ألبوم الصور
تشييع الفقيد العلامة المرهون
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3285639
الشباب والتحول الثقافي
واحة القطيف - 15 / 7 / 2004م - 7:30 ص


آثار التحول الثقافي :

أخذت ثقافات الدول تتحول بسرعة في عالم اليوم ، وكذلك تتغير المباني العلمية والبرامج التربوية دائماً ، ويقدم العلماء كل يوم نظريات جديدة في مواضيع مختلفة للعالم ، وكل نظرية ، صحيحة كانت أم خاطئة ، تترك آثاراً على أفكار الناس . والتحول الثقافي غيّر جميع شؤون حياة الإنسان ، فردياً واجتماعياً ، وبدل أخلاق الشعوب وسلوكها ، كما أنه أضعف العقيدة الدينية في باطن الأشخاص ، وزعزع المبادئ الأخلاقية الثابتة ، وقلل من أهمية التقوى والطهر . وأدى هذا التحول إلى اختلاف معايير الفضيلة والرذيلة ، وفقدت الآداب والسنن الإجتماعية أهميتها ، وفي بعض المواضع حلت أعراف جديدة مكانها .

واختلط الصحيح والخطأ في الثقافة الجديدة ، فإلى جانب التعاليم الصحيحة والمفيدة وجدت تعاليم خاطئة ومضرة ، وعلى اثر التعاليم السيئة فقد تعقّد الصواب والخطأ يوماً بعد آخر ، وأصبح من الصعب التمييز بين الخير والشر ، كما ازدادت حيرة الناس في معرفة المباح والمحرّم.

فالأطفال ينشأون في العائلة طبقاً لمعتقدات الوالدين والسنن والآداب والإجتماعية . وعلى هذا الأساس تثبت أعمدة شخصياتهم ، ولكنهم عندما يصلون سن الشباب ، ويدخلون المجتمع ، ويواجهون التعاليم المخالفة لتربيتهم في عهد الطفولة ، يصابون بالقلق ، ونتيجة التضاد الداخلي والاضطراب الفكري تتزعزع شخصياتهم .

اهتزاز الشخصية :

« يقول جان ديوي : يرزح الإنسان اليوم تحت تأثير عوامل كثيرة كل منها يترك في ذهنه أثراً يدفعه إلى التفكير . ومن الطبيعي أن أثر المبادئ الدينية والصحف والمجلات ومراكز التعليم والمدارس والجامعات ومعاشرة الناس ، ليس متساوياً . وفي الوقت نفسه فإن لكل شخص مبادئ تعليمية وتربوية مختلفة ، وهناك اختلاف شديد بين العادات ، كما أن أعمدة الشخصية مهتزة وغير ثابتة ، والمبادئ الأخلاقية ضعيفة والتصرفات غير مطمئنة ».

« يقول صموئيل كينغ : إن المجتمع المتحضر اليوم متناقض جداً ومعقد ، ويفرط خاصة في توقع الأفضل من الأفراد . ويشاهد غالباً أن هناك اختلافاً كبيراً بين تربية البيت والمسجد ، أو الكنيسة والمدرسة وبين التعليم الذي يتوقعه المجتمع ».

ضياع الشباب :

« يقول الدكتور هاريس: تطرح الحياة خارج محيط المنزل والمدرسة ، ( أي في صالات السينما والمحافل ، ومواضيع الكتب والمجلات والتلفزيون ) ، أمام الشباب مواضيع ليس لها ذكر في البيت والمدرسة والمراكز الدينية ، أو هي مواضيع مخالفة لمواضيع هذه الأماكن ، ولذا فإن الشباب ، الذين لم ينضجوا عقلياً بموازاة النمو الجسمي ، يصابون بالضياع ولا يستطيعون أيجاد انسجام بين أحاسيسهم وحقائق المجتمع ».

