم الصين كونفوشيوس (الأنهار الأكثر عمقا هي الأكثر هدوءا).. انه فضاء يكتظ بالأجوبة ويحرض على التفكير والانفتاح.