ألبوم الصور
كورنيش القطيف
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3279291
علي (ع) اسطورة البسالة وملحمة الشهادة
واحة القطيف - 10 / 6 / 2004م - 8:27 ص


صب النبي جل اهتمامه بوليد الكعبة علي بن أبي طالب، وأخذ يتابع بعناية فائقة مراحل وأدوار حياة هذا البطل حتى أن أرباب التاريخ والسير يحدثون أنّ النبي كان يحمله عندما كان طفلاً على صدره ويلقمه الطعام بيده الشريفة ويوجره اللبن، وعندما أصبح ذلك الطفل في دور الصبا كان النبي يحنث على ملة إبراهيم وكذلك كان بنو عبد المطلب وهم أول من سطر بنود حلف (الفضول) لنصرة المظلومين في مكة وأشاعة الفضائل في المجتمع الجاهلي

وكان عمر الرسول وقتئذٍ عشرين عاماً، وعندما صار عمر النبي ثلاثين عاماً ولد علي وكانت فاطمة بنت أسد قد ضربها الطلق وهي في الطواف فدخلت الكعبة فولدته (وهذا ما يذهب إليه جمهور المسلمين) وكان ذلك يوم الجمعة الثالث عشر من رجب سنة ست وثلاثين من عام الفيل، (ويقول الشيخ المفيد في الإرشاد ج1 ص5) ولم يولد قبله ولا بعده مولود في بيت الله تعالى سواه إكراماً له من الله جل اسمه.

وكان النبي يسمي هذه السنة بسنة البركة حيث اقترنت ولادة علي ببدء أمور جديدة عليه ترتبط بمقدمات رسالته ، وقد تربى أمير المؤمنين في حجر الرسول وهذه نعمة لم تتح لأحد من الصحابة. وأنّ هذه القصة معروفة للتخفيف من المسغبة التي أصابت قريش فكفل العباس جعفراً وكفل الرسول علياً فضمه إليه وبعد البعثة الشريفة شوهد علياً وهو صبيٌ على يمين الرسول وخديجة خلفه حتى قال أبو طالب لابنه جعفر صل جناح ابن عمك، وعندما اشتد أذى قريش للرسول قرر الهجرة إلى يثرب وأمر علياً أن يبيت في فراشه، وقال الرسول له : إنّ قريشاً لم يقصدوني ما رأوك، وان يخرج إليه بأهله بعد أن يبلغ مأمنه فقال عليٌ للرسول أو تسلم يا رسول الله؟ قال بلى. قال فاذهب هادياً مهدياً.

إنّ الكمالات في شخصية الإمام أبي الحسن هي لم تكن هبة ربانية مقصورة على العطاء الإلهي وإنّما هي مرحلة من التسامي الأخلاقي والنفسي والفكري والبدني في خطّ مهّده الله تعالى له، أي بمعنى أنّ لأمير المؤمنين مميزات فريدة في شخصيته استطاع أن يعهدها في بودقة إيمانه بالله تعالى فوصل إلى ما وصل إليه في شريف الدرجة ورفعة المنزلة، ولو قلنا إنّ جميع هذه المميزات قد وهبت إليه سيبدو الأمر أن لا فضل لأمير المؤمنين في هذه المناقب المنيفة التي دونها وحفظها الأعداء قبل الأصدقاء حفظها الأعداء ليوجهوا سهام الدعاية للنيل منه . فأنت تلاحظ فقرة مهمة في وداعه للنبي وهو يعلّم أن قريش قد تآمرت على قتل النبي لا محالة، وهذا قرار قد أبرم ووصل إلى مرحلة التنفيذ في ساعة الصفر ولم تبقى إلاّ سويعات على تنفيذ الخطة، ولكنه لا يبالي بماذا سيحدث لنفسه. هكذا عنده الحياة إذا سلمت الرسالة فكل شيء يهون حتى وإن كان هو الهدف، كل ذلك حدث وهو في زهرة شبابه وربيع عمره ونعومة أظفاره فهو الذي فطم حب الدنيا من قلبه ورضع حب الله في ذاته.