لقد اُصيب إنسان اليوم ، نتيجة التحول الثقافي ، باضطراب نفسي وتناقض فكري لدرجة أن البعض قد تعرض لأمراض نفسية . إن ثقافة اليوم قد ألحقت أضراراً بالمبادئ الإيمانية والأخلاقية ، التي هي نقطة ارتكاز النفس ، والمقر الأساسي لهدوء الضمير ، وسلبت راحة الفكر من الناس . إن الكثير من الأشخاص تأثروا تأثيراً كبيراً بالمواضيع المتناقضة للثقافة الجديدة لدرجة أنهم أخذوا ينظرون إلى جميع القضايا الدينية والعلمية والأخلاقية الأساسية نظرة شك وتردد فيها الكثير من سوء الظن أدت بهم إلى الضياع والحيرة وجعلت في داخلهم صراعاً دائماً مع النفس في اتخاذ أي قرار ، وفي انسجامهم مع الظروف المحيطة .

عجز في مواجهة التغييرات :

« إن التغييرات السريعة في الثقافات أوجدت أفكاراً جديدة ، وقد أدى هذا الوضع الفوضوي بالكثير من الأشخاص الى الحيرة والضياع وتعذبت نفوسهم نتيجة عدم استطاعتهم إشباع رغباتهم والانسجام مع المقتضيات الإجتماعية ، ولهذا السبب فمن المحتمل أن يصاب مثل هؤلاء الأشخاص بمختلف أنواع الأمراض والعقد النفسية ، التي تؤدي بهم إلى الانتحار ، أو الانخراط في زمرة المجرمين .

يذكر ( بلوك ) في كتابه ( الاختلال الفردي والاجتماعي ) أن الأشخاص عندما يواجهون تغييرات اجتماعية عميقة غير متوقعة ، ويعجزون عن الانسجام مع هذه التغييرات يحتمل أن يسلكوا خمس طرق :

  1 ـ الانسجام مع الآداب والتقاليد الجديدة .
  2 ـ إيجاد طريقة أخلاقية خاصة والسعي لكي يقبل المجتمع ذلك .
  3 ـ  سلوك الأساليب غير الاجتماعية كالجريمة والتمرد على النظام الموجود والهجوم عليه .
  4 ـ الابتعاد عن المجتمع والابتلاء بالأمراض النفسية المختلفة .
  5 ـ  سلوك طريق الانتحار ، هرباً من الحياة .

اختلاف الآراء لدى الشيوخ والشباب :

إن التحول السريع للثقافة في عصرنا ترك أثراً عميقاً في المجتمعات البشرية وأحدث تغييرات في مختلف مجالات العقائد والآراء لجميع الطبقات . والتحول الثقافي غيّر كيفية تفكير الناس في الكثير من القضايا الدينية والعلمية والأخلاقية والاجتماعية والتعليمية والتربوية ، والقضايا النظرية والعملية الاخرى ، ونتيجة لذلك ظهر اختلاف في وجهات النظر ، وتناقض في التفكير لدى الكثير من الشبان والكبار في العائلات والمجتمعات .
من الملاحظ أن هناك فوارق بين الناس في كسب العلم واستيعابه كما تختلف مستوياتهم العلمية ، ولهذا السبب تختلف أيضاً وجهات النظر بين الشيوخ والشباب في العائلات ، وإن نقاشهم وبحثهم يتناسب والمستوى العلمي والثقافي لكل عائلة .

العائلات المتعلمة :

ففي العائلات التي يكون الشيوخ فيها أو على الأقل كبير العائلة يكون متعلماً ، والشباب فيها مثقفون ، إذا حصل اختلاف في الرأي بينهم في بعض القضايا ، فمن الممكن حله بالبحث والتفاهم ، وإذا كانت الاختلافات عميقة ومبدئية ولا يمكن حلها بالطريقة السابقة فإنهم يقطعون النقاش ويبقى كل واحد منهم على رأيه ، والحقيقة أنه من النادر أن يحدث في مثل هذه العائلات اختلافات علمية ونظرية تؤدي إلى العداء والخصومة وتوتر أجواء البيت لدرجة وقوع جرائم .

