ألبوم الصور
من كتاب «الخليج في خرائط تاريخية» للشيخ سلطان القاسمي «حاكم
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273786
صياغة للروح
عقيلة آل حريز - 20 / 12 / 2010م - 2:19 م

تحمل أحداث كربلاء بجعبتنا الكثير من التصورات، تزداد مساحتها كلما مضى من عمرنا زمنا، كأننا نرتحل نحو نقطة ضوء مختلف. قد نتلوها كنهاية متوقعة تنتهيها خطواتنا، أوكقصة تحكى فتغمض عليها العيون بمآسي تثير الشجن، أو رواية تقرأ نتناولها بالتناوب حتى لا تنتهي بالفناء، وقد نقف عند تفاصيلها كرمز لعقيدة قد لا نحفظ منها غير الإسم، بل لنسأل من جديد عن أمر الحقائق التي راكمتها صياغة القضايا التي قامت عليها الملحمة، أكنا نعيها كما هي، أم كنا ندعي التقرب منها حين تلزمنا الحياة باختبارات حقيقية تفرز عمق الفهم من سطحيته.

قد يكون هذا الكم من المعرفة خلال الزمن وهذا التجمع الضخم من التلاوة، نوع من المضاربة على سنوات انتظار والتصاق طويلة بحكم العادة، ربما فوق التصور والوصف، لا كهيام متوال ولا كعشق لا نبرأ منه، فلسنا وحدنا الهائمين إن ادعينا اتصال والتصاق مقرب، فلن تتكسر حقائق الأمور في أيدينا لو فعلنا لأنه لا بد من وقفة ما لإستنهاض المخابئ كحقيقة لا زيف بها تطهرنا دون التبهرج حول استحضارها كفلكلور نعيد طقوسه كل مرة.

لربما تصدر من القلب آهة وأنة ونحن نُعبر عن لهفتنا لإعادة الصياغة ونظهر شوق حقيقي بتجاوز الزمن، فلو أننا هناك مثلهم لهززنا للشمس ظلا لنسير بقربهم مطمئنين ولما توقفنا عن إطفاء ضوء النجوم حتى ينهض الفجر من سباته ولراوحنا الحياة نتسابق في أزامنها المرهقة ندس أنفسنا في شقوقها متزاحمين ونملأ تجاويفها الممتدة لنشغلها بوجودنا حولهم، نقبض على حلم يشبه التحليق فوق النجوم نمس به النور الحقيقي، النور الذي صاغوه لنا من أرواحهم.. فالروح تسمو دائما الى عالم منسوج من الصفاء الذي تظهره معتقداتنا عن مدى إيماننا بصحتها، ولكن تبقى ثمة مرتجعات نحتاج فيها للملمات تحايل على النفس لتحول دون إندثارها منا في عالم تكثر فيه المفارقات وتتباين أوجه الزيف والحقائق على حد واحد، عالم لا يوجد به الكثير من الألفة لنفهمه كما يجب فسماكة التغييرات به تحول دون ذلك، لذا نعتقد بضرورة هذا السمو. وعندما تغتال الحقائق تنسكب من بيننا أمور أكبر من حجم التوقعات، فحين يكون للمرء بدائل غير الحقيقة سيملأ جرابه بكثرة الدعوات الزائفة، وحين يثقل وزنها سيتيه في بلاهة وغرور وتضيع روحانية آدميته فيصبح كحليف للشر بداخله.

ثمة أشخاص لا يقدمون ولا يؤخرون في هذا العالم شيئا، لا إنجازات تذكر في حياتهم ولا عطاءات تشكر لهم، تبدو حياتهم ضائعة وأوقاتهم مملة وأفكارهم سطحية تافهة، يقبضون على عناوين كبيرة دون التدقيق في تفاصيل ما تحتويه، لا يتعففون عن الحياة الهامشية ويتجاوز بهم الأمر مرحلة القذف للآخرين والتنكيل بهم. اعتادوا العيش هكذا دون تهذيب للنفس ولا محاولة صقل لروح، لا يفصلون بين الحق والباطل ويتمادون في تزييف الحقائق، فلا المرض يوقفهم عن غيهم، ولا الفجائع تصدهم عن شرهم لمراجعة حساباتهم وإعادة فرز أرصدتهم. لا ذكر لله يغسل ضغينتهم ولا صلاة تطهر أرواحهم.. فهل يمكن أن يحسب لهم زمن الانتظار لدخول مناسبة تفرض على زائريها التحضير للتطهر من زيف التصورات والتخلص من رداءة الواقع ومخاتلاته المتكررة. هم حين لا يفعلون، لن يتيحوا لأرواحهم فرصة جديدة لمعاودة الصياغة.