ألبوم الصور
طبخ المعاريس
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3279295
الدعاء عند الإمام علي عليه السلام
د.عباس الصراف - 10 / 6 / 2004م - 8:04 ص


عُرف الدعاء منذ اليوم الأول لتاريخ الإنسان الأول (آدم) عليه السلام، فإنّ آدم هو أوّل من دعا وتضرع إلى الله من أبناء هذه الأرض حيث حكى القرآن قصته المشهورة مع إبليس والتي تنتهي بندامة آدم وحواء وشعورهما بالتقصير، فمن هنا تبدأ المسيرة الدعائية حيث يتجه الزوجان إلى مصدر اللطف والحنو بلسان كلّه ضراعة: ﴿ قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، وهذا أول دعاء يصدر من الأرض إلى السماء.

يجهل البعض آثار الدعاء التربوية والنفسية والاجتماعية، فالإنسان بحاجة أحياناً إلى الملجأ الذي يلوذ به في الشدائد، والدعاء يضيء نور الأمل في نفس الإنسان، فمن يبتعد عن الدعاء يواجه صدمات نفسية عنيفة، وأولئك الذين يصفون الدعاء بأنّه تخديري لم يفهموا معنى الدعاء.

والدعاء عند الإمام علي لا يعني ترك العلل والوسائل الطبيعية واللجوء بدلها إلى الدعاء، فينقل أن إعرابياً أراد أن يشافي ناقته الجرباء بالدعاء، فقال له الإمام: ضع مع الدعاء شيئاً من القَطَران، وبذلك أعطى الإمام  بُعداً آخر للدعاء هو مسؤولية الفرد وعدم ترك الأسباب والمعالجات ومن ثم التوجه للرب لقضاء الحاجة بالدعاء، حيث قال النبي « إنّي لأبغض الرجل فاغراً فاه إلى ربه فيقول ارزقني ويترك الطلب»، ويضرب الإمام علي المثل الأعلى في الاعتماد على النفس في سبيل تحصيل ما يؤمن القوت له ولعياله.. ألم يتمكن أمير المؤمنين وهو المقرب عند الله أن يدعو ربه ليرزقه فيريحه عن العمل والمشاق التي كان يتحملها لتحصيل المال ليصرفه على عياله؟ وفي مقام الدفاع عن النفس والحرب على الكفار ترى النبي يقود المسلمين في حروبهم ويتكبد في كثير منها الخسائر في الأرواح والأموال مع أنّه كان بإمكانه أن يدعو الله ليكفّ عنه وعن المسلمين الأذى والحرب، فينصرهم وهم قابعون في ديارهم.

والدعاء إضافة إلى قدرته في بث الطمأنينة في النفس يؤدي إلى نوع من النشاط الدماغي في الإنسان وإلى نوع من الانشراح والانبساط الباطني وأحياناً إلى تصعيد روح البطولة والشجاعة فيه، والدعاء عند الإمام نوع من العبادة والخضوع والطاعة، والإنسان عن طريق الدعاء يزداد ارتباطاً بالله تعالى، وقد جعل الدعاء وسيلة لمعرفة الخالق ومعرفة صفاته الجمالية والجلالية ووسيلة للتوبة من الذنب ولتطهير الروح وسبباً لأداء الطيبات.

ولنرى صورة الدعاء الجميلة عندما ينادي الإمام في دعاء كميل «فهبني يا إلهي صبرت على عذابك.. فكيف أصبر على فراقك، وهبني صبرت على حر نارك.. فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك» وتجسد صيغة الدعاء هذه الحب المتبادل بين العبد والرب، وهو الذي يغذي الروح ويعلو بالنفس إلى الآفاق السامية، فنرى الإمام الصادق يناجي ربه قائلاً: «إلهي كيف أدعوك وقد عصيتك، وكيف لا أدعوك وقد عرفت حبك في قلبي». هؤلاء هم الذين يعبدون رباً أحبهم وأحبوه لا خوفاً من نار ولا طمعاً في جنة، هذا الحب بين العبد وربه، وهذا التعاطف بينهما يخشى الداعي من عدم حصوله من قبل الله وحرمانه من هذه اللذة عندما يكون طريداً من بابه، ومحكوماً عليه بالنار مع أعدائه، فكيف يصبر على هذا الفراق والبعد عن الله؟

إنّ الإمام يوجه الداعي عبر الدعاء إلى تهذيب نفسه وتوجيهه إلى الله لتسمو بنفسه ليعتذر إلى الله عز وجل فيما صدر منه في الخفاء ويعاهده متضرعاً على أن يكون مثال الفرد المسلم المؤمن الذي لا تختلف حاله في كل الأوقات، فيلجأ المذنب إلى ربه ليجد من لذيذ مناجاته ما ينسيه آلامه النفسية، ويتضرع ويستغفر، وتسيطر عليه هيبة الموقف فيغيب في ذات الله ويستسلم أخيراً إلى غيبوبة حالمة لينتبه ويد اللطف تهدهد آماله، وإذا بنداء السماء يبعث فيه الرجاء: ﴿نبئ عبادي أنّي أنا الغفور الرحيم.

ويعلّم الإمام الداعي أن يطلب من ربه أن يمنحه التوفيق بجعل أوقاته من الليل والنهار معمورة بذكره وأن يواصل خدمة الله في العبادة والتسبيح والخضوع ويطلب القوة لجوارحه للقيام بهذه الخدمة.. وبالتالي فإنّ الإنسان يعد نفسه لكل خير ويجنب نفسه كل شر.
ودعاء الإمام هو دعاء المتيم والعاشق المتذلل والذي يتجسد على الدوام بالانصهار في ذات الله والذهاب إلى أبعد حد في الوله والعشق والشوق إلى الله عز وجل تدليلاً من الداعي بالتوجه الكامل إليه.