ألبوم الصور
دلال الجارودي
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3286098
شرطة المجتمع
منصور القطري - 19 / 8 / 2004م - 3:20 م


نقل عن أحد العلماء الصالحين استغرابه حينما أخبر عن سارق سطا على أحد المنازل قرب الفجر متسائلاّ، متى أنهى صلاة الليل حتى وسعه الوقت للسرقة ؟ هكذا الطبيعة الخيرة للناس في مجتمعاتنا العربية التي تعيش حالة من حسن الظن الذي لا يتناسب مع حوادث الجريمة التي تقترف على يد بعض الجماعات الخارجة على القانون؟

فالسرقات النهارية والسرقات أثناء الاجازات وعلى الأخص في فصل الصيف أصبحت حديث البيوت والمجالس وسواء كتبنا عنها أم لم نكتب فهي تشكل هاجس الجميع لأنها ترتبط بالشعور بالأمن.

والسرقات ليست الجريمة الوحيدة لكنها تمثل النسبة الأكبر في أجمالي الحوادث الجنائية إلى جانب الحوادث الأخرى كتعاطي المسكرات وحوادث الاعتداء والحوادث الأخلاقية ؟ وإذا كانت جرائم السرقات تزداد وبشكل ملفت للنظر فهل أصبحت السرقات النهارية ظاهرة ؟ وإذا كان الجواب بنعم! ما سبب تلك السرقات ؟ ومن المسؤول عن حدوث تلك السرقات .. عدم كفاءة رجال الأمن ؟ أم احجام المجتمع في تقديم المساعدة؟ ولماذا تتم عمليات السرقة بنجاح في كل المرات ؟ وهل الجريمة في أطراد وزيادة ؟ وهل وصلنا إلى مستوى الجريمة المنظمة ؟

هناك في الحقيقة أجوبة مستقرة في أذهان الناس وقد تكون مريحة للنفوس لأنها لا ترغب في الاجتهاد ولا في تفكيك الظاهرة أو البحث عن آفاق عالمية جديدة للحد من ظاهرة الجريمة ؟..

في البداية نقول :إن الشعور بالأمن هو أهم شعور يربط الإنسان بوطنه وبواقعه وبأهله وعائلته ومجتمعه.. هذا الشعور يجب أن لا يهتز أو أن يتآكل وسط ركام المشاعر التي تتسرب عبر المبالغات والإشاعات، دون التركيز على الأسباب الموضوعية والبحث عن بدائل ممكنة للحد من الجريمة تحت شعار (بدلاَ من لعن الظلام أشعل شمعة). إننا عندما نتفحص طبيعة تركيبة مجتمعاتنا العربية سوف نرصد حقيقة هامة وهي أن حالة الأمن تتمثل في الامتداد الطبيعي للبنية الدينية التي ترتكز عليها الأسرة العربية المسلمة والمتمسكة بقيمها الإسلامية والتي تنعكس بدورها على طبيعة الناس بعيداَ عن كفاءة أجهزة الأمن في وطننا العربي ؟.

فغالباَ ما ينظر الإنسان للآخرين من خلال ذاته، وصاحب الذات الطيبة والنوايا السليمة يتبادر إلى ذهنه غالباَ حسن الظن بالآخرين، لكن هذه السمات الخيرة والخصائص المناقبية في بناء الأسرة العربية هل يمكن توظيفها لخدمة الأمن في المجتمع كما فعلت وتفعل مجتمعات الشعوب الأخرى ؟..

