ألبوم الصور
مهرجان الدوخلة 1427هـ
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3285634
مدرسة الإمام الصادق (ع) بداية افاق...وبلورة نظم
مجلة النبأ - « أحمد البدوي » - 31 / 8 / 2004م - 6:33 م


ثلاثة وعشرون عاماً، امتد بها الزمان كانت الارض بها تنتشي بأريج الوحي، الاريج الذي يحمل في نفحاته ألوهية حرصت لحكمتها توجيه الفعل البشري على أسس فطرته التي فُطِر عليها من قبل السماء، كي تتوائم وارتباطاته على الارض مدى العصور، هذا الافق الذي لاحته لحظات ثلاث وعشرين عاماً، كان لابد أن يمتد في قضية إلباس القيم زمنياً، طالما الزمن يمتلك تموجات في الواقع وصعوداً حاجياتي وتكاثراً أشيائي، لما عرف عن الإنسان في واقعه ومعه، صيرورة مستمرة، تنبع من حركة العقل بين أخاديد هذا الواقع، فكانت الامامة. بما هي خط أصيل للنبوة وامتداد لها في غايتها فوظيفتها، ذلك الإنسان، الكائن البشري، الذي يستقي ويصدر في تصرفاته وافعاله وأقواله من ينبوع النبوة، وإن صعد الوحي إلا أن أريجه لم يزل في ذلك الامتداد، امتداد الامامة.

عرف عادة المذهب الامامي الاثنا عشري، الشيعي، في اوساط المذهب والمذاهب الاربعة الأخرى بالمذهب الجعفري، لتأريخية معينة تعلل التسمية وإطلاقها، فكما هو معروف في فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع أن التشكلات التاريخية وراءها احداث معينة، وطيات نفسية بيئية سياسية تفرضها مرحلة معينة في نمط ذيوع الفكرة. فبعد انبلاج جامعة الكوفة على يد الامام الصادق بما تناولته من آفاق الشريعة بكل ارتباطاتها بالحياة، صدر عنها رجالات، من خيرة المفكرين وصفوة الفلاسفة وجهابذة العلماء. بل أن ما رسخته بلا تعدٍ على الحقيقة بلورت للفكر الإنساني حلول مشاكله على مرِّ الاجيال، حتى صنف الحافظ ابو العباس بن عقدة كتاباً جمع فيه رجال الصادق ورواة حديثه وأنهاهم إلى أربعة آلاف. فتلامذة الامام جعفر الصادق كتبوا عنه (400 مصنف) سميت بالاصول الاربعمائة، ثم جمعت في اربعة كتب، وهي الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق، والاستبصار والتهذيب للشيخ الطوسي، وهذه الكتب من اهم المراجع لمعرفة احاديث الامام عند الامامية، تثبت من ذلك كما هو في منطق اللغة، والاطلاق، تثبيت التسمية بالتغليب، وهذا التغليب يأخذ مناحٍ عدَّة لكثرة العدد لاجزاء معينة أو لضخامة موقف، أو لاكتناز حاله دون أخرى أو ظروف أخرى.

فخروج اربعة آلاف راو من تحت منبر الامام وانتشارهم، كل يشير في وسطه إلى أن فلاناً يذهب بمذهب الصادق تميزاً له عما يذهب اليه آخر.. وآخر هذا يذهب لابي حنيفة وهذا لمالك مثلاً. فالبداية تشكلت من عامل التميز سيما أن الذهاب بما طرحه ابو حنيفة والآخرون وتناول اسمائهم، دخلت فيه ظروف سياسية فرضتها المرحلة وقتذاك.

عادة الصخب السياسي لكونه من الاهمية بمكان يجعله ذا وجدان في الشعور الشعبي ترقباً وتفاعلاً واعتناقاً، وتكرار ذلك رسخ الامر وبدأت النخبة توجهه، سيما المفكرون الذين صدروا عن الامام واجيالهم اللاحقة حينما كانوا يأخذون من الاصول الاربعمائة التي خرجت عن الامام مع انهم (عليهم السلام) كانوا إثني عشر لكن كلامهم واحد، إلا أن الأمر عاش حالة الارتكاز الذهني وتأطر بها إنطلاقاً من نظرية القرن الأكيد في التثبيت.

إن المنطلقات التي تصدر من لسان الامام الصادق وفعله لا تأتي بما قد تؤمي اليه الالفاظ حينما يَسِمَهُ العلماء بانه عبقري عصره، في انه مفكر انعزل لعقله ووضع الاسس بشرياً كما هو عن العقل البشري غير المسترشد بالاصول الإسلامية وانما هو كما سلف عن المقدمة في أن الامام كانت حركته في اطار السلسلة الذهبية للامامة، وامتدادها للنبوة فكما يقول .

نحن لا نقول: قال فلان وفلان.

وانما نقول:

قال الله ورسوله: إن حديثي حديث ابي، وحديث ابي حديث جدي، وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث امير المؤمنين حديث رسول الله ، وحديث رسول الله هو قول الله).

وهذا ليس إدعاء مجرد... فالرسول أقرَّ هذا المنطلق والقرآن قبله في آية التطهير.

﴿إنما يُريدُ الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيراً

وفي جعلهم صنواً للقرآن وثقلاً يضاهيه سيما انه يحتاج إلى استنطاق وهم ناطقوه صلوات الله عليهم (تركت فيكم الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي).

والافاق التي نصفها إبداعية. جاءت من امتلاكها صوراً للحضارة وعلاجات مفاهيم الحياة بكل قنواته من الحرية والعدالة. الحقوق والواجبات. فلسفات، علم النفس، الاجتماع، والسلطة وفلسفة الكون وخالقه، حتى المنهج وآفاق لا يبلغها المدى.. تعجز في احصائها. كلُّها تمثل جسوراً مفضية في طرفها الثاني للحقيقة.

يقول : (أن لكلامنا حقيقة، وأن عليه لنوراً، فما لا حقيقة له ولا نور فذلك قول الشيطان..)

إن المجتلي لكلام الصادق يجد في كل كلمة له تناولاً لقناة من اخاديد الحياة، وتوجيها لهذا القحط المعرفي القيمي لفاقديه التي تعانيه الارض في اضطراب مفكريها، وقد يستطيع الباحث لما حوته كلمات الامام من كليات تتناول تفريعات جزئياتها تأطرها الواقع تحتاج إلى الانزال (انزال الكليات) احكامها الكبرى كما يعرف منطقياً على مصاديقها إلى مؤلفات واطروحات.

وعلى أي حال فان مدرسة الامام الصادق، كانت مصدراً للعالم وينبوعاً يفيض على الأمة بالعلوم والمعارف الاسلامية، وقد أغدقت على العالم الإسلامي خدماتها الجليلة، في بثِّ التعاليم القيمية في عصر ازدهر فيه العلم، واقبل المسلمون على انتهاله.

أما الافاق المعرفية والنظم والفلسفات بالمعنى الاول في حقائق الاحكام وفلسفة الصالح والفاسد والفعل الإنساني عموماً.. فيمكن الاصغاء بصراً ساعة واحدة لمتون الموسوعات الروائية للمذهب الجعفري وانما سمي بالمذهب الجعفري تميزا له عن المذاهب الاخرى التي عاصرها الامام والا هو فرع من الشجرة العلومية والمدرسة الفكرية المعروفة بـ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام). نجد انها اسست لمدرسة متكاملة في الفروع والاصول نهلت منها كل المذاهب الاخرى بدون استثناء.