لقد كانت الرسالة المحمدية لأمير المؤمنين هي منهجية التضحية والإيثار من أجل إشاعة الحقّ ومحق الظلم والعبودية فهي منهجية داعية إلى الحرية حرية الإنسان من كل التراكمات المادية التي تشد الإنسان نحو التداعي والخضوع. إنّ الثورة المتأججة في ضميره لنصرة الحقّ كان سعيه المتواصل على مر عمره الشريف وخير مثال على ذلك قوله «ما ترك لي الحق من صديق» إنّ الإسلام في نظرته واقع حي يتجسد بالأطروحة النظرية للقرآن الحكيم وسيده سيد المرسلين بمحتواها النظري والعملي بأن تترجم كواقع عملي في إطار دائرة العالم الواقعي، وعليه فإنّه وعى الإسلام حقّ وعاية ورعاه حق رعاية بينما غيره رعوا الإسلام دون وعيه وفهمه، فرعاية بني أمية هي التآمر على الناس وابتزاز أموالهم لتصرف في بناء القصور وشراء الجواري وعلى الملذات بكل أنواعها الرخيصة.

إنّه وعى الإسلام عندما طلق الحياة بكل بهارجها الأخاذة التي تغري الآخرين وتسقطهم في حبائل الشيطان الرجيم وحين خرج عليٌ وهو يصيح في البطاح «إلاّ من كانت له قبل رسول الله أمانة فليحضر مكان كذا وكذا تؤد إليه أمانة»  وحمل الفواطم وهاجر بهن إلى المدينة ظاهراً للعيان غير خائر ولا خائف وقد لحقه ثمانية من فرسان قريش فبارزهم وقتل واحداً منهم وفرّ الباقون، إذن روح التحدي بالحق هي سمة ميزت مسيرته العطرة، حيث لا تأخذه في الله لومة لائم.

أمّا إخلاصه في نصح الخلفاء فهذا مشهور لحد التواتر وأنّ الخليفة الثاني  قال عشرات المرات: "لا عشت لمعضلة لا يكون لها أبو الحسن"، ومناقبه كثر قد لا يستوعبها الاحصاء ولا ينالها الاستقصاء، ولكن خير مثال ختم الرسول حياته معه حيث فاضت روحه ورأسه الشريف في حجر علي ويده اليمنى تحت حنك الرسول . وراحت السياسة الأموية تخطط لإشعال الفتن، وقد تزعمت حملة إعلامية قد انفقت عليها طائلاً من أموال المسلمين، وقد لاقت هذه الحملة أرضا ومرتعاً لها في أرض الشام ولعدة عوامل أهمّها البعد المكاني وتخطيط معاوية على مدى سنين طويلة لحبك هذه اللعبة الخبيثة، وتمّ له ذلك، فانبعث أشقى الأولين والآخرين بأبشع فعلة ليس ضد الإمام فحسب بل ضد نور الحق في عالم الثقلين، ومن إفرازات الفتنة (المروانية ـ الأموية) تأججت حركة الخوارج وكان لعبد الرحمن بن ملجم المرادي السبق له فيها فتآمروا وتقاسموا في الكعبة على قتل وليد الكعبة الشريفة، وهو متجهاً بكل روحه ومشاعره وفرائضه إلى الكعبة الشريفة، وقد نسى هذا الدعي أنّ رسول الله قد أخبر بهذه الواقعة؛ إذ قال للإمام سينبعث أشقى الأولين والآخرين فيخضب هذه من هذه وأشار إلى رأسه ولحيته الشريفتين.

ولم يجفل أبو الحسن من حديث الرسول ولكن توجه بسؤال رسول الله ولم يكن مؤدى سؤاله لماذا؟ وكيف اتقيها؟ بل سؤال واحد محدد ليطمئن أكثر على مصير علاقته مع خالقه سبحانه فقال: وهل أنا على عاقبة من ديني؟ قال رسول الله بلى. قال إذن لا أبالي.

فليست هناك مشكلة عند أبي الحسن المهم الإشكال قد رفع عنه بأنّه ازداد تأكداً من أنّه على عافية من دينه وما سوى ذلك فهو غير مهم، وعندما تقدم ذلك الخائر رافعاً سيف الحقد الجاهلي وهوى على رأسه الشريف وهو في أثناء صلاته، لم يصرخ بكلمة ألم أحسّ بها الجسم ولا كلمة حسرة على ترك الدنيا ولكنه صرخ قائلاً فزتُ ورب الكعبة، نعم فهو ضامن من الفوز؛ لأنّه صادقٌ مع ربه تبارك وتعالى، ومن الجدير بالذكر أنّ هذه العبارة لم يذكرها أحد قبله ولا أحد بعده.