 بداية الفكرة

العديد من المجتمعات في العالم عندما تمر بأزمة معينة أو بحوادث معينة تكون تلك المشكلات والحوادث بداية محفزة لانبثاق خطوات ومشاريع عمل ؟ على سبيل المثال حادثة « كيتي جينوفيس » وهي امرأة كانت عائدة من العمل إلى منزلها الساعة الثالثة صباحاَ من شهر مارس عام 1964 م في أحد أحياء نيويورك التي لم تنتشر فيها الجريمة، وأثناء سيرها في حديقة تطل عليها عدة عمارات ومنازل هجم عليها مجرم سفاح، وبدأ يطعنها ولكنها قاومت ببسالة وأخذت تصرخ وتستغيث مما جعله يختفي ولم يذهب بعيداَ بل كان ينتظر هل سيأتي أحد لمساعدتها؟ لم يحدث شيء فعاود هجومه الشرس وطعنها عدة طعنات واعتدى عليها، وقد استغرقت العملية نصف ساعة تماماَ منذ بداية الهجوم، ولم يتدخل أو يقدم أحد أي نوع من المساعدة، ولم يطلب أي أحد الشرطة بالهاتف؟ لقد اتضحت هذه المعلومات من التحقيقات مع الجيران في اليوم التالي، إذ ان ( 38 شخصاَ ) أقروا بالمشاهدة وسماع استغاثة المرأة؟ ما يعنينا من القصة: لماذا تأخرت المساعدة إلى هذا الحد؟ قد لا يتريث البعض في الإجابة على السؤال ويصدر أحكاماَ جاهزة بأن عدم المساعدة يرتبط بالمجتمعات الغربية فقط؟ إننا في هذه الوقفة التأملية وفي هذه السطور لسنا بصدد عقد مقارنة بين المجتمعات، بل نجهد أنفسنا لفهم الظاهرة واستخلاص بعض النتائج، خصوصاَ وأن هناك جريمة مماثلة حدثت في مصر ويعرفها أغلب الشعب المصري، وهي حادثة «فتاة العتبة» حيث تمت عملية اغتصاب فتاة على سلم الأتوبيس بميدان العتبة، وقد تمت العملية بالتمام والكمال حتى النهاية أمام أعين جميع الناس ولم يتقدم أحد لإنقاذها؟! المهم أن حادثة وفاة «كيتي جنوفيس» حفزت علماء السلوك في المجتمع الأمريكي على دراسة علم جديد (سلوك المساعدة) helping behavior كنتيجة مباشرة لصدمة (أخلاقية ـ اجتماعية) بينما الحوادث تقع على بعض المجتمعات وتمر مرور الكرام وقد يكون لها رد فعل مؤقت ينتهي بانتهاء الحدث.

 إشراك المجتمع المحلي في مكافحة الجريمة

شعر علماء السلوك في الغرب أن قيام الشرطة بالعمل الأمني بمفردها ليس كافياً، ولابد من التفكير في طريقة لإشراك المواطن في مكافحة الجريمة وذلك عن طريق الاقتراب من المواطن وإدخال المجتمع في عملية حفظ الأمن والشراكة بين الشرطة والمجتمع، بحيث تعيش الشرطة داخل المجتمع ومع المواطنين ويكون عملها من قبيل المبادرة في التحرك نحو الأحداث المتوقعة، وليس الانتظار برد الفعل كما هو حال الشرطة التقليدية؟! وجهة نظر علماء السلوك أن ( شرطة المجتمع ) لا يجب أن تهتم بكل المشاكل التي تواجه الشرطة، كالجريمة المنظمة والجرائم الكبيرة، وإنما تركز على الشارع والجيرة في المنطقة ومشاكلها، فقد كان الهدف إحداث تغيير وانقلاب نحو ثقافة شرطية جديدة بحيث تتخذ برنامجاَ يسعى إلى تغيير مجهودات الشرطة من رد الفعل على الحوادث الطارئة إلى المبادرة لمنع الجريمة.

