ألبوم الصور
مبنى البلدية القديم
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3285629
حينما يستحيل الإنبهار علماً نافعاً
بشير العبد الجبار - 24 / 10 / 2004م - 11:30 ص


برز في الآونة الأخيرة كتّاباً صحفيين يكثرون من حشو المقال من أوله إلى آخره بمصطلحات توحي للقارئ بالمستوى الراقي لثقافة الكاتب. هؤلاء الكتّاب يحلو لهم أن يملؤوا مقالاتهم بـ «السوسيولوجيا»[1]   و«الطوباوية» [2]   وما إلى ذلك، ويزينون الجُمل بـ «الحراك الإجتماعي» و«المماحكة الثقافية» وما يشبه ذلك. هل يُعدّ هذا رُقيّاً في مستوى ثقافة الكاتب الصحفي؟ وهل القارئ يعاني من ضحالة ثقافته فيصير مشدوهاً أمام أي مقال تحتشد فيه هذه المصطلحات؟

كنت أحد هؤلاء المشدوهين والمنبهرين في فترةٍ ما، فأخذت أفكر... أليس من الأجدر بنا أن نطّلع على مصادر أي ثقافة تتناثر مصطلحاتها أمامنا؟ أليس من الأمانة ومن دواعي البحث عن الحقيقة قراءة الأفكار من مصادرها الأساسية؟ بعد هذا قفز سؤال آخر: هل إن قراءة تلك الكتب تُعد ترفاً فكرياً؟ لأنها لا تندرج في العلوم النافعة التي حددتها الرواية الواردة عن الرسول وحصرتها: «إنما العلم ثلاثة: آية محكمة أو فريضة عادلة أو سنّة قائمة» ويعبَّر عنها في المصطلحات المعاصرة الرائجة:


1- العلوم العقلية الإعتقادية وطلب الدليل (الآية) عليها.
2- علوم الأخلاق وطلب العدالة فيها.
3- العلوم التعبدية وطلب الحكم الشرعي من السُنّة أي فعل المعصوم وقوله وتقريره.


ثم يبرز سؤال ثالث وهو استحضار تاريخ المناظرات التي كان يقوم بها أصحاب الأئمة عليهم السلام بتشجيع منهم، مثل ما نقرأ في (بحار الأنوار) عن ذلك الشامي الذي جاء للإمام الصادق عليه السلام وقال «أريد أبا عبدالله أناظرك في العربية، فالتفت أبو عبد الله عليه السلام فقال: يا أبان بن تغلب ناظره» وحينما طلب المناظرة في الفقه قال الإمام عليه السلام «يا زرارة ناظره» وهكذا استمر الإمام عليه السلام في أمر أصحابه بالمناظرة واحداً تلو الآخر [3]  .

ومن تاريخ المناظرات نستحضر كيف أن علماءنا منذ بداية عصر الغَيبة كانوا يقرأون آراء المذاهب الأخرى ويناقشونها في دروسهم الفقهية والأصولية والعقائدية والتاريخية. وحتى في القرن الماضي نطالع ما كتبه الشيخ البلاغي عن الديانتين اليهودية والنصرانية التي تكشف عن قراءته لكتبهم [4] . ومن المعاصرين نجد الشهيد السيد محمد باقر الصدر في كتابيه «فلسفتنا» و «اقتصادنا» يحلل ببراعة الفلسفات الحديثة بل - من خلال قراءته العميقة لها- ويعرضها بوضوح وترتيب وتبسيط أفضل من كاتبيها!! إذن ألا يعني ما قام به العلماء أنه كان يساعد في البحث في العلوم النافعة؟ على الأقل في العقائد والأخلاق.


لنتوقف عن التساؤلات ولن نضيف على الأسئلة الثلاثة السابقة، والتي تعبّر عن ثلاث مراحل:

1- الإنبهار بالمصطلحات والمفاهيم المحشودة في المقالات، ثم التفكير في قراءة مصادرها لفهم خلفياتها وهذا ما تتطلبه الأمانة والبحث عن الحقيقة.

2- الإلتفات إلى أنه -أثناء القراءة في تلك المصادر- قد ننساق إلى الدخول في دائرة الترف الفكري، فلا بد من التعرف على مدى فائدة القراءة في أثناء أي قراءة.

3- البدء في هذه القراءة، حيث أنها هي المنهج الصائب الذي سار فيه الأسلاف من العلماء.


لقد بذل الشهيد الصدر والشهيد المطهري قصارى جهودهما في قراءة مقولات الماركسيين ثم عرضاها وناقشاها وحلّلا الفلسفات المؤسسة لها كالتجريبية والمثالية والنسبية والوجودية والمنطق الديالكتيكي. وكانا - بالإستدلال - يقولان بأن المشكلة ليست في الخطأ في تطبيق نتائج تلك الفلسفات وحسب، بل نفذا إلى عمق تلك الأفكار ليقولا أن المشكلة في بطلان نفس تلك الأفكار والمقولات. والآن يأتي دورنا لنطّلع على ما ينتشر من أفكار ومقولات في هذه المرحلة، مثل: الحداثة وما تعتمد عليها من فلسفات كالنسبية والوضعية المنطقية، وكذلك الوجودية والعدمية والفوضوية التي فيها الكثير مما يعتبر أساساً لتبرير الهيمنة والإمبريالية في الإقتصاد، هذا بالإضافة إلى الهرمونيطيقا التي ترتبط بتفسير النصوص. يبدو أنني أصبحت من أولئك الكتّاب الذين ذكرتهم في بداية المقال!


ما ندعمه هو أن تنفر طائفة من العلماء والمفكرين ليقوموا برحلات فكرية بتلك القراءة ليرجعوا إلى قومهم (نحن)، ويعرضوا ذلك لا بغرض التباهي والتفاخر بل لتبصيرنا بحقيقتها بأسلوب ومستوى يناسب أذهاننا نحن العامة، وبهذا قد يتحقق قيامهم بدور ﴿ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون [التوبة:122]. حينما يحصل ذلك لن تستغفلنا مقالات مرصّعة بمصطلحات «الدوغما» [5]   و«التابو» [6]  وتوصف فيها المفاهيم على أنها حقائق دامغة ويجب أن نخضع الدين ونكيّفه معها. إننا نسعى لأنْ يتمكّن القارئ من التفريق بين كاتب يفهم ما يكتب ويحاكم كل فكرة يستقبلها بالإستدلالات وبالتحليل، وبين كاتب أشبه ما يكون ببغاء، بل أسوأ لأن الببغاء لا تقدس ما لا تفهمه.

الهوامش:

[1]  علم الإجتماع.
[2]  المدينة الفاضلة أوالمثالية.
[3]  لقراءة القصة كاملة، راجع (بحار الأنوار) 47/407/11
[4]  لقد بذل جهداً كبيراً في الوصول إلى كتب اليهود حيث كانوا لا يريدون أن يطّلع عليها غيرهم، فأخذ يتخفّى ويمثّل أدواراً لكي يتعلم العبرية وبالتالي يستطيع قراءة كتبهم.
[5]  الفكرة المقدسة.
[6]  المحرم والممنوع.