العائلات الأمية :

أما اختلافات الشيوخ والشباب في العائلات الاُمية فليس هناك أي أساس علمي لذلك وإنما يعود معظمه إلى الانحرافات الأخلاقية لدى الفتيان والفتيات فشباب هذه العائلات لم يحصلوا على القدر الكافي من العلوم ولم يدخلوا المدارس لاكتساب العلم ، ولم يستفيدوا مما دونه العلماء في كتبهم ليرتفع مستوى تفكيرهم ، وهم اُميون كآبائهم واُمهاتهم . ولكن مشاهدة الأفلام المنحطة والجنائية التي هي من مظاهر الثقافة الجديدة ، وكذلك المعاشرات الفاسدة ، ومشاهدة المناظر الضالة ، استطاعت أن تترك أثراً على أخلاق وتصرفات بعض هؤلاء ، فدفعت بهم نحو الفساد والشر ، وشرب الخمر والمقامرة ، والسرقة والجريمة ، وبقية الممارسات الضارة .

للأسف أن الإنسان يتعلم الرذائل بسهولة أكثر من اكتسابه الفضائل وتعلمه للشر أسرع من تعلمه للخير . ومن الصعب جداً بلوغ العدالة والإنصاف والتخلق بالعفة وكف النفس عن الخبائث ، وغيرها من السجايا الإنسانية ، لكن من السهل جداً تعلم الظلم والاستبداد ، والفساد واللامبالاة ، وغيرها من الرذائل الأخلاقية .  قال الإمام علي عليه السلام : « ما أصعب اكتساب الفضائل وأيسر إتلافها ».

الشباب المتعلم والشيوخ الاميون :

إن المشكلة الكبرى هي في العائلات التي يكون كبارها قد حرموا من التعليم في مرحلة الطفولة لعدم وجود مدرسة أو معلم أو لأي سبب آخر وبقوا اُميين ، ولكن أبناءهم الشباب درجوا في مدارج العلم نتيجة وجود الظروف التعلمية ، ودخلوا المدارس منذ الصغر . في مثل هذه العائلات ولاختلاف المستوى العلمي والثقافي ، توجد خلافات كثيرة بين الشباب والشيوخ في الكثير من القضايا ، وهذا ما يدفعهم للمواجهة.

فالشباب المثقف فضلاً عن أنهم لا يعيرون أهمية لآراء الكبار ولا يتبعون أفكارهم ، وإنما عندما يشاهدون شيئاً يستوجب اختلاف الرأي يفتحون أفواههم بالانتقاد ويرفضون اسلوب آبائهم واسلوب الكبار ويعتبرونه خاطئاً مما يدفع بالكبار لاتخاذ موقف دفاعي عن آرائهم من خلال البحث والنقاش الذي قد يؤدي في بعض الأحيان إلى النزاع ، وإذا تطور يصل الجدال إلى قطع العلاقات العائلية ، فينفصل الأبناء عن الآباء ، والنساء عن الأزواج ، فتتدمر العائلات وتتشتت .

الرسول الأكرم وجيل الشباب :

لقد بعث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة ، وطبقاً لأمر الله تبارك وتعالى أعلن معارضته للشرك وعبادة الأوثان ، ولقد واجه في هذا الطريق مقاومة شديدة من قبل الشيوخ المتعصبين والمحافظين ، وتصدوا له من كل جانب ، ولكن الشبان ذوي الفطرة السليمة والطبيعة الحرة ، كانوا يستمعون بشوق لكلماته الإلهية ، ونتيجة للفكر والتدبر توصلوا إلىالحقيقة ، وأقبلوا بإخلاص على الدين الإسلامي ، ورغبوا عن ديانة آبائهم نحو عبادة الواحد الأحد رغم أنوف آبائهم . وهذا الأمر أدى إلى إيجاد انشقاق واختلاف وإحداث فجوة في جبهة المشركين .

إن اندفاع الجيل الجديد ، في ذلك العهد ، إلى دعوة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ، بشكل متزايد ، جعل الشيوخ يغضبون بشدة ويظهرون اعتراضهم في المحافل ، ويبدون قلقهم . وقد وصف المشركون إسلام الشباب بالفساد ، ووردت هذه الأوصاف على ألسنتهم لدى بث شكواهم على الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم . وقد قال ( عتبة ) أحد أشراف مكة لأسعد بن زرارة :
 ـ خرج فينا رجل يدعي أنه رسول الله سفه أحلامنا وسب آلهتنا وأفسد شبّاننا وفرق جماعتنا.