 أدب المساكنة والجوار

أثبتت العديد من الدراسات أن الجريمة هي نشاط قريب من مكان السكن، وأن نسبة عالية من الجريمة المختلفة ترتكب على بعد ( 4 ) كيلو مترات من مكان سكن مرتكب الجريمة أو على مسافة أقل من ذلك،كما ذهبت بعض الدراسات إلى أن ( 70% ) من معظم الجرائم المرتكبة والتي نتج عنها قبض ارتكبت بواسطة ساكني نفس المنطقة؟ يقصد من الحديث السابق أن الجريمة محلية في الغالب وعليه "فشرطة المجتمع" يجب عليها أن تعمل وسط التجمعات الصغيرة وضمن المجتمع المحلي، لذلك فإن دورها متقدم آي قبل وقوع الجريمة وليس الانتظار حتى تقع، ويتم ذلك من خلال المسؤولية وسط الحي وعبر الاتصال والتواصل مع قيادات المجتمع المحلي، ويمكن أن تقوم هذه التشكيلات بأعمال كزيادة إضاءة الطرقات وتحسين مواقف السيارات.

نحن نقول في هذه السطور أن الفرد في مجتمعنا يقف على أرضية صلبة من القيم المحرضة على الفعل ويتكئ على مرجعية دينية وأخلاقية، تقدح في كيانه سلوك تحمل المسؤولية وإصلاح كل معوج من المجتمع، النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة تستهجن مواقف التفرج وتتدرج في عدم إعفاء المسلم من المسؤولية بدءاَ من اللوم ثم التقريع وصولاَ إلى إنذاره بالعقاب « من لم يهتم بـأمور المسلمين فليس منهم ». والأحاديث الدالة على وجوب الاهتمام (بالجار) متداولة في ثقافتنا اليومية «مازال جبريل  يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». «ليس من المؤمنين الذي يشبع وجاره جائع إلى جنبه». «من مات وله جيران ثلاثة كلهم راضون عنه غفر له» . «من كف أذاه عن جاره أقال الله عثرته يوم القيامة».

إن المثل الحي في روحانية الإنسان مع الله وربط ذلك الشعور بحب الناس من خلال حبه سبحانه وتعالى تقدمه فاطمة الزهراء عليها السلام حين أطلقت شعارا هاما يجسد ذلك التوازن «الجار قبل الدار» ولعل البعض يكرر تلك المقولة دون العلم بمن قالها ؟ انها فاطمة بنت محمد التي قدمت القدوة في التوازن بين العبادات والمعاملات وقد توارثها الجيل العربي/ المسلم واستقرت في اللاوعي الجماعي حتى نقل عن أم المؤمنين (عائشة) «ما رأيت أعبد في هذه الأمة من فاطمة».

كما حدد أهل العلم أن حقوق الجار تدور في مرتكزات ثلاثة:«كف الأذى.. الإحسان إليه.. الصبر على اذاه » وتأسيساً على ذلك نقول: إن بامكان مجتمعنا أن يبدع ويبتكر وسائل متنوعة لحماية الناس من مختلف الجرائم بناءَ على تلك الخصوصية. كل الشعوب تنتج وتتألق لتشارك في الفعل الحضاري من خلال خصوصيتها، فجذور ومنابع الكفاءة الإنتاجية اليابانية مثلاَ انبثقت من الخصائص الديموغرافية والجغرافية بالجماعية والمشاركة. ان زراعة الأرز كغذاء رئيس لليابانيين قد تطلب بناء وصيانة نظام ري يحتاج إلى أيد عاملة كثيرة، ولذلك فان زراعة وحصاد الأرز لا يمكن مطلقاَ أن تتم بكفاءة، إلا بتعاون ما يزيد على عشرين فرداَ أو أكثر ولا تستطيع الأسرة الواحدة منفردة إنتاج كفايتها،وهذا ما أدى بالثقافة اليابانية إلى اعتبار العمل المشترك قيمة، وهدفاَ وعزماَ وعادة تمسك بها اليابانيون منذ آلاف السنين ليتحقق لهم البقاء على قيد الحياة. والسؤال لماذا ازدادت الكفاءة والإنتاجية لديهم بنسبة (440%) مقارنة بأمريكا خلال السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية ؟ أنها قيمة العمل الجماعي المشترك, ولنا في مجتمعنا العربي الأولوية فيما يخص أدب المساكنة والجيرة في أن نبدع شيئاَ ما أو نقدم نموذجاَ ما للإنسانية حتى لا نعيش على هامش الفعل الحضاري.