ألبوم الصور
ناصفة شعبان
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273594
السفير
عقيلة آل حريز - 12 / 12 / 2010م - 12:09 ص

بيوت الحي تبدو متشابهة كأن الوجوم صبغها بلون قاتم فوحد تفاصيلها .. الأبواب والنوافذ موصدة .. فتحاتها تبدو صامتة لا حياة تطل منها .. حتى الأطفال اختفى صخبهم من الشارع .. هل توقفت الحياة بالخارج فجأة .. أكاد أصغي لأنفاس مرتبكة تلتصق بأبعد الجداران في منازلها كأنها تتقي شرا تتوجسه .. اختفى الجميع بعد أن كانوا يسدون مداخل الطرق .. ملأوا المسجد تماماً وانفتلوا واحدا تلو الآخر .. الخذلان أمر أنكره عليهم لكنه واقع يجرني نحوه .. والخيبة هي حصيلة خطواتي في شوارع الكوفة المخاتلة .. هذه المدينة الغرائبية التي عانقت الأب زمنا تدعي حبها له، هاهي تخذل الإبن بعد محاولات مأثومة لإسترضائه ...

رباه .. الظلام وشيك .. ويبدو الضوء خافت للغاية .. ما أقسى الظلام على من إعتاد اشعال الضوء للآخرين .. يبدو الأمر مفاجئ ومربك حقا ... هل تتغير وجوه الناس بتغير طقوس النهار فيغادر المتفرجون والمؤيدون والشعراء كأنهم يتحولون من درب إلى درب هكذا فجأة .. هالات اللوعة توشحني فترمي بداخلي طقوس احتضار تجرني إليها حياة ثقيلة الخطى .. كيف يمكنني تدارك الأمر الآن وابلاغهم  بأن لا يقدموا فلن يلاقوا من يستقبلهم، لم يعد المكان صالح لقدومهم، فهل يسعفني الوقت لأفعل . أتساءل : ما غاية المرور في هذه الحياة إن لم نحدث فيها أثرا طيبا لحين ننتهي ويخبو وهجنا من هذا العالم .. كل اللذين يمرون هنا يحدثون أثرا وينتظرون وقتا للرحيل، وبرحيلهم لا يعود الأمر كما هو، فإن كنا سنعيش ونأكل وننام بدون عقل وقلب واعي وتبدو حياتنا كحياة البهائم، فلم نمر بالحياة نحن فقط دون سوانا ..

قدماي تؤلماني .. لكني أتحسس وجع قلبي قبل جسدي .. لقد أُدميتا بالسير الطويل فأعياني الإرهاق وأضناني العطش .. للمرء العاقل أن يختار بين أمرين إما أن يكون وفق ما يريد وإما أن يكون وفق ما يهواه الغير .. كيف يسعد أحدهم ويمد عينيه مصادفة للأعلى  منتظراً أبواب السماء أن تفتح له دون أن يقدم على شراء تذكرة دخول لها .. هل يكفي أن يلهو في شوارع الحياة بطولها وعرضها وهو لا يحسن رصف خطواته عليها فيبعثر أجزاء عمره هباء دون هدف ينتهجه، على كل حال قد يلتحق بوجهة أخرى وهذه القشرة التي يتغلفها قد تسقط حين تهزها ريح قابلة للتغيير تقصف عناده ..

لولا هذه السيدة التي تبدو مكتسية بشمائل الألفة  لما أسعفني الليل بركعات قليلة بعد القبض على هاني بن عروة .. كنت قد جربت طرق باب قلبها لعلها تحسن ضيافتي، وحمدا لله ، لم تخيب أملي ..

أيتها السيدة النبيلة .. هل يمكنك إعطائي قليلا من الماء .. أعرف أنها ليلة ثقيلة عليك .. لكن لا يبدو أن كل عُرف نمارسه حق .. لا بد من استثناءات يديرها العقل الحر .. ثمة مرتكزات تؤلها السماء لا يُحسن البشر في كل الأحوال تصريفها .. فأنا سفير الحسين، جئت لهذه المدينة موفداً منه إليها بطلب أهاليها وإلحاحهم عليه أن يأتيهم .. بعد رسائل كثيرة ومواثيق ووعود غليظة .. وهاقد إنصرف الناس عني بعد جمهرة وتجمع، والآن كما ترين .. لا أحمل غير الخيبة بداخلي لسوء نواياهم، فهل لي عندك بقليلا من الصمت، قليلا من السكون، قليلا من هجعة الليل آوي فيها إلى نفسي، أتلو أمر ربي وأبث له شكواي، هل تحسنين مساعدتي ..أعرف أن أمري كغريب ثقيل عليك .. واستقبالي يبدو أمراً صعبا ومربكا لك .. لكن هذا ضريبة الإيمان إن كنت تجدينه في قلبك فافعلي ..
 
بصوت مجروح كترنيمة حزن معلقة في سقف الضمير كان يتلو صلواته وهمهمة ما تصله من الخارج، ثمة جدال دائر بين السيدة الطيبة وابنها على أمر هذا الضيف الذي لا يبدو أن الأخير يرحب به ..

لا شيء يحدث غير الصمت المطبق، بعدها بقليل تعود السيدة خجلة تقدم له طعاما على استحياء، لكنه يشكرها معتذرا ولا يحسن تناوله، ففكره مشغول باللذين سيقدمون عليه غداً أو بعده ولن يجدوا غير الموت يستقبلهم بالأسنة والسيوف .

تنصرف ثم تعاود المجيئ مرة أخرى بجزع مفزوع من ضجيج الخارج، تخبره بكثرة المتوافدين على الباب، وهم يشهرون سيوفهم يريدونه ، يبدو أن ابنها وشى به، وترجوه قلقة أن يفر بنفسه، لكن الأمر على ما يبدو خرج من دائرة الإحتواء ..

 كم يقصف الموت أعمار الكثيرين ، لكنه بكل تأكيد لا يجرؤ أن يفعل معهم ، فهم اللذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .. حين لا يستجيب العالم للنداء الذي يطلقه الضمير الإنساني يصبح أمره وبال عليه ، فحتى الكلمات التي تخترق صمت الجدران تبدو حافية لا تؤدي ضريبة النداء أمام هيمنة رديئة لنواقص البشر، ويبدو أن فكرة ما هاربة من مهدها تلوذ بالفرار أسفا على سوء الحال ..

السماء ملبدة بسحب كثيفة وثمة ومضات عاجلة من البرق الخاطف تتصدعها، والأرض تفوح منها رائحة رطبة كأنها تحمل دفئا خاصاً، وكل العيون متربصة تنتظر حدثا هاما كأنها في مراهنة لما يجري، ورغم الشجاعة النادرة والجسارة العظيمة التي أظهرهما، إلا أن ملامح التكتل البارد جعلت الجميع يلتف حوله ليدخل في خشوع مهيب مع الموت دون أن يبالي، فكل الذي كان يشغله وهو يعاين اقترابه منه كواقع مفروض، فكرة الإعتذار فقط ، " أعذرني أيها الأمير، فما على نفسي بكيت، لكني عليك أبكي لكثرة الخذلان ولقلة الأنصار" .