ألبوم الصور
تواصل ومحبة
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273587
التراجع والاعتذار عن الخطأ
الشيخ حسن الصفار - 24 / 2 / 2011م - 4:54 ص

الخطأ أمر متوقع من الإنسان، وصدوره من بني البشر أمر طبيعي، فالإنسان بطبيعته ليس معصومًا: ﴿وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي. ووقوع الإنسان في الخطأ له أسباب من أهمها: الجهل وذلك عند تشابه الأمور، والغفلة، وأخيرًا الضعف عند أي لحظة من لحظات الهوى والشهوة.

قد ينتبه الإنسان إلى خطئه بنفسه وهي من أفضل الحالات، وقد ينتبه له عن طريق الغير، فيجد من ينصحه ويرشده، وهذا من موارد توفيق الله تعالى، فعليه أن يحمد الله تعالى لذلك. أرأيت لو أن إنسانًا يقصد مكانًا معينًا، وكان يمشي في طريق لا يوصله إلى المكان الذي يريد، وحصل له من أرشده إلى الطريق الصحيح، فوفر عليه الوقت والجهد، الا يفرح بذلك ويشكر من أرشده.

لكن بعض الناس يزعجه نصح الآخرين، ويعتبره تدخلًا في شؤونه، حتى لو أدرك الخطأ، فتنتابه حالة من الأنفة والتكبر، فيصر على خطئه ويستمر فيه! ويزداد الأمر سوءًا في العلاقات البينية، فلا يرى من السهل أن يعتذر لغيره، وهذه حالة كانت مألوفة في الجاهلية حيث أن الرجل يعتبر الاعتذار لغيره ضعفاً وهزيمة.

القرآن الكريم يبين لنا حقيقة هذا الأمر، فإذا قيل للمخطئ: ﴿اتق الله فإنه لا يقبل بذلك وقد يتصرف بما يزيد خطأه سوءًا ﴿أخذته العزة بالإثم. والعزة هنا للعهد، أي العزة المعروفة لأهل الجاهلية التي تمنع صاحبها قبول اللوم، أو التغيير عليه.

وهذه الحالة تصيب الإنسان أكثر عندما يكون خصمه أقل منه شأنًا وقدرًا، إذ أنه إذا أخطأ على من هو أعلى منه فسيجد نفسه مضطرًا للاعتذار حتى يقي نفسه ردة فعل ذلك القوي، أما مع خصمه الضعيف فإنه لا يتوقع منه أي ردة فعل، فيحجم عن الاعتذار، وهذا مصداق لقوله تعالى: ﴿أخذته العزة بالإثم.

نماذج كثيرة في حياتنا نرى فيها تجليات هذا المرض:

ـ حين يخطأ الزوج على زوجته ومع أن الزوج قد يدرك خطأه من نفسه، أو بتنبيه الآخرين له، لكنه يرفض الاعتذار، ويرى أن اعتذاره يقلل من رجولته، ويضعف شخصيته. وكذلك الحال مع الأبناء.
ـ قد يكون تحت إشرافك موظف أقل منك شأنًا، وقد يكون في بيتك سائق أو خادمة، فلا تشعر بأن اعتذارك لهم ـ لو أدركت أنك أخطأت في حق أحدهم ـ ينقص من كبريائك وهيبتك.
ـ وقد يخطئ الحاكم وهو صاحب سلطة على مواطنيه، ويدرك بأنه مخطئ، ولكن كبرياء السلطة تمنعه من الاعتذار.
قد يبدو التراجع عن الخطأ، والاعتذار، لأول وهلة حالة ضعف وهزيمة، لكنه في الواقع يكشف عن ثقة بالنفس، وشجاعة في الموقف، وهو انتشال للنفس من ضعف الخطأ.
والاعتذار نوع من أنواع التعويض المعنوي، يشعر الطرف الآخر بكرامته، وعادة ما يقبل العذر لأن في ذلك رداً لاعتباره.
أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وهو في موقع الحاكم، يطلب من رعيته قائلاً: «فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل, ولا تظنوا بي استثقالًا في حق قيل لي».
أين تجد حاكمًا يجهر بهذا، ويطالب شعبه بتنبيهه، ويرجع عن خطئه إذا أدركه؟ كل عام نقرأ التقارير الدولية حول ضعف حقوق الإنسان، وتأخر التنمية، ولكن الحكام ـ وهم لا شك يدركون ذلك ـ يعيرون تلك التقارير آذانًا صماء، ولا يريدون أن يعترفوا بالخطأ، وتغيير الوضع إلى الأحسن، يشعرون بحالة من الكبرياء الزائفة.