ألبوم الصور
عين الرواسية
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3273786
التضحيات بحدود .. وبعيدا عن التضخيم ...
عقيلة آل حريز - 14 / 10 / 2010م - 3:00 ص

لا يمكننا أن نكون بكل الأحوال مثاليين .. المثالية أمر خارق للعادة وبما أننا بشر نخطئ ونصيب نعطي ونبخل .. يمكننا أن نضحي ونتوقف عن تضحياتنا تماماً.. علينا أن ندرك أن بعض الأمور تحتاج لبرهة .. لراحة  .. لوقت .. أو لجزء منه لنلتقط أنفاسنا تباعا ً .. لربما نرتكب بعض الحماقات في حق أنفسنا لكننا نعود ونعتذر منها .. ندرك تماماً أنه حين تحاصرنا الحياة وتشدنا نحو إنكسارات شتى فعلينا محاولة الترفق بأنفسنا قليلا  لنستمر ..

ورغم كل الذي نجله من أنفسنا ونقدمه للآخرين إلا أننا لا بد أن نضع حدود للعقل والممكن حتى وإن ضج الناس من حولنا ولم يصالحونا عليه .. لأننا سوف نخسر حين لا نفعل .. عند هذه النقطة تضيع الهوية .
 
ليس المطالب أن نركن للأنانية ونحمل روح النقمة على الآخرين ونتجرد من لذة العطاء أوأن نتوقف عنه تماما .. لأننا نخشى على أنفسنا الإنطفاء أو الهلاك .. لكن لنضع الأمور وأشباهها في وجهة صحيحة .. لنوازنها .. لنعلن عن قدرتنا وعن مقدار عجزنا ، عن ما هو ممكن ومقبول ، وما هو مثالي أو متضخم ليصبح مرض لا نبرأ منه ... وحتى لا ننتهي بصورة لا نعرفها عن أنفسنا ..
 
البعض يفعل بحب ويرجو الثواب من الله ، لا ينتظر أجره من أحد والبعض يعطي بلا مقابل، لأنه هكذا يمكنه أن يمنح الآخرين الكثير ، والبعض يأخذ فقط لأنه اعتاد على شيء اسمه الأنانية فلا يقدم تنازلات لغيره ولا يهتم للمس جراحاته وإيقاف نزيفه .. وهناك من يعيش على مبدأ التبادل .. إحملني لأحملك واتكئ على كتفي لنسير بدربنا الطويل .. ولنحتمل فضاضة الواقع معاً ...
 
التضحية أمر جميل ، نحبه .. ونريده ليرتفع رصيد القيم النبيلة بمجتمعاتنا .. نريدها لأنها تؤكد على جمالية الروح حيث انصرف الناس عنها تباعا ، فلم يعد في رؤيتهم من حالات التوتر غير كومة من خيانات تعبأها لحظات الألم فتقفل ذاكرتهم بصلافتها وقسوتها .. نريدها لأنها هكذا تبدو رائعة بمثالية نستقبلها بالإيجابية .. لكن أيضا من المؤكد أننا ننفي المقولة التي يتغنى البعض بها " التضحية بلا حدود ... " .. فمن يقول هذا وكيف .. لا أظن أن الذي قالها كان واقعيا أو يخلو من المثالية أو أنه لربما كان لا يخلو من الأنانية .. .. فالحياة أخذ وعطاء وتبادل مصالح ومنافع وليست سخرة يقوم بها طرف دون آخر أياً كان هذا الطرف ، أحدهما منتج والآخر مستهلك .. وثمة مواقف تبرهن على استمرارية العطاء باستمرارية الأخذ تخضع للرؤى تماماً كما يختبرها الزمن بصدق التفاعل والتجربة .. فالعطاء حاجة مستفيضة تمنح المرء الراحة والشعور بالرضا ، فالبعض حياته متدفقة بالعطاء تستمر به، ولكن الأخذ المتبادل لذة لكلا الطرفين وقوامة من قوامات الاستمرارية .. تنبض بالنفس كفرح أبيض حقيقي  يفتح آفاق التوازن والصحة معاً ...
 
لكن ماذا حين تتضخم التضحية فتختفي الهوية وتتلاشى الفردية .. تذوب تماما في آليات الجماعة المتطلبة التي تكلف المرء عبء التنازلات عن أمور كثيرة منها .. أحلامة ورغباته .. ومنها كرامته فيفقد معنى وجوده الفردي .. ويشعر بانتفاخ في العطاء .. تتضخم تماما لتنتهي عند حدود آدميته وصحته وكرامته ومن ثم يصبح كآلة صماء وجدت للبذل فقط دون مقابل ، وتتسبب في قتل طموحه ... ومع هذا يستمر من حوله في استنزافه بدعوى التنازل ودرء الشر والتجاااااوز .. هذا التجاوز هو المعلق عليه أغلب نواحي العجز عن إيجاد حلول أو بدائل أو حتى تقديم تنازلات كما فعل هو ... هنا نحتاج لإعادة الصيغ وتقييم الامور وردها لنصابها الصحيح حتى لا تعبث بأرواحنا ..
 
فالايثار أمر يحضنا عليه القرآن هذا مما لا شك فيه .. والثواب أمر مرجو من وراء أي عمل نتقصده ، وبعض الأمور هي بمثابة فواصل أو أقواس متينة تصبح مقدسة حين نبجلها ، لكن ليس في كل شيء ولا على حساب أي شيء ، ولا مطلقا حين يصبح الأمر خارج حدود السيطرة أو يدخل المرء في متاهات الذوبان لصالح أشخاص لا يقدرون هذا ولا يتفاعلون معه بغير الأنانية وحب الذات، ولا يكلفون أنفسهم بذل القليل لتصحيح الخرائب التي اقترفوها .. وهنا تكمن الخطورة ... خطورة الرؤيا والنظرة والحكم على كل ما نتعاطى معه لكونه من المسلمات التي كُنا نُحسن الظن بها .. فالمرتاح يتحمل عن المتعب بعض الأعباء هذا لا خلاف عليه ، لكن ماذا عن المتعب إن خلا وفاضه وطافت روحه تستنفذ زوائدها على من حولها بلا بدائل .. وتقترت عليه سبل العيش وعاندته طرق الحياة .. هل سيصبح ملزما بالبذل كما اعتاد غيره منه .. هل عليه أن يصنع من نفسه مثالية زائفة ليصبح فيما بعد روح زائدة على الحياة حين يصيبها العطب فتمرض وتنطفئ .. بالطبع لا ..
 
لكن هل سيظل ملزم كذلك بعنوان التضحية التي بلا حدود .. وإن فعل مع نفسه .. لأي مدى سيتسع الأمر ويتضخم على نحو ما .. هل لينتظر السقوط من علو .. لن يرحمه أحد حتى الذين جروه لهذا رغما عنهم أو بإرادتهم ، أو حتى بتساهل منه معهم وتشجيع بدعوى الخير وحبه .. هنا تتوهج بعض التصحيحات والإدراكات لتقول الكثير قبل العجز وترتب الأمور الكثيرة المتبعثرة وتنظم ما اختلط علينا فهمه فقط لتعطي ضوء أحمر .. توقف .. حسبك فالتضحيات لها حدود .. ابتعد عن تضخيمها حتى لا تصيبك الخيبة .