ونهض الشبان المتحمسون المؤمنون ووقفوا بوجه الرجال والشيوخ المتعصبين ، في سبيل نشر التوحيد والعلوم الإسلامية ، ولذا نشطوا في محيط العائلات والمجتمع ، وهدفهم زعزعة أساس عبادة الأوثان ، وإزالة سنة الشرك الحمقاء من المحيط الاجتماعي ، وإنقاد أفكار كبار السن من الجهل ، وإزالة هذا العار من المجتمع ، ومن ثم الوصول إلى الهدف وتحرير المحيط الاجتماعي في الجزيزة العربية من أسر عبادة الأوثان .

لقد نهض النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم لمعارضة سنة عبادة الأوثان التي كانت من أكبر وأهم الآداب والتقاليد الاجتماعية في الجزيزة العربية ، وواصل جهاده بالتعاون مع الشبان المؤمنين حتى بلغ مرحلة الانتصار ، فلقد تمكن قائد الإسلام العظيم النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أن يحطم 360 صنماً كانت موجودة داخل الكعبة المكرمة ، وكذلك الأصنام الموجودة في سائر المدن والقرى آنذاك ، فأزال عادة عبادة الأوثان الجاهلية من المحيط الاجتماعي ، وأنقذ الناس من هذه العقيدة الخرافية .

طريقة انتقال المعلومات :

في عصرنا الحاضر تنتقل معلومات الجيل السابق ، التي هي ميراث اجتماعي ، عن طريقين إلى الجيل اللاحق ، أحدهما غير مباشر من خلال التعايش الاجتماعي ، والآخر بصورة مباشرة في المراكز التعليمية أو بعبارة اخرى إن إنسان اليوم يجب أن يتلقى العلم من مدرستين : الأولى ، مدرسة المجتمع والثانية مركز التعليم ، ففي المجتمع وبتقليد أعمال الكبار وبالتعاون معهم يحصل على تجارب ومعلومات ، وفي مركز التعليم وبالاستماع إلى دروس العلم ومطالعة كتب الأساتذة يتعرف على أفكار العلماء فيزيد بذلك من معلوماته ، وهاتان المدرستان لهما تأثير في ازدهار العقل وتنمية الفكر .  قال الإمام علي عليه السلام : « العقل غريزة تزيد بالعلم والتجارب ».

التقليد والاقتباس :

لا يظهر أي خلاف أو تناقض بين الجيلين القديم والجديد طالما أن الشباب يأخذون معلوماتهم عن طريق التقليد الإقتباس من كبار السن ويتخذون من عقائدهم وآرائه وآدابهم وتقاليدهم وأعمالهم قدوة لأنفسهم ، وذلك لتماثل سلوك الجيلين واسلوب تفكيرهما ؛ ولا زالت هذه الطريقة موجودة في بعض العائلات والقرى وفي المدن التي يفتقر شبانها للتعليم المدرسي ، ولذا فإن التنسيق والتوافق من حيث العقيدة والرأي والسنن والتقاليد بين الأبناء والوالدين يكون قائماً . ولكن منذ أن توجه الشباب إلى مراكز التعليم ، وبدأُوا بالدراسة ومطالعة الكتب العلمية ، وحل التحقيق والدراسة في الكثير من المواضيع ، محل الاقتباس والتقليد ، فإن اختلاف وجهات النظر بدأ بالظهور تدريجياً ، كما ازداد البحث والانتقاد مع ازدياد التعليم .

« يتلقى الناس معظم معلوماتهم من خلال الدروس الرسمية والعامة ، ولهذا فإنهم يهتمون بهذه المعلومات ، ولكنهم يحصلون على قسم آخر من معلوماتهم من خلال حياتهم اليومية ونتيجة احتكاكهم بالآخرين ، ولذا فإنهم لا يلحظون كيفيتها ، وعليه فإنه كلما اتسع نطاق التربية والتعليم الرسميين ازداد تعارض هذه النوعين من المعلومات ( الإرادية واللاإرادية ) ، فيحظى حل هذا التعارض بأهمية أكبر ».

