ألبوم الصور
صور حديثة من القطيف
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3279298
شبابنا في ظل التربية الإسلامية
فاضل الحكيم - 28 / 4 / 2004م - 7:21 ص

 




بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

لقد قدمنا لك أخينا القارئ الكريم في بحث سابق موضوع «أطفالنا في ظل التربية الإسلامية »، فتناولنا مسألة تربية الطفل في المجتمع الإسلامي، و مسؤولية الأبوين والأسرة والمدرسة والمجتمع والدولة في تربية الطفل وتأديبه و تنمية مواهبه وصقل سلوكياته وأخلاقياته.

وفي مقالتنا هذه التي نضعها بين يديك نتناول مسألة تربية شبابنا المسلم المؤمن الطيب، ونسأله عز وجل أن يعيننا ويأخذ بأيدينا جميعاً لتحمل هذه المسؤولية الدينية الإنسانية المقدسة، والتكليف الإلهي المبارك، لنعد الشباب إعداداً صالحاً مفيداً، ونخرجه إلى المجتمع عبداً صالحاً مؤمناً شريفاً، ملتزماً بتعاليم الشريعة الإسلامية الحقة، شاعراً بمسؤوليته المقدسة تجاه ربه ونفسه وأبويه وأسرته ومجتمعه، حريصاً على تأدية واجبه، مخلصاً في تقديم عمله، متحلياً بالتربية الصالحة و الآداب السامية والأخلاق الحميدة، مطيعاً ربه عز وجل، موالياً لرسوله وأوصيائه وخلفائه الأئمة الاثني عشر صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، باراً بوالديه، نافعاً لهما ولنفسه، مفيداً لمجتمعه، داعياً إلى الخير، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر؛ كما يريده الله عز وجل، حيث يقول في كتابه الكريم:

﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون .

محطات التربية ومرافئها:

بما أن مرحلة الشباب مرحلة خطيرة جداً في حياة الإنسان، إذ تتخللها فترة المراهقة الحساسة، وأن حالاته متشعبة، والأحاديث عنها والنقاشات والبحوث والتحقيقات حولها تثير الجدال والأخذ والعطاء؛ لذا قسمنا البحث في هذا الموضوع إلى أبواب مستقلة عن بعضها الآخر، وكل واحد منها يخص جانباً من جوانب التربية:

1 ـ التربية الدينية والقرآنية، 2 ـ التربية النفسية والسلوكية، 3 ـ التربية العقلية والعلمية، 4 ـ التربية الاجتماعية والخلقية، 5 ـ التربية الجنسية، 6 ـ التربية البدنية والجسمانية، 7 ـ التربية الذوقية والجمالية، 8 ـ التربية الوطنية والقيادية.


1- التربية الدينية والقرآنية:

إن الله تبارك وتعالى خلق عباده وأودع فيهم مواهب وقدرات، وخلق لهم السماء والأرض والبحار، وسخر لهم ما فيها جميعاً، وأغدق على الإنسان نعمه المستفيضة؛ مما يوجب طاعته والشكر له وعبادته، وهو سبحانه القائل:

﴿ ألم ترأن الله يسبح له ما في السموات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون . وقوله تعالى:  ﴿ و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون . وقوله تعالى: ﴿ ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فماله من مكرم إن الله يفعل ما يشاء . وقوله تعالى: ﴿ تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم .

كما وإن العبادة تتخذ أشكالاً منوعة، يؤديها المخلوق كل حسب خلقته وقدرته وإدراكه، كما يفهم من الآية المتقدمة: ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه .

وخير للمرء أن يتجه إلى ربه في كل الأمور، يسيرها وعسيرها، فيعود نفسه منذ صغر سنه على الصلاة وإقامتها في أوقاتها، في السر والعلانية؛ ليحصل على ثواب أكثر باكتساب فضيلتها، وقد حبب الله عز وجل للمصلين أن يقيموها في أوقاتها الشرعية المخصصة لها، وبين لهم فضل ذلك وأجره، إذ قال عز من قائل: ﴿ وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين . وقوله تعالى: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار* ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب . وقوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون* فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون .

فإذا أمر الله جل وعلا بترك البيع والتكسب والتوجه إلى الصلاة؛ فيكون من باب أولى أداؤها في أوقاتها فيما عدا ذلك. كما أن الله عز وجل قد ذم الذين يتكاسلون عن أداء صلاتهم، ويؤخرون أداءها، وبين أنه سبحانه ساخط عليهم، وأنه سوف يلحقهم عذابه: ﴿ إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ولا يذكرون الله إلا قليلاً . وقوله تعالى: ﴿ فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً .

وقد بين الله سبحانه وتعالى أنه إنما أنزل الأديان السماوية المقدسة، وأرسل الأنبياء والرسل عليهم السلام؛ ليهدوا الناس إلى طريق الحق والخير، وينجوهم من الباطل والشر، وذلك لأنه جل وعلا عطوف على خلقه رؤوف بعباده: ﴿ هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم لرؤوف رحيم .

معروف وثابت أن الله عز وجل يحب عباده وقد حثهم على العبادة والصلاة وتلاوة القرآن الكريم والدعاء والتوسل والتضرع إليه؛ لينالوا رضاه ويكسبوا خير الدنيا وسعادة الآخرة، وهو جلت قدرته يعلمهم مسالك الخير والسعادة، ليتحصنوا بها عن الشر والأذى وارتكاب الذنوب والمعاصي، فيقول: ﴿ أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون .

وإن من شدة حب الله تبارك وتعالى لخلقه وعباده حتى أنه سخر الملائكة ليسبحوه، ثم ليستغفروا لعباده. فنلاحظ كيف قرن الله جل وعلا استغفار الملائكة لعباده بتسبيحهم ( الملائكة ) له سبحانه: ﴿ … والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو الغفور الرحيم .

إن الله عز وجل أظهر لعباده مبلغ حبه لهم، وأن أديانه المقدسة، وأنبياءه ورسله عليهم السلام جاءوا لتذكيرهم بآياته جل وعلا، ولتزكيتهم مما اقترفوه من جرائم وآثام وأخطاء وذنوب، ولتعليمهم الكتاب والحكمة، ولأن يذكروه ويشكروا له نعمه المستفيضة عليهم، ولكي يلجأوا إلى الصبر والدعاء والصلاة حين البأس والشدة والعسرة، أو عند طلب حاجاتهم منه لقضائها، فيقول العزيز اللطيف في محكم قرآنه الشريف: ﴿ كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون * فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون * يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين .

ثم إن الله جلت وعظمت قدرته يأمرعباده بالصبر والدعاء واللهج بذكره، لما في ذلك ـ إضافة إلى الأجر والثواب وقضاء الحاجات ـ اطمئنان للنفوس، وراحة للبال، وتهدئة للخواطر؛ لاحظ قوله تبارك وتعالى: ﴿ إن الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب .

روي عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « من قبل ولده كتب الله عز وجل له حسنة، ومن فرحه فرحه الله يوم القيامة، ومن علمه القرآن دعي بالأبوين فيكسيان حلتين، يضيء من نورهما وجوه أهل الجنة ».

وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: « علموا صبيانكم الصلاة، وخذوهم بها إذا بلغوا الحلم ».

كما ورد عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق صلوات الله وسلامه عليهما:« … ويتعلم الكتاب سبع سنين، ويتعلم الحلال والحرام سبع سنين ».

لاحظ الإمام أبي الحسن علي بن الحسين السجاد صلوات الله وسلامه عليهما، عند تدريبه الصبيان والشباب على الصلاة، كيف يعودهم على إقامتها في وقتها، لكسب فضيلتها وأجرها، إضافة إلى أجر الصلاة ذاتها: أنه كان يأمر من عنده من الصبيان بأن يصلوا الظهر والعصر في وقت واحد، والمغرب والعشاء في وقت واحد، فقيل له في ذلك، فقال عليه السلام: « هو أخف عليهم، وأجدر أن يسارعوا إليها ولا يضيعوها، ولا يناموا عنها، ولا يشتغلوا ».

وكان لا يأخذهم بغير الصلاة المكتوبة [ المفروضة غير المستحبة ]، ويقول: « إذا طاقوا الصلاة فلا تؤخروها عن المكتوبة ».

أما في مسألة تلاوة القرآن الكريم وحفظه، فقد نور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسلكها بقوله: « من قرأ القرآن وهو شاب مؤمن اختلط القرآن بلحمه ودمه، وجعله الله عز وجل مع السفرة الكرام البررة ».

وقال الإمام جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه: « ينبغي للمؤمن أن لا يموت حتى يتعلم القرآن، أو يكون في تعليمه ».

ويلزم أن نعلم بأن الوالدين لو ربيا ولدهما على التوجه إلى الله عز وجل، وأداء الصلاة في أوقاتها، والمواظبة على تلاوة القرآن الكريم؛ فإن لهما عند الله جل وعلا لأجراً عظيماً وثواباً كريماً. لاحظ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم كيف يحث الأبوين على تعليم الأبناء المواظبة على تلاوة القرآن الكريم فيما تقدم: « … ومن علمه القرآن دعي بالأبوين فيكسيان حلتين، يضيء من نورها وجوه أهل الجنة ».

أما أمير المؤمنين الإمام أبو الحسن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه؛ فيقول: « أما حق ولدك: فتعلم أنه منك، مضاف إليك في عاجل الدنيا بخيره وشره، فإنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب، والدلالة على ربه، والمعونة له على طاعته فيك وفي نفسك، فمثاب على ذلك ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا، المعذر إلى ربه فيما بينك وبينه بحسن القيام عليه، والأخذ له منه، ولا قوة إلا بالله ».


2- التربية النفسية والسلوكية:

الدين الإسلامي الحنيف يسعى، إلى معالجة الأفراد معالجة نفسية، وإعدادهم ليكونوا أعضاء صالحين نافعين في المجتمع الإسلامي، وهو بذلك يرمي إلى غرس روح الثقة والاطمئنان والأمان والهدوء والراحة النفسية عند الإنسان، خاصة عندما يعده بالأجر والثواب والمغفرة وقبول التوبة، والجنة.

وإذا داهمته مصيبة أو مشكلة مؤلمة، تراه يصبر ويسترجع، ويذكر الله عز وجل؛ لو كان مؤمناً بالله و برسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ملتجئاً إلى ربه تبارك وتعالى، واثقاً به، فتطرق الآيات القرآنية الكريمة والأحاديث الشريفة باله؛ فيتأسى بها، ويصبر على ما أصابه، ويخطط لما يجب أن يعمله كي يقضي على أثر تلك المصيبة أوالمشكلة، فيتدارك ذلك بذكر الله جل وعلا. قال سبحانه من قائل في كتابه المجيد: ﴿ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون . وقوله تعالى: ﴿ … والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون . وقوله تعالى: ﴿ والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون .

فعلى الوالدين والأسرة والمعلم والمجتمع والدولة والمتصدين لعملية التربية المقدسة، أن يسعى كل منهم لزرع الهدوء والأمن والاستقرار والثقة والطمأنينة في نفوس الأولاد، أطفالاً وشباباً؛ لتخليصهم من تأثيرات الخوف والاضطراب والتردد و التشكك و القسرية والإرهاب والفرض والإجبار والتسلط، التي تؤدي إلى سحق شخصياتهم، وإلى الانهيار النفسي، ليخرجوا إلى المجتمع الإسلامي صحيحين سالمين سليمين، تزرع الثقة في نفس كل منهم فيكون شخصاً له شخصيته الجيدة، ودوره المسؤول النافع في عملية بناء وطنه وتحضره وتطوره وعزته وكرامته.

وتفيد بحوث وتجارب المحللين النفسانيين والأطباء والعلماء وخبراء علم النفس وعلم الاجتماع؛ بأن جانباً كبيراً من السلوك البشري يتكون من استجابة داخلية لمؤثرات خارجية، مثل المال والجنس والجاه وغير ذلك، وأن رد الفعل المتكون عند الإنسان لكل منها إنما يتحدد بطبيعة ملكته النفسية، وقدرته على مجابهة ما يشعر بضرره له، فلا ينقاد إليه، وعلى هذا يتحدد موقفه من هذا المؤثر أو ذاك.

ومما يذكر أن تربية الإنسان المتوازنة نفسياً وأخلاقياً وسلوكياً لها أثرها الكبير على استقرار شخصيته، وسلامتها من الأمراض النفسية، والعقد الاجتماعية والحالات العصبية الخطيرة وحالات القلق والخوف التي كثيراً ما تولد لديه السلوك العدواني؛ فينشأ فرداً مجرماً خبيثاً مضراً فاسداً في المجتمع.

قال أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: « الذكر نور العقل، وحياة النفوس، وجلاء الصدور ». لما لذكر الله سبحانه وتعالى من آثار على العقول والنفوس والقلوب عجيبة. فترى في الدعاء الذي علمه الإمام علي صلوات الله وسلامه عليه لكميل بن زياد رضوان الله تعالى عليه، وورد في الدعاء المسمى باسمه ( دعاء كميل ) ما نصه: « اللهم اجعل لساني بذكرك لهجاً، وقلبي بحبك متيما ». تجده في كتاب (مفاتيح الجنان ) للمرحوم الشيخ عباس القمي، وسائر كتب الأدعية والزيارات والأذكار الأخرى.


3- التربية العقلية والعلمية:

قال الله عز وجل في محكم كتابه المجيد: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون . وقال رسوله الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « إن العلم حياة القلوب من الجهل، وضياء الأبصار من الظلمة، وقوة الأبدان من الضعف ». وقال وصيه وخليفته أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: « العقل غريزة تزيد بالعلم والتجارب ». وقال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر صلوات الله وسلامه عليهم: « نظرت في كتاب لعلي عليه السلام، فوجدت في الكتاب: إن قيمة كل امرئ وقدره معرفته، إن الله تبارك وتعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا ».

من الصفات التي يطلقها علماء المنطق على الإنسان أنه ( حيوان ناطق )، على أن النطق يعني التفكير والقدرة على البيان والإبداع. فالإنسان موجود عاقل مفكر، يستطيع أن يدرك الأشياء ويتعلمها بوعي، وهو كذلك يمكنه الاكتساب وتعلم المعارف والعلوم بواسطة إدراكه لعالم الطبيعة والأحياء والأشياء؛ عن طريق تأمله في الكون والوجود، وفيما خلق الله عز وجل.

وبالعلم والمعرفة تتحدد شخصية الإنسان، وتقوم قيمته، كما تقدم في الحديث السابق المروي عن إمامنا علي صلوات الله وسلامه عليه « إن قيمة كل امرئ وقدره معرفته …».

وقد تصدرت الأمم والمجتمعات مواقعها في التاريخ، وسادت البشرية وتزعمت قيادتهاعن طريق العلم والمعرفة، اللذين جلبا لها القوة والقدرة العسكرية، والتغلب . ألم تكن للأمة الإسلامية سيادتها شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً من عالمنا الأرضي، أيام الدولة العباسية؟ حيث كان العلم فيها متقدماً والجامعات الدراسية تملأ حواضرها، خاصة بغداد والقاهرة ودمشق؛ إذ انتشرت فيها مراكز العلم ومنتديات المعرفة. وفي وقتنا المعاصر قفزت أوربا إلى قمة سلم المعرفة والحضارة التي بنتها على قواعد وأسس حضارتنا الإسلامية العريقة، وعلى أنقاض الحضارات الأخرى البائدة.

وحين كانت لنا قيادة العلم والمعرفة والقيادة السياسية والعسكرية في العالم، قدمنا العلم والمعرفة والخير لأبناء البشر كافة، وأبطلنا القوانين الجاهلية الظالمة التي كانت سائدة في تلك المجتمعات، وأبدلناها بالقوانين الإلهية التي تحمي الإنسان من الشر والظلم والعبودية والجهل … وساعدنا الأمم على تعلم واكتساب المعرفة والعلم. ولما ملك الغرب ذلك اتخذه أداة ووسيلة لتخريب القيم الإنسانية، ولإخضاع الشعوب والأمم لسيطرته، وابتداع أخبث الوسائل للوصول إلى غاياته الدنيئة اللاإنسانية، فانقضوا على أمتنا الإسلامية ومزقوها شر تمزيق، واستغلوا مصادرنا البشرية والطبيعية والاقتصادية والتجارية أحقر استغلال، ومازالوا، ولا زالوا يكيدون لنا الكيد، وقد بذروا بذور الفرقة والفتنة فيما بين أبناء البلاد الإسلامية، وأخذوا يجنون ثمار أحقادهم علينا؛ عملاً بالمبدأ الذي يعتقدونه ( فرق تسد )، فصدق عليهم ما قاله الإمام علي بن الحسين زين العابدين صلوات الله وسلامه عليهما:

« ملكنا فكان العفو منا سجية •  ولما ملكتم سال بالدم أبطح »

وقد أراد الله عز وجل بالعقل الذي وهبه للإنسان أن يصل به إلى العلم والمعرفة والكمال؛ لينتـفع به وينفع غيره ، وأن يكون رحمة للناس كافة، وإن الله تبارك وتعالى مدح أهل العلم في قرآنه الشريف فقال مبيناً فضلهم: ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب . وقوله تعالى: ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب . وهذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد حث المسلمين على طلب العلم والمعرفة، فجعلها فريضة وواجباً على كل مسلم ومسلمة، إذ قال: « أطلبوا العلم ولو في الصين .. فإن طلب العلم فريضة على كل مسلم». وقوله « من سلك سبيلاً يطلب به علماً، سلك الله به سبيلاً إلى الجنة ». و « إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم ».

وقال وصيه وخليفته أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: « أطلب العلم من المهد إلى اللحد تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة .. بالعلم يطاع الله ويعبد، بالعلم يعرف الله ويوحد، بالعلم توصل الأرحام، و به يعرف الحلال والحرام، والعلم إمام العقل والعقل تابعه، يلهمه الله السعداء، ويحرمه الأشقياء، تعلموا العلم، فإن تعلمه حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة … وهو أنيس في الوحشة، وصاحب في الوحدة، وسلاح على الأعداء، وزين الأخلاء، يرفع الله به أقواماً يجعلهم في الخير أئمة يقتدى بهم، ترمق أعمالهم، وتقتبس آثارهم،  من جاء أجله وهو يطلب العلم لقي الله تعالى ولم يكن بينه وبين النبيين إلا درجة النبوة ».

وليس فقط أوجب الله عز وجل تعلم العلم؛ بل أن رسوله وأهل بيته صلى الله عليه وعليهم وسلم أوصوا وأمروا بنشره وتعليمه الآخرين، وأن لا يكتموا ما علموا؛ فقال عز من قائل: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم . وقال رسوله الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « كاتم العلم يلعنه كل شيء، حتى الحوت في البحر والطير في السماء ».

وقال وصيه وخليفته أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: « إن العالم الكاتم علمه يبعث أنتن أهل القيامة ريحاً، يلعنه كل دابة، حتى دواب الأرض الصغار ».

من هنا نرى أن واجب الوالدين ـ ضمن النشاط الأسري لهما ـ والمعلم ـ في واجبه الشريف المقدس ـ تعريف الأولاد بحياة العلماء وأصحاب المعرفة السابقين، الذين أرسوا قواعد العلم والمعرفة والفضيلة ووسائل الحضارة البشرية، ونشروا العلم بمختلف صنوفه أينما حلوا في هذه الدنيا، وأن يتحدثوا لهم عن تجاربهم وعلومهم وفضائلهم، بأسلوب قصصي شيق جميل يستميل هوى الأولاد ويثير فيهم حب الاطلاع على المجهول، ويرسخ في أذهانهم ونفوسهم حب العلم والمعرفة والاستطلاع والاستكشاف؛ لنشر العلم والمعرفة بين الناس، وتوضيح أثر وأهمية العلم والعلماء للأولاد .. وتشجيعهم على زيارة المتاحف، للتعرف إلى ما كان عليه أجدادنا العظماء، وكذلك زيارة المعارض الحديثة للاطلاع على معروضاتها الصناعية والعلمية، وتشجيعهم كذلك على مطالعة الصحف والمجلات والكتب العلمية لتوسيع مداركهم وتنمية عقولهم.

وأرى أن الواجب الذي يفرضه عصرنا الذي نعيش فيه، والتقدم الهائل السريع الذي افرزه أن يعلم الأولاد كيفية ممارسة الطرق والأساليب والآلات والأجهزة للتعلم واكتساب المعرفة، وشبكات ( الإنترنت ) تتفاضل على سائر وسائل التعليم بالسرعة الفائقة، والدقة المتناهية، وشموليتها لمختلف المواضيع العلمية والأدبية والثقافية … وغيرها.

إن الركائز الأساسية التي يرتكز عليها تشكيل العقل عند الإنسان، نلخصها بما يأتي:

1ـ تركيز مبدأ السببية والعلية العامة لدى أولادنا، وتصحيحانطباقه على الوجود بأسره، وعلى الطبيعة وما وراءها، بأن لكل موجود سبب لوجوده: ﴿ وجعلنا لكل شيء سبباً .

2ـ الحس وهو مصدر العلم والمعرفة. والعقل هو الذي يفهم العلم والمعرفة ويستنتجهما. قال أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: « العقل ولادة، والعلم إفادة ».

3ـ أدوات تحصيل المعارف هي الحواس والعقل، مما ينسب إلى أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه قوله:

إذا كنت ذا علم ولم تك عاقــلاً • فأنت كـذي نعـل وليـس له رجـل

وإن كنت ذا عقل ولم تك عالماً • فأنت كـذي رجـل ولـيس له نعـل

ألا إنـمـا الإنســان غمــد لعقلـه • ولا خير في غمد إذا لم يكن نصل


4- التربية الاجتماعية والخلقية:

قال الله عز وجل مادحاً رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ ولو كنت فضاً غليظ القلب لا نفضوا من حولك … . بل أبعد من هذا فإنه سبحانه وتعالى يشهد ويقرر لرسوله الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: ﴿ وإنك لعلى خلق عظيم . والرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيد ذلك بقوله: « أدبني ربي فأحسن تأديبي ». وقال الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه أيضاً: « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ».

وقال وصيه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: « فساد الأخلاق معاشرة السفهاء، وصلاح الأخلاق معاشرة العقلاء ».

وبقدر ما يقترن كمال الإنسان وسعادته النفسية بحسن خلقه وأدبه؛ كذلك يكون معاناته النفسية وتأنيب ضميره مصاحباً سوء خلقه، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في هذا: « من ساء خلقه عذب نفسه ».

نستشف من هذا الحديث النبوي الشريف: أن هناك رابطة وعلاقة وطيدة بين تكوين الإنسان الداخلي وبين السعادة أو الشقاء اللذين يكتنفانه؛ فمثلاً نرى الإنسان الحليم الكاظم لغيظه ومحب الخير لغيره كما يحبه لنفسه، والذي يحمل في قلبه الحب والحنان والعطف والرأفة والشفقة على غيره، يكون ذلك كله مبعثاً لسعادته وبهجته وسروره واطمئنانه. وعلى العكس، حيث نجد الإنسان الخبيث اللئيم الشرير الأناني الحقود على غيره يعاني من هذه العقد النفسية، ويؤذي نفسه قبل أن يؤذي غيره، وقد نسب إلى أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، وهو ينصح المؤمن بالصبر وعدم التهور في مجابهة أمثال هؤلاء، قوله:

إصبر على مضض الحسود •  فإن صبرك قاتله

كـالنــار تــأكــل بعضـــها •  إن لم تجد ما تأكله

وبما أن الإنسان هو موجود اجتماعي مجبول على الحياة الاجتماعية؛ لذا نجده يميل إلى الاجتماع بالآخرين، ويحب أن يعيش ضمن الجماعة. وقد جاءت الرسالات الإلهية المقدسة كافة ـ والإسلامية خاصة ـ لتبني المجتمع الإيماني من خلال بنائها أفراده؛ فهم الذين يكونون المجتمع، ويتبادلون مع الآخرين من أبناء مجتمعهم العادات والتقاليد والاعتقادات المختلفة.

كذلك يسعى إسلامنا الحنيف لتحقيق الموازنة بين حقوق الفرد والمجتمع، وتحديد واجبات كل منهما تجاه الآخر.فكما أن المجتمع يعتبر محيطاً لصقل شخصية الفرد وتنميتها وتطورها؛ فكذلك على الفرد أن يمنح مجتمعه كل جهده، ويسعى لتقدمه وتطوير وتنمية ظروفه العلمية والثقافية الاقتصادية وغيرها.

والإسلام الحنيف لا يميز بين فرد وآخر في الحقوق والواجبات، إنما الأفضلية لأتقاهم عند الله تبارك وتعالى؛ حيث قال عز من قائل: ﴿ يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم . وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الصدد معروف ومشهور: « لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى ».

لذا، نجد أن الشريعة الإسلامية الغراء أولت البيئة الاجتماعية اهتماماً كبيراً، ووضعت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، تحصيناً لهذا الوسط الاجتماعي الذي يتربى فيه الفرد. قال عز وجل: ﴿ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون .

ونرى الإسلام العزيز يحث المسلمين ويشجعهم على تكوين الروابط الاجتماعية البناءة، وجعل لها أساليب وممارسات لطيفة تؤدي إلى الألفة والمحبة بين أبناء المجتمع الإسلامي، كآداب التحية والسلام والمصافحة بين المؤمنين، وتبادل الزيارات، وعيادة المرضى، والمشاركة في تبادل التهاني في الأعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية، والاهتمام بالجار، وتسلية أهل المصائب والشدائد ومشاركتهم في عزائهم لو مات منهم أحد، وغيرها كثير، ووضع لكل منها قواعد وأصولاً تدخل السرور على المسلمين، وتكون لهم عوناً وتهون عليهم ما يصيبهم من شر وأذى.

حتى العبادات، فقد صبها في قالب اجتماعي، كأداء الصلاة جماعة؛ مؤكداً استحبابها، واجتماع المسلمين لأداء فريضة الحج. والإسلام ينظم علاقة الفرد المسلم بأهل بيته وأقاربه وأصدقائه وجيرانه. هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوصي المسلمين باحترام الجار ومؤازرته في حالات الفرح والحزن، واعتباره من الأهل والأقارب: « ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه ».

فعلى الوالدين والمربي والمعلم تشجيع الأولاد على ممارسة الأفعال والنشاطات التي توطد العلاقة وتطيبها بين هؤلاء الأولاد وسائر أبناء مجتمعهم، ويعملون على مراقبتهم وتهذيب طريقة وأسلوب كل ممارسة منها، ومع من يلتقون ويلعبون ويتجولون ويدرسون؛ كي لا يحتكوا بأفراد تسوء تربيتهم فيأخذون منهم ويتعلمون ما هو مضر وفاسد وقبيح، وقد قيل:

لا تربط الجرباء حول صحيحة • خوفي على تلك الصحيحة تجرب

ومرحلة الشباب ـ سيما فترة المراهقة منها ـ تعتبر من أوضح مراحل حياة الإنسان شعوراً بالغرور والإعجاب بالنفس، والاستخفاف بآراء الآخرين من الكبار، وقد حذر الله سبحانه وتعالى من ذلك بقوله: ﴿ إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى . وفي وصية لقمان لابنه في القرآن الكريم: ﴿ ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحاً إن الله لا يحب كل مختال فخور . وفي موضع آخر من القرآن الكريم يقول تبارك وتعالى؛ محذراً الإنسان من الغرور والتعالي: ﴿ ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً .

إن الغرور يذهب ببعض الأفراد إلى المباهاة على والديهم، والاستخفاف بهما، واستخفاف آرائهما‍؛ لما يكونون عليه من وضع اجتماعي أو ثقافي غير الذي كان عليه أبواهم. فيحذرهم الجليل جلت قدرته من ذلك: ﴿ وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً .

بل يصل الغرور ببعض الشباب إلى حد الاستخفاف بالله سبحانه وتعالى وبالإيمان به وبكتبه وبرسله عليهم السلام، فينبههم الله عز وجل إلى عظيم خطر ذلك عليهم؛ ليثوبوا إلى رشدهم، ويعودوا إلى ملتهم، ويستغفرونه ويتوبون إليه تبارك وتعالى: ﴿ يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم * الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك * كلا بل تكذبون بالدين * وإن عليكم لحافظين * كراماً كاتبين * يعلمون ما تفعلون .

إن الغرور الذي ينتاب بعض الشباب هو من المشاكل العويصة، ذات الخطورة البالغة على الشاب نفسه وعلى أهله ومجتمعه، وهو من المشاكل التي إذا لم تدرك وتعالج وتوضع لها الحلول المناسبة، سوف يحل بذلك المجتمع الداهية العظمى والبلاء الشديد؛ لذا توجب على الآباء والمربين توعية الشباب وتثقيفهم تربوياً وأخلاقياً وعاطفياً، ليجنبوهم مهابط ومساقط الغرور والإعجاب بالنفس. فعلى البيت والمدرسة و وسائل الإعلام والقانون والمراكز الثقافية والسياحية وباقي المظاهر العامة، استهواء الشباب، والقيام بتوعيتهم الصحيحة المطلوبة، وأن يثبتوا لهم أن فعلهم هذا غير صحيح، وله نتائج سيئة ووخيمة عليهم وعلى أهلهم وذويهم ومجتمعهم، وفق العلم والمنطق والحقيقة والواقع، كي نحصن شبابنا العزيز بدرع واق من مساوئ الممارسات ومفاسد الأخلاق ومنحرفات الأفكار؛ ليكون شريحة طيبة مثمرة نافعة، تستفيد من الإمكانات المتاحة لديها، وتعيش بعز وكرامة وسعادة، وتجلب الخير والسعادة والفرح والسرور والبهجة على أهلهم وذويهم ومجتمعهم، وبذلك يكسبون رضاء الله عز وجل ورضاء رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فيكسب خير الدنيا وسعادة الآخرة.


5- التربية الجنسية:

لقد أولى إسلامنا العظيم مسألة الجنس والممارسات الجنسية أهمية كبرى، واعتبرها من المسائل الأساسية في حياة الإنسان؛ لما لها من أهمية بالغة على سلامة الفرد والمجتمع الذي يعيش فيه، من النواحي الصحية والسلوكية والأدبية والأخلاقية. لذلك فقد وضعت الشريعة الإسلامية الحقة القوانين والمعايير اللازمة لإشباع غريزة الإنسان الجنسية، وتهذيبها وتنظيم أسلوب ممارستها.

فترى أن بعضاً من الأحكام الشرعية الإسلامية تناولت الجنس والحقوق الجنسية، وأحكام الزواج الدائم، والمؤقت (المتعة)، وحقوق كل من الزوجين، وأحكام الطلاق وغيرها، مما ينظم مسائل الحياة الجنسية والزوجية؛ لتعالج الظروف والمشاكل التي يعيشها الفرد ويواجهها، وكيفية ممارسته هذا الحق الإنساني الذي منحه الله تبارك وتعالى، لاستمرار الحياة البشرية من جهة، ومن جهة أخرى لحفظ النوع والنسل والذرية، وليبقى الإنسان في منجىً من الانحراف والانزلاق في هوة المعاصي والذنوب، والتلوث والعدوى من مختلف الأمراض الجنسية والتناسلية كالزهري والسفلس وغيرهما.

ومن الواجب على الوالدين إفهام أولادهما ـ بنات وبنين ـ فيما يتعلق بمسألة الجنس والأمور الجنسية، شيئا فشيئاً، كل حسب جنسه وما يواجهه مستقبلاً من حالات ترتبط بالأمور الجنسية؛ وذلك قبيل أن يحدث منها شيء، كي يكونوا مستعدين لها، مثل ظاهرة الطمث ( الحيض ) عند البنات ، وما يصحبها من ظواهر تبدو على أجسادهن، كبروز الثديين وظهور شعر العانة مثلاً، كذلك تعليمهن كيفية الاغتسال الواجب عن هذه الظاهرة الأنثوية، أما بالنسبة للأولاد ( البنين ) فمسألة الاحتلام والجنابة وكيفية غسلها، على أن يتم ذلك بأسلوب مهذب وسليم، و بحدود الاحتشام والفضيلة.

بهذا تتكون لدى أولادنا المعلومات الجنسية الكافية للاستعداد لمواجهتها حين ظهورها، فيهذب سلوكهم الجنسي، ويتحدد بحدود الطهارة من الدنس، والالتزام والتقيد بما يحفظهم من مختلف الأمراض الجنسية والخلقية، بما يجلب لهم العفة والشرف والكرامة والنزاهة والسلامة.

ونقرأ ما ورد في القرآن الكريم عن أحكام الجنس وتلبية الغريزة الجنسية بالزواج الشرعي الحلال المباح الذي حلله الله عز وجل وأباحه لكلا الجنسين قوله تعالى: ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة . وقوله تعالى: ﴿ وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم . وقوله تعالى: ﴿ ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحـوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات . وقوله تعالى: ﴿ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم . وقوله تعالى: ﴿ أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون . وقوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن المحيض قل هو أذىً فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين .

وكثيرة هي الآيات القرآنية الكريمة التي تتناول المسائل الجنسية والعلاقة الزوجية الطاهرة المباركة بين الزوجين، وحدود هذه العلاقة وأحكامها. ثم تنتقل بنا الآيات القرآنية المباركة إلى مسألة أخرى وحكم آخر يتعلقان بالتعفف والتنزه؛ إن لم يجد الإنسان نكاحاً من كلا الجنسين. ﴿ ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف حقاً على المحسنين . هذا لمن وجدت من تمتع نفسها له بالزواج المؤقت، أما من لم يجد ذلك؛ فيأمره الله جل وعلا بقوله الكريم: ﴿ وليتعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله .

إن الله عز وجل لم يطرح في قرآنه المبين فقط مسألة الزواج والغريزة الجنسية؛ بل تناول مواضيع أخرى كثيرة ومتشعبة ومعقدة، تتعلق بالرضاعة والطلاق والتراجع، وحقوق كل من الزوجين في هذه المسائل، ووضع لكل منها أحكاماً وقواعد لتنظيمها، والقرآن الكريم يكثر منها في آيات عديدة نظراً لأهميتها. يمكنك الاطلاع عليها في مظانها، ونحن هنا نورد منها ما يوصي الله تبارك وتعالى الزوجين، فيقول: ﴿ ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير . وذلك لو حصل اختلاف بينهما؛ ليصلحا ذات بينهما ويتراجعا، وليستمرا في حياتهما الزوجية.

عن الرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « تزوجوا وزوجوا، ألا فمن حظ امرئ مسلم إنفاق قيمة أيمة، وما من شيء أحب إلى الله عز وجل من بيت يعمر في الإسلام بالنكاح، وما من شيء أبغض إلى الله عز وجل من بيت يخرب في الإسلام بالفرقة ».

فأوضح الإمام أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق صلوات الله وسلامه عليهما ذلك بقوله: « إن الله عز وجل إنما وكد فيه الطلاق، وكرر في القول من بغضه الفرقة ». والإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه يوصي بالزواج ومسائله فيقول: « تزوجوا، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من كان يحب أن يستن بسنتي فليتزوج، فإن من سنتي التزويج، أطلبوا الولد فإني مكاثر بكم الأمم ».

« توقوا على أولادكم من لبن البغي من النساء والمجنونة، فإن اللبن يعدي ».
« إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فلا يعاجلنها، وليمكث؛ يكن منها مثل الذي يكون منه ».
«إذا أراد أحدكم غشيان زوجته؛ فليقل الكلام، فإن الكلام عند ذلك يورث الخرس ».

وقال صلوات الله وسلامه عليه ناصحاً الشباب: « يا معشر الشباب! من استطاع منكم ألباه فليتزوج، ومن لم يستطع فليدمن الصوم؛ فإن له رجاء. فأمر الشباب بالنكاح مع الطول له، فإن لم يجدوا إليه طولاً فليستعففوا عن الفجور بالصيام، فإنه يضعف الشهوة، ويمنع الدواعي إلى النكاح ».

لنغتنم بعض اللحظات القصار في لقاء معه صلوات الله وسلامه عليه؛ يحدثنا فيها عن فلسفة الغريزة الجنسية، وما بني عليها من علامات التحام جنسي بين الزوجين، تتحدد على ضوئها نظرة كل منهما إلى الآخر:

« إعلم أن الله جعل ( الزوجة ) سكناً ومستراحاً وأنساً وواقية، كذلك كل واحد منكم يجب أن يحمد الله على صاحبه، ويعلم أن ذلك نعمة منه عليه، ووجب أن يحسن صحبة نعمة الله ويكرمها ويرفق بها، وإن كان حقك عليها أغلظ، وطاعتك لها ألزم فيما أحبت وكرهت، ما لم تكن معصية، فإن لها حق الرحمة والمؤانسة وموضع السكون إليها؛ قضاء للذة التي لابد من قضائها، وفي ذلك عظيم ولا قوة إلا بالله ».

ولنسمعه صلوات الله وسلامه عليه حين يتحدث إلى الناس، فيعين لهم ما يجب الالتزام به من اتجاه مناسب في قضايا الجنس: « أما حق فرجك فحفظه مما لا يحل لك، والاستعانة عليه بغض البصر، فإنه من أعون الأعوان، وكثرة ذكر الله، والتهدد لنفسك بالله، والتخويف لها، وبالله العصمة والتأييد ».

وعن الإمام أبي عبد الله الصادق صلوات الله وسلامه عليه: « إن امرأة عثمان بن مظعون ـ الصحابي الجليل ـ جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن عثمان يصوم النهار ويقوم الليل، فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مغضباً، يحمل نعليه، حتى جاء إلى عثمان فوجده يصلي، فانصرف عثمان حين رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له: يا عثمان! لم يرسلني الله تعالى بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنيفية السهلة السمحة، أصوم وأصلي وألمس أهلي، فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح ».

وعنه صلوات الله وسلامه عليه أيضاً عن جده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: « رذال موتاكم العزاب»، و« من تزوج أحرز نصف دينه، فليتق الله في النصف الآخر ».

وعن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر الكاظم صلوات الله وسلامه عليهما، مرغباً من يسعى لتزويج المؤمنين، ويعينهم عليه: « ثلاثة يستظلون بظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل زوج أخاه المسلم، أو خدمه، أو كتم له سراً ».


6- التربية البدنية والجسمانية:

قال الله عز وجل في محكم كتابه المجيد: ﴿ يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . وقوله تعالى: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم . وقوله تعالى: ﴿ وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين . وقوله تعالى: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون * قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون .

هذه الآيات المباركات وغيرها مما ورد في القرآن الكريم جميعها تعطي للإنسان حق التمتع بنعم الله عز وجل كافة، التي خلقها الله سبحانه وتعالى وسخرها للإنسان، مما على الأرض أو في البحر من أنواع النباتات والأشجار والفواكه والثمار والخضر والحيوانات والطيور والأسماك، منها ما يؤكل، ومنها ما تتخذ منه الملابس، ومنه ما يركب، ومنها للزينة، ومنها لاستخراج الأدوية واستخلاص الأصباغ، و… كثير هي نعم الله عز وجل علينا، لا تعد ولا تحصى. وما يهم منها هنا هو ما نقتات عليه وتتخذه طعاماً لنا، لنقوم به أبداننا ونقويها، كي نستطيع من ممارسة أعمالنا اليومية وكسب قوتنا وعيشنا، ثم تكون لنا عزاً وكرامة، وتمكننا من مجابهة أعدائنا للتغلب عليهم.

وقد أمرنا الله جل وعلا أن نهتم بوسائل القوة والإعداد الجسدي؛ لمواجهة الأعداء، بقوله: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون .

علينا أن نروض أجسامنا، ونمارس الرياضة البدنية بمختلف أنواعها، فإن لأبداننا حقاً علينا. وقد حث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم على التربية الرياضية والبدنية، حيث قال: « … وعلموا أولادكم السباحة والرماية ».

ومن مظاهر الاهتمام بالتربية الرياضية والبدنية للرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان فتىً فارساً مقاتلاً، وكان يشترك في ميادين سباق الفروسية؛ فكان يكسب الجولات ويتفوق في أغلب السباقات، وقد خسرت ناقته في إحدى جولات الفروسية التي اشترك فيها. وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقيم السباقات بين أصحابه، ويرصد لها جوائز للمتفوقين؛ تشجيعاً منه للفتوة وللروح الرياضية: عن الإمام أبي الحسن علي بن الحسين صلوات الله وسلامه عليهما: « إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أجرى الخيل، وجعل سبقها أواقي من فضة ». وقد صارع مرة ركانة الذي كان معروفاً بالقوة والغلبة، فصرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وبما أن الأبناء هم ثمرة العلاقة الزوجية، وزينة الحياة الدنيا، وبذرة الامتداد والبقاء النوعي للإنسان، وبما أن الشباب هم أغلى شريحة في المجتمع، وأثمن ما تملك الأمة من طاقاتها البشرية، إذ هم في بداية شبابهم وقوتهم ونشاطاتهم، ويعتبرون القوة الاحتياطية لإمداد المجتمع بعناصر حيوية عاملة ؛ لذلك فإن الدولة تبالغ في الاهتمام الكبير بهم وتسعى أن تعدهم لتستفيد منهم بحسب ما تخطط لشكل الحكم فيها، وترسيخه، وللحرص على علو مكانتها، وديمومتها وبقائها.

وإذا لم توجه هذه الطاقات الشابة فإنها سوف تتحول إلى عناصر تخريب وهدم وفساد في المجتمع، وينعكس ذلك على شخصية الشاب نفسه انعكاساً سلبياً. لذا، نرى أن الدولة تهتم بمسألة الشباب، وتفتح لهم معاهد التأهيل الحديثة، للتدريب على الوسائل والأدوات والأجهزة الحديثة، كالكومبيوتر، واستخداماته العديدة، وآلات الإنتاج والأجهزة الإلكترونية، وأجهزة إدارة الإعمال، وأجهزة الإنترنت، ونظامه وكيفية الاستفادة منه، ذلك لإعداد الشباب للعمل في المستقبل؛ كي يقضى على الفراغ والبطالة اللذين يسببان الفقر والجرائم والمشاكل الاجتماعية والعقد النفسية والانفلات الأمني، علماً أن عدداً كبيراً من الشباب له مواهب وقدرات وطاقات ومؤهلات فنية، كموهبة الخط والرسم والنحت والزخرفة والخياطة والتطريز، والقدرة على مختلف الأعمال الفنية والجمالية.

كما أن لدى الشباب طاقات إبداعية هائلة في مجالات الاكتشاف والاختراع؛ لو تتوفر لها الرعاية الكافية والدعم الكافي، وتوفير مسلتزماتها المادية، وإعطاؤهم التسهيلات، وتوجيههم العلمي؛ لأبدع شبابنا في كثير من المجالات، وتطور البلد، وترفه المجتمع وسلم من كثير من الآفات الاجتماعية والسلوكية الخطيرة.

إن توفير الإمدادات والخبرات والمعاهد والمعارض وفتح الدورات التخصصية والنوادي العلمية وتسويق إنتاج الشباب؛ يساعد كله على تشجيعهم لتنمية مواهبهم وقدراتهم، وتنمية الحركة الفنية، والجمالية في البلد، وكذلك يساعد على اشتغال أعداد كبيرة من الشباب، وإنقاذهم من الفراغ الذي يؤدي بهم إلى مهابط ومخاطر كثيرة وكبيرة، ومردودات سلبية على نفسية الشباب وسلوكيتهم، مما يجلب الفساد والخراب والدمار للفرد نفسه ولمجتمعه.

وإن انتشار الصحافة والمجلات العلمية، وإقامة دورات تخصصية في شؤون الشباب، ومعالجة مشاكلهم، ونشر إنتاجا تهم المختلفة ومساهماتهم الفعالة، وإبراز دور المتفوقين منهم؛ يعتبر ذلك كله أمراً مهماً بالغ الأهمية في مسألة التشجيع، وحل المشاكل، وتوجيه الشباب، وتنمية وعيهم، وتزويدهم بالنصائح والخبرات.

والشباب يمتازون في هذه المرحلة بالقوة الجسدية والنشاط والحيوية؛ لذا فإن تنمية روح الفتوة والرياضة البدنية تعتبر مسألة لها أهميتها الخاصة؛ لإنقاذهم من الميوعة والتحلل، وذلك عن طريق فتح نوادٍ رياضية وملاعب ومسابح وساحات للعب والسباق، وإقامة المسابقات الرياضية، وتسهيل الانتماء إليها والاشتراك فيها، ورصد الجوائز للمتفوقين منهم تشجيعاً لهم ولغيرهم من شباب الأمة.

إن الإسلام العظيم قد اعتنى بالرياضة والتربية البدنية، لإعداد جيل قوي، عناية فائقة. و قد وجه الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم السباق بنفسه، كما تقدم، ورأينا كيف كان يشجع على الرياضة والسباحة والفروسية، وكيف كان يشترك هو فيها فعلاً.

فالرياضة في نظر الإسلام الحنيف هي من أهم وسائل الترفيه وتوفير القوة الجسدية واللياقة البدنية، التي دعا إليها القرآن الكريم بقوله  عز وجل: ﴿ وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة … . لذا، فإن جيل الشباب ينبغي أن يتمتع بالقوة والفروسية والفتوة، والحصانة الفكرية، والتثقيف والوعي الإسلامي، والتوجه إلى الله تبارك وتعالى والإيمان به وبرسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ذلك هو السلاح الأقوى والأمضى والأشد على الأعداء.

فنكون بذلك قد حصنا شبابنا من التسكع والتطفل والفساد والانحلال والميوعة والتخاذل، إن المراد من شبابنا أن يكونوا مؤمنين طيبين وأن يكونوا أعضاء نافعين كما قال مولانا أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، كما أن المراد من الآباء والأمهات والمعلمين والمربين المؤمنين الصالحين أن يكونوا لشبابنا خير عون وهادٍ في عملية تربيتهم المقدسة الشريفة، وإعدادهم الإعداد الجيد الذي يرضي الله عز وجل، ويرضي رسوله وأوصياءه وخلفاءه الأئمة الاثني عشر صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.

ففي كتاب ( منهج التربية عند الإمام علي عليه السلام ) نقرأ ما نصه: وعلي جعل من جملة حقوق الولد على الوالد تخير الأخير المربي الصالح؛ ليكون له خير عون على دين ولده، وخير من يستوحي منه الفضيلة وحسن السيرة، واشترط فيه أن يكون مؤمناً ليحسن اتخاذه قدوة ومثالاً، أراده عليه السلام أن: « يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، الخير منه مأمول والشر منه مأمون.. بعيد فحشه، لين قوله، غائب منكره، حاضر معروفه، مقبل خيره، مدبر شره، يعترف بالحق قبل أن يشهد عليه، لا ينابز بالألقاب، ولا يضار بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحق، نفسه في عناء والناس منه في راحة، بعده ممن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظة، ولا دنوه بمكر وخديعة ».


7- التربية الذوقية والجمالية:

قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه المبين: ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً . وقوله تعالى: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين * قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون . وقال رسوله الكريم الأمين صلى الله عليه وآله وسلم: « إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى اثر نعمته على عبده، ويبغض البؤس والتباؤس ». وقال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: « التجمل مروءة ظاهرة »، « التجمل من أخلاق المؤمنين »،« إذا قل أهل الفضل هلك أهل التجمل ».

وورد عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق صلوات الله وسلامه عليهما، أنه قال: « إن الله يحب الجمال والتجمل، ويكره البؤس والتباؤس، فإن الله عز وجل إذا أنعم على عبد نعمة، أحب أن يرى عليه أثرها ».

قيل: كيف؟

قال: « ينظف ثوبه، ويطيب ريحه، ويجصص داره، ويكنس أفنيته؛ حتى أن السراج قبل مغيب الشمس ينفي الفقر ويزيد في الرزق ».

وعن الإمام أبي الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله وسلامه عليهما ، قال: « من أخلاق الأنبياء: التنظيف، والتطيب، وحلق الشعر، وكثرة الطروقة ».

إن الشريعة الإسلامية الغراء قد اعتنت بمسألة الجمال والتجمل والذوق الجميل والحس الجميل عناية فائقة، ولقد تحدث القرآن الكريم كما في الآيات المتقدمةـ وغيرها كثير في كتاب الله العزيز ـ عن الجمال والزينة والطيب، وبين للإنسان ما في عالم الموجودات من جمال وزينة ولطافة وبداعة، وأن له الحق في التجمل والتطيب والتزين والاستمتاع.

يقول الله جل وعلا في محكم قرآنه الشريف، حيث يصف ذاته العلوية بالبداعة: ﴿ بديع السموات والأرض . ومما تقدم كذلك من أحاديث شريفة، توضح لنا أن الله عز وجل جميل، يحب الجمال، وهو الذي أضفى على جميع مخلوقاته من الجمال والفتنة. وكان الرسول الأكرم وخلفاؤه وأوصياؤه الأئمة الاثنا عشر صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين؛ المثل الرائع والقدوة اللطيفة في الأناقة والتجمل وسمو الذوق والتطيب.

كما وإن التربية الذوقية والجمالية والحسية تربي لدى الإنسان ـ سيما الشباب ـ سمو الذوق الجميل، وتجسد الحس السليم، ولها تأثير عظيم في أنماط السلوك الإنساني والروابط الاجتماعية، وهي أيضاً تفتح الأفق النفسي والعقلي والوجداني لدى الإنسان، وتشده إلى مبدع خلائقه ومصور جمالها في هذا الوجود، الله عز وجل، الخالق المبدع المصور الخبير العليم. فالجمال والتربية الجمالية والخيال الخصب والذوق الجميل والحس الرقيق يعتبر طريقاً إلى معرفة الخالق جلت قدرته؛ لأن ذلك دليل على عظمته سبحانه، وعلى الارتباط العقلي والوجداني به تعالى.

فهذا الكون من سماء وأرض كل ما فيهما من تناسق وجمال وروعة ونظام وترتيب ما هو إلا لوحة فنية خلابة، ومصدر إلهام فني وذوقي وجمالي. وقد أكدت بحوث الفلاسفة الإسلاميين القيم الإنسانية والمثل العليا ( الحق والخير والجمال )، وجعلتها هدفاً أسمى في هذا الوجود، يسعى المرء لبلوغها، وتحقيق مصاديقها، وبناء الحياة على أساسها.

كما تناول علماء الكلام ـ علماء العقيدة الإسلامية ـ وعلماء أصول الفقه والمنطق مسألة الحسن والقبح في الأفعال والأشياء بالبحث والتدقيق العلمي تفصيلاً، فنفوا عن الله عز وجل القبح وفعل القبيح، وأثبتوا له الحسن والفعل الحسن، وأقاموا على هذه المبادئ قيماً وأسساً ومفاهيم تشريعية لتنظيم السلوك الفردي والعلاقات الاجتماعية والروابط الإنسانية؛ فجعلوا الحسن والجمال والبداعة واللطف أساساً لبناء الحياة.

ومن نظرة الإسلام العظيم إلى الحسن والجمال يتعين على الآباء والمعلمين والمربين تأصيل وتعميق هذا الشعور الإنساني اللطيف في نفس الأولاد منذ طفولتهم، وتحبيب الجمال والتجمل إليهم؛ فإن تربيتهم على هذه القيم تعني تنمية الذوق اللطيف والحس الجمالي لديهم، وتعمل على تهذيب سلوكهم وأخلاقهم، وإرهاف حسهم الذوقي، وتجذير قدرتهم على التمييز بين الشيء الحسن والآخر القبيح، والتفاعل مع الجمال المادي والمعنوي.

إن تعويد الإنسان منذ نعومة أظفاره على الأناقة والجمال والزينة، والذوق الأدبي والأخلاقي، ولمسه للعناية الأسرية لهذه المظاهر اللطيفة، ومشاهدته آثار الجمال على البيت، من هندسة بنائه وترتيب حديقته، وتنظيم أثاثه، وترتيب الطعام على المائدة، وكذلك استصحابه في التجوال والسفر، وتمتعه بمشاهدة الطبيعة الجميلة، وانتباهه إلى مواطن الجمال والفتنة، وكذلك غرس الأبوين في نفسه روح التأثر بالمظاهر الجمالية، كل هذه تخلق فيه حساً ذوقياً وجمالياً لطيفاً.

كما وإن الإطراء والمدح على اهتمامه بمظهره وقيافته، وعنايته بترتيب لوازمه وأدواته، وتنظيم وتصفيف لعبه، وكذلك تشجيعه على إنتاجاته الفنية المرهفـة والذوقية مهما كانت بسيطة، كل ذلك يعد من المحفزات الضرورية لتنمية الذوق الجميل والحس الفني والقدرة الإبداعية والأداء الفني الجميل.

كما إن نقد وتقبيح مظاهر القبح، وإشعاره بالنفور والتقزز من المظاهر والمناظر القبيحة والفاقدة للجمال؛ يكون لديه حساً نقدياً وتمييزياً، وذوقا سليماً، ويركز في نفسه الإقبال على الحسن والجمال من الفعل والقول والسلوك والأشياء، والنفور من أشكال مظاهر القبح والفساد ومعانيهما.

وينبغي أن نربي أولادنا على أن الجمال كما يتجسد في الموضوعات الحسية: المظهر في اللباس والعطر والحدائق وطراز بناء البيوت وهندسة الشوارع وتخطيط المدن، واللوحات والواجهات الفنية؛ كذلك فإن الجمال يتجسد في القيم الأخلاقية العليا، والمثل الأدبية السامية الرفيعة، وكذا في الكلمة الطيبة والمنطق الحسن والكلام المؤدب والأسلوب المهذب والمعاملة الحسنة والمعاشرة الجميلة، وفي فعل الخير واحترام حقوق الآخرين؛ كي ينشأوا ويكبروا على القيم الأخلاقية النبيلة، والتحسس بالجمال، وتوظيفه في تهذيب السلوك وتسامي الذوق ورفعة الأدب والأخلاق الكريمة. ولاهتمام الإسلام بالجمال، وطبع شخصية الطفل بطابعه، وتوفير العناصر الجمالية في حياته؛ تراه قد دعا الناس إلى انتقاء المرضعة الحسنة الوضيئة، وكره أن ترضعهم المرأة القبيحة المنظر.

ومما ذكر في الجمال:

قول الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم: « آفة الجمال الخيلاء ».

وقال الإمام أبو جعفر محمد بن علي الباقر صلوات الله وسلامه عليهم: « إسترضع لولدك بلبن الحسان، وإياك والقباح، فإن اللبن يعدي »، « عليكم بالوضاء من الظئورة، فإن اللبن يعدي ».

وجاء في الزبور: ( من أجرم من الذنوب وأعجبه حسنه، فلينظر الأرض، كيف لعبت بالوجوه في القبور وتجعلها رميماً، إنما الجمال من عوفي عن النار ) .

فلو أعددنا شبابنا الإعداد الفني والذوقي والجمالي الحسن؛ فإننا في الحقيقة نكون قد أعددنا مجتمعاً إسلامياً ذواقاً سامياً مرتباً منظماً قوياً؛ وذلك من مظاهر القدرة والمنعة ومن عناصر الحضارة ومعالم رقيها.


8- التربية الوطنية والقيادية:

قال تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأبان لما قدم عليه: « يا أبان! كيف تركت أهل مكة »؟ فقال: تركتهم وقد جيدوا، وتركت الإذخر وقد أعذق، وتركت الثمام وقد خاص. فاغرورقت عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأصحابه، أقول من شدة حبهم وولههم على وطنهم مكة المكرمة.

و روي عنه صلى الله عليه وأله وسلم: « حب الوطن من الإيمان ».

وعن أمير المؤمنين الإمام علي أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: « عمرت البلدان بحب الأوطان »، و« من كرم المرء بكاؤه على ما مضى من زمانه، وحنينه إلى أوطانه، وحفظه قديم إخوانه ».

وقيل في حب الوطن والاعتزاز بالقوم والعشيرة، شعراً:

بلادي وإن جارت علي عزيزة • وقومي وإن شحوا علي كرام

تبين من الآيات القرآنية المباركة، والسيرة النبوية الشريفة وسيرة أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما قيل في الوطن وفي حبه والتضحية من أجل عزته وكرامته؛ أن الإسلام العظيم يولي اهتماماً كبيراً وأساسياً للوطن وحبه والدفاع عنه، إذ فيه عزة الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي. وبالتالي الدين الإسلامي نفسه.

إن التربية الوطنية موضوع أساسي في تنشئة الشباب وإعدادهم إعداداً صحيحاً سليماً، يتناسب والدور الذي سيساهمون فيه لبناء مجد الأمة وعزتها وكرامتها وسؤددها في المستقبل الزاهر بعونه جل وعلا. وقد أحس الإنسان منذ العصور الغابرة بالحاجة إلى إعداد المواطن الصالح:

( فالأقوام البدائية مثلاً كانت وما زالت في بعض البقاع المنعزلة المحجوبة، تعطي أولادها عند البلوغ دروساً نظرية وعملية عن أسرار القبيلة وتقاليدها وعاداتها، قبل إدخالهم في عضويتها، …والرومانيون القدماء كانوا يحفظون أبناءهم مجموعة من أهم قوانين البلاد، أطلق عليها اسم الألواح الاثني عشر ) .

وأهل أثينا ابتدعوا أيام سيادتهم الحضارية أكمل وأصرم نظام ابتكر حين ذلك لإعداد الرجال المواطنين والمقاتلين، ومع أن بركلبس يجاهر بأن أثينا لا تعتمد على ( التدريب الصارم )، ولا على ( البسالة التي تولدها النظم الحكومية )؛ إلا أنه يعترف بأن بني وطنه ( يحرصون على تأدية واجباتهم العامة والخاصة على السواء، فلا يسمحون لأنفسهم بأن ينهمكوا في أعمالهم الخاصة انهماكاً يعرقل إدراكهم شؤون الدولة ) .

لقد كان الرواد الأمريكيون سنوا لولاية ماساتشوستس في أواسط القرن السابع عشر قانوناً يفرض على أولادهم معرفة قوانين الولاية الأساسية وآدابها.

كذلك الفرنسيون أيام الثورة الفرنسية، كانت قوانين البلد تحتم عليهم أن يعلموا أولادهم محفوظات مدنية، وكان الولد يتعهد بتقديم المحبة والاحترام والطاعة والضرائب المستحقة لإمبراطوره نابليون.

كما وإن الإنكليز اهتموا اهتماماً بالغاً في إعداد المواطنين الصالحين للبلاد، بوسيلة عملية التربية، وقد أشار إلى ذلك كتاب آدفر المسمى بـ( نشوء النظرية التربوية ). ولعل تأسيس جمعية التربية لإعداد المواطنين سنة 1935م هو الدلالة الأكيدة على عمق إدراك الإنكليز لخطورة هذا الموضوع. وقس على ذلك ما جرى في ألمانيا النازية، والصين الشيوعية، والاتحاد السوفياتي المنقرض، في القرن العشرين .

ولم يكن الأمر ليقتصرعلى أولئك وهؤلاء، بل إن كل أمة من أمم الأرض إذا أرادت أن تحقق لنفسها السيادة والقوة والغلبة، وأن تجعل ميزان القوى في العالم لصالحها؛ فلابد لها من الالتزام بأسس معينة في تربية مواطنيها، كيما ينشأوا مخلصين لأمتهم، مضحين في سبيل أهدافها ومثلها وقيمها.

ولو تصفحنا تاريخ الأمم السحيق لو جدنا حب الوطن والدفاع عنه كان من المسائل المقدسة البالغة الