ألبوم الصور
الترحيب بالضيوف
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273587
الأحياء الجديدة دمرت مساحات زراعية.. ورفعت أسعار العقارات إلى الضعف
واحة القطيف - « حبيب محمود - صحيفة الشرق » - 11 / 10 / 2012م - 5:40 ص

بين عاميْ 1993 و 2012 قفزت مساحة بلدة القديح العمرانية من 48 هكتاراً إلى أكثر من مائة هكتار. وظهرت أحياء كانت بساتين نخيل وارفة. وتحوّلت مساحات زراعية خضراء إلى مبانٍ إسمنتية متجاورة ومخططة. وعلى الرغم من ذلك لم يُبنَ مشروع مدرسي حكوميّ واحد في أيّ من المساحات الجديدة، باستثناء مبنى واحد دُمجت فيه ثلاث مدارس متوسطة للبنين.

وعلى العكس من ذلك، نُقلت مدارس بنات إلى خارج البلدة، ودُمجت مدارس، واختفت مدارس. وبقيت مشكلة المدارس المستأجرة على حالها خاصة مدارس البنات التي تفاقمت مع بداية العام الدراسي الحالي وتسبّبت في أزمة بين الأهالي وإدارة التعليم، وانتهت إلى حلّ مؤقت.

إعادة الطالبات

وقد يبدو الحل الذي حصل عليه أهالي بلدة القديح، الأسبوع الماضي، من إدارة التربية والتعليم في المنطقة الشرقية حلاً مرضياً. فعودة طالبات المدارس الثلاث إلى المباني المستأجرة داخل البلدة بدلاً عن نقلهن إلى مبانٍ مدرسية خارج البلدة يعني كثيرا للآباء والأمهات، فضلاً عن الطالبات.

لكنّ الحل الذي تضمنه قرار إداري وقعه الدكتور عبدالرحمن المديرس؛ لا يعني أكثر من إعادة الطالبات إلى المباني السابقة حتى نهاية العام الدراسي الحالي. وخارج هذا القرار هناك سعي نحو استئجار مبنى كبير حديث في البلدة ليكون بديلاً عن المدارس الضيقة القديمة. وهذا كله يعني أن مدارس البنات في القديح لن تخرج من دائرة مشكلة المباني المستأجرة، إذا استثنينا المبنى الحكومي الوحيد الذي يضم المتوسطة الأولى.

مشكلة قديمة

تشكل مشكلة المدارس في بلدة القديح جزءاً من مشكلة ظهرت منذ بداية التعليم النظامي في البلدة منتصف ستينيات القرن الماضي. فحين جاءت المدارس؛ لم تكن الفرصة متاحة إلا لمبنى واحد، هو المبنى الذي يضمّ ابتدائية سلمان الفارسي. ومع تزايد الطلاب اتجهت المدارس نحو المباني المستأجرة. وفي بداية ثمانينيات القرن الماضي، اتجه طلاب الثانوية إلى مدارس خارج البلدة بسبب عدم وجود مبنى. ومثلهم طلاب المتوسطة الذين درس كثير منهم في متوسطة ابن كثير في مدينة القطيف. وفيما يخصّ مدارس البنات بقيت المباني المستأجرة حاضنة للطالبات في كلّ المراحل. لكن حتى هذه المباني لم تكن متاحة لطالبات الثانوية، وهو ما اضطرّ إدارة التربية والتعليم إلى نقل الثانوية الثانية إلى مدينة القطيف. وهذا العام نُقلت طالبات الثانوية الأولى إلى حيّ الشاطئ في جزيرة تاروت.

استمرار المشكلة فرضَ دمج مدارس، حيث دُمجت ثلاث مدارس متوسطة للطلاب في مجمع تعليمي واحد، يحمل اسم متوسطة سعيد بن المسيب جنوبيّ البلدة. وفي مدارس البنات دُمجت الابتدائيات الأولى والثانية والرابعة بالابتدائيات الثالثة والخامسة والسادسة. والمدارس الأخيرة هي التي نُقلت مطلع العام الدراسي، ليعترض الأهالي ويخوضوا سلسلة من المراجعات انتهت إلى الحلّ المؤقت.

وخلاصة الوضع تفيد بأن المدارس الموجودة داخل البلدة هي: ثانويتان ومتوسطتان وثلاث ابتدائيات للأولاد، ومتوسطة واحدة وثلاث ابتدائيات للبنات. والمباني الحكومية أربع للأولاد، وواحدة للبنات.

العمران والسكان

قد تبدو المشكلة مدرسية بحتة، لكنها ـ في حقيقة الأمر ـ مشكلة سكانية عمرانية، تكوّنت وتشكلت وتعقدت بسبب التزايد السكاني المتواصل الذي قابله توسع محدود في العمران. السكان يتزايدون في مساحة عمرانية تبدو وكأنها جزيرة إسمنتية وسط مساحة زراعية هائلة. وشيئاً فشيئاً راحت حواف بساتين النخيل تتآكل لتحلّ محلها المنازل. لكن ذلك لم يوجد حلولاً مستقبلية كافية وحقيقية. فكانت النتيجة هي عجز مساحة البلدة عن استيعاب سكانها. ومن الطبيعي أن تكون مشكلة المباني المدرسية جزءاً من المشكلة الأوسع التي شملت السكان، ومباني الخدمات، ومواقف السيارات، والحركة المرورية.

وقبل عقدين من الآن، رصدت أطروحة أكاديمية في جامعة الملك فيصل (جامعة الدمام حالياً) المشكلة السكانية التي تعيشها القديح. الدراسة كانت رسالة ماجستير للمهندس شجاع المصلح الذي يشغل حالياً، منصب وكيل أمين المنطقة الشرقية للبلديات والمشرف على إدارة التخطيط العمراني في الأمانة. في ذلك الوقت كانت مساحة البلدة 48 هكتاراً يسكنها أكثر من 25 ألف نسمة. وهذا يعني أن في كلّ هكتار 521 نسمة، وهو معدّل مرتفع جداً.

وقد أجريت الدراسة العلمية في مرحلة شهدت اختناقاً واضحاً، بسبب التعارض الواضح بين الواقع العمراني والواقع السكاني. و توصّلت إلى ثلاثة خيارات ممكنة للسيطرة على المشكلة والتخفيف من حدّتها.

توسع أفقي

الخيار الأولى هو أن يكون التوسع العمراني في اتجاه المساحات الزراعية المحيطة بالبلدة من جميع الجهات، بحيث تتحوّل البساتين الخضراء إلى أحياء سكنية تستوعب الزيادة السكانية المتسارعة. وعلى المستوى الواقعي؛ وجد هذا الخيار طريقه إلى التنفيذ لاحقاً، عبر تدمير مساحات واسعة من البلدة. وعلى مدى العقدين الماضيين ظهرت أحياء جديدة، مثل الحطيبي والحظاير والجوهرة، وتآكل كثير من المساحات الزراعية.

توسع رأسي

أما الخيار الثاني فكان التوسع الرأسي المتمثل في السماح لبناء أدوار عليا في المباني القائمة. وهو خيار تمّ تنفيذه أيضاً عبر وزارة الشؤون البلدية والقروية. وتُعد القديح أولى المناطق الريفية القطيفية التي شملها تنظيم بناء الدور الثالث. وعلى الرغم من أنه خيار عمليّ، إلا أنه بقي محدود التأثير. ناهيك عن تسببه في مشكلة أخرى تركزت في الحركة المرورية ومواقف السيارات، علاوة على مشكلة الضغط على البنية الأساسية المتوفرة، مثل المياه والصرف الصحي والكهرباء. وهذه السلبيات لم تمنع من المطالبة بالسماح ببناء دور رابع أيضاً. يقول المواطن عبدالهادي الزين إن بعض المواطنين يُضطرّ بدافع الحاجة الملحة إلى بناء دور رابع غير نظامي وتكبّد الغرامات البلدية.

نزوح سكاني

الخيار الثالث الذي طرحه المهندس المصلح هو أن ينزح السكان إلى خارج البلدة، وهو خيار قائم عملياً أيضاً، إذ اتجه كثير منهم، في مرحلة سابقة، إلى الأحياء الجديدة في القطيف وتاروت، مثل حي الدخل المحدود والناصرة والمشاري والمنيرة والمزروع. وبعضهم نزح إلى مدينة سيهات أيضاً.

المشكلة باقية

الخيارات الثلاثة الممكنة تمّ تنفيذها فعلياً على أرض الواقع. لكن المشكلة السكانية والخدمية لم تجد حلولاً كافية. وأخذ سعر المتر المربع في الأراضي التي أتاحتها المخططات الجديدة يواصل ارتفاعه. وحسب المواطن الزين؛ فإن بعض المواقع يصل فيها سعر المتر المربع إلى ثلاثة آلاف ريال، وهناك أراض لا يقل السعر فيها عن 2500 ريال. وهذا يعني أن الحصول على قطعة أرض في البلدة يبقى حلماً من الأحلام بعيدة المنال.
وعلى المستوى الخدمي، لم تستفد البلدة من التوسع العقاري الذي تحقق خلال العقدين الماضيين. هناك أحياء نشأت وشيّدت.. من دون إنشاء أيّ مبنى حكومي، باستثناء مبنى المركز الصحي غرباً، والمجمع التعليمي الذي بُني جنوباً ليضمّ ثلاث مدارس متوسطة للأولاد. وهذا المجمع بُني في موقع لا علاقة له بالتوسع الجديد.

ولهذه الأسباب تفاقمت مشكلة المباني المدرسية، ووصلت إلى حدّ إخراج ثانويتيْ البنات من البلدة إلى مناطق بعيدة، والابتدائيات الثلاث أيضاً، قبل أن تتراجع إدارة التعليم عن قرارها.

مساحات جديدة

وهذه هي المشكلة التي يتعامل معها الأهالي عبر مجلس شكّلوه قبل أربع سنوات، ليتصدّى لإيصال المطالبات إلى المسؤولين. يقول عبدالهادي الزين إن مجلس الأهالي «سبق أن أوجد حلولاً من داخل البلدة وعرضها على وزارة التربية التعليم. لكن الإجراءات طالت كثيراً». يضيف «هناك أرض مساحتها سبعة آلاف متر مربع تقع غرب قاعة شهاب للمناسبات، وهذه الأرض سلّمتها البلدية لإدارة التعليم قبل سنوات، ويمكن الاستفادة منها في مشروع مدرسيّ، ولكن إدارة التعليم لم تُنجز ذلك حتى الآن».

ويقول «كما أن هناك مساحة زراعية غرب مخطط الجوهرة مساحتها 33 ألف متر مربع، وهناك مفاوضات حول نزع ملكيتها لصالح وزارة التربية والتعليم». كما أن هناك «أراضيَ غرب وجنوب البلدة، ولكن مشكلتها أنها تقع ضمن محجوزات أرامكو».

وبدوره يقول رئيس المجلس البلدي في محافظة القطيف المهندس عباس الشماسي إن المجلس يناقش كثيراً من الاحتياجات بهدف «توفير الفرص السكنية والخدمية في المحافظة، ومنها توفير أراضٍ للخدمات للمدارس والمراكز الصحية لتكون قريبة من سكن المواطنين بشتى الطرق الممكنة». يضيف هناك عمل مستمر «مع المواطنين والبلدية وإدارة التخطيط العمراني يستهدف تغيير بعض استخدامات الأراضي في البلدة إلى الاستخدام التعليمي لتكون متاحة لبناء مدارس في متناول سكن الأهالي باستخدام التمدد الأفقي أو الرأسي».

سلبيات مناخية

وقد يبدو المقترحان جديرين بالاهتمام، ولكن السلبيات البيئية والمناخية واضحة، خاصة بعد فقدان البلدة عشرات البساتين الزراعية. وهي مشكلة تتشابه فيها القديح مع قرى وبلدات قطيفية أخرى، مثل التوبي والخويلدية والجارودية وأم الحمام والجش والملاحة. وجميعها يمثل جزراً عمرانية وسط مساحات نخيل. ومن شأن التوسع العمراني الزاحف نحو المناطق الزراعية إلى الإخلال بالنظام البيئي والمناخي. ويقول رئيس المجلس البلدي في المحافظة إن الخطط التنموية لبلدتي القديح والبحاري المتجاورتين تستهدف توسيع الكتلة العمرانية إلى 423 هكتاراً بحلول عام 1450. وحسب المهندس الشماسي؛ فإن ذلك سوف يخفض معدل الكثافة السكانية في البلدتين من 250 نسمة في الهكتار الواحد عام 1425 إلى 153 نسمة.

القديح