إن الآباء والأمهات الذين لم يحصلوا على تعليم مدرسي ، تنحصر معلوماتهم نتيجة تجاربهم الحياتية التي اكتسبوها بصورة غير مباشرة من الكبار ، وما تعلموه من المجتمع ، ولعلمهم أن مقدار هذه المعلومات لا يكفي لتلبية حاجات عالم اليوم فإنهم يبعثون بأبنائهم منذ الصغر إلى المدارس ليكسبوا علماً يمكنهم من خلاله رسم حياتهم المستقبيلة الملائمة لظروف الحياة الجديدة .

بداية الاختلاف :

يذهب الأطفال إلى المدرسة ، ويحصلون طوال سنوات على معلومات مختلفة تترك بالتدريج آثاراً على أفكارهم ، وتتسع قوة استدلالهم ويزداد مستوى إدراكهم . وعندما يصلون سن الشباب ويستيقظ فيهم حس البحث والتحقيق ، عندها يرون أن قسماً من آراء وعقائد الكبار ، وكذلك جزءاً من الآداب والتقاليد الموجودة في العائلة والمجتمع لا تنسجم مع ما تعلموه في المدرسة ، أو يبدو لهم ذلك ، وكلما استمروا في دراساتهم فإن مواضع الاختلاف تزداد .  إن هذا ( التضاد ) الفكري ، يدفع بالشبان المثقفين أن يطرحوا مطالبهم أمام الوالدين والكبار ، وأن يناقشوهم ، وينتقدوا أفكارهم وأعمالهم ، لكي يثبتوا وجودهم ويظهروا كفاءاتهم عن هذا الطريق .

الشباب والمشاعر الانسانية :

بالإضافة إلى التعليم والدراسات العلمية ، فإن المشاعر الإنسانية والرغبات النفسية للشباب هي أيضاً مصدر لاختلافاتهم مع الكبار . فللشباب نفوس طاهرة ونظيفة ، وهؤلاء الذين دخلوا الحياة الإجتماعية حديثاً ، ولم تتعرض فطرتهم الإنسانية وضمائرهم وأخلاقهم لأية صدمة من مظالم المجتمع ، يعشقون بطبيعتهم الحقيقة والفضيلة ويريدون العيش في محيط خالٍ من الظلم والاستبداد ، ولكنهم يرون عكس هذه الخصال في الكبار ذوي الأخلاق السيئة إذ يعتدون على حقوق الآخرين ويحامون عن بعض المعتدين ، والبعض الآخر منهم يتحكمون بالضعفاء ، بالإضافة إلى وقوف البعض من ذلك موقف المتفرج . إن الشباب يشهد ظواهر الظلم والجور والعنف والقسوة وتضييع حقوق الضعفاء أمراً شائعاً في المجتمع ، بينما الكبار ألفوا هذه الأعمال وكأنهم لا يدركون قبحها !

إن مشاهدة هذه الأعمال من قبل الشبان المثقفين تدفعهم إلى الغضب والاعتراض وانتقاد أساليب الكبار . وفي مثل هذه المواقف على الكبار أن يقبلوا حديث الشباب ويذعنوا للحق ، ويصلحوا أنفسهم ، ويتركوا الصفات السيئة ، لا أن يقحموا أنفسهم في جدال ونقاش ويردوا على تلك النصائح بعنف دفاعاً عن ممارستهم الخاطئة . إن الشبان المثقفين أيضاً ، ولكي لا يندفعوا كثيراً في انتقادهم ولا يتجاوزوا حدود الحق والمصلحة العامة ، ولا يصبحوا سبباً للخصومة والعداء في العائلة والمجتمع ، يجب عليهم أن يراعوا نقطتين :

الشباب والحقائق المجهولة :

الأولى : يجب أن ينتبهوا أن دراسة عدة سنوات يجب أن لا تؤدي إلى الغرور والتعالي ، ولا يعتقدوا أن جميع الحقائق موجودة في معلوماتهم القليلة ، ولا يعتبروا فكرهم المحدود معياراً لمعرفة الحق والباطل . وليعلموا أن الإنسان مهما كان علمه ودراسته ، فإن الحقائق المجهولة أكثر بكثير مما يعلمه . « يقول أديسون : إننا نعلم فقط نسبة واحد من مليون من 1% من مجموع العلوم . وقد قال نيوتن : إن العلم كخليج أخذت أنا وزملائي عدة حصيات من ساحله الواسع ». وقال الإمام علي عليه السلام : « لا تعادوا ما تجهلون فإن أكثر العلم فيما لا تعرفون ».

المعايير القاصرة :

إن بعض الشباب يخلطون الحق بالباطل في انتقادهم ، وبالإضافة إلى رفضهم لما هو خاطئ فهم يرون بعض القضايا الصحيحة خاطئة ، ولذا يتصورون أن الواقع يكمن في الأشياء التي يعرفونها هم ، أو يقيسون الأشياء بمعايير اليوم القاصرة . فإذا كان هناك شيء غير مقبول بالمعايير الحالية فإنهم يعتبرونه غير صحيح ، ولهذا السبب ينفون بعض المسائل الدينية ، أو على الأقل ينظرون إليها بشك ، ويمتنعون عن أداء الواجبات الإسلامية ، التي هي طريق للسمو الروحي والتكامل المعنوي ، ويطرحون تساؤلاتهم الانتقادية إلى الكبار المؤمنين حول العبادة وأداء الفرائض ، كالصلاة والصوم . وهذه المسألة من المسائل الأساسية لاختلاف الشيوخ والشباب في العائلة والمجتمع . ولكي يتضح هذا الموضوع المهم أكثر ، ويقف الشباب على القيم الإسلامية بصورة أدق ولا يفرطوا في انتقادهم ، فإن المحاضرتين التاليتين ستختصان بموضوع الإيمان بالله تبارك وتعالى ، ومناقشة القضايا الدينية ، بالإضافة إلى بحث في بعض تساؤلات الشباب .

الانتقاد ومراعاة الأدب :

الثانية : عندما تكون انتقادات الشباب صحيحة وبناءة ، ولكي تترك أثراً مفيداً لدى الكبار وتحررهم من المعتقدات الخرافية والتصرفات المذمومة ، يجب مراعاة الأدب والاحترام في الحديث ، والابتعاد عن السخرية والإهانة ، واجتناب اللوم والتوبيخ . باختصار يجب أن يكون الانتقاد بشكل لا يحطم حب الذات والشخصية لدى الكبار ، لأن الانتقاد الممزوج بالإهانة واللوم والتوبيخ لا يترك أي استجابة نافعة بل على العكس يضر الموقف إذ يدفعهم إلى الإصرار والبقاء على ممارساتهم الخاطئة ، ومن ثم يؤدي إلى العداء والخصومة ، ويحول محيط العائلة إلى ساحة شجار وحرب . يقول الإمام علي عليه السلام : « الإفراط في الملامة تشب نيران اللجاج ».

وهذا يعني أن اللوم المتكرر للأشخاص ، لن يدفعهم فقط إلى عدم الكف عن أعمالهم الخاطئة ، بل سيجعلهم يصرون على ممارسة تلك الأعمال .

سر تأثير الكلام :

إن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كان يتصرف برفق لهداية الناس ، ويذكرهم بالتعاليم الإصلاحية بكل أدب ولين ، وهذا العمل بحد ذاته كان من عوامل نفوذ كلامه صلى الله عليه وآله وسلم في قلوب الناس . عن هلال بن الحكم قال : لما قدمت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم علمت اُموراً من اُمور الإسلام ، وكان فيما علمت ، قيل لي : إذا عطست فاحمد الله وإذا عطس العاطس اطلب الرحمة له . فبينا أنا في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذ عطس رجل ، فقلت : يرحمك الله ، فرماني القوم بأبصارهم ، فقلت : ما لكم تنظرون إليّ بعين شزر ، فسبح القوم فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلاته ، قال : من المتكلم ، قالوا : هذا الأعرابي فدعاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال : « إنما الصلاة للقراءة ولذكر الله عز وجل ، وإذا كنت في الصلاة فليكن ذلك حالك » قال فما رأيت معلماً أرفق من رسول الله صلى الله عليه وآله.

بتصرف عن مقالة بعنوان «التحول الثقافي وتناقض الأفكار» للشيخ محمد تقي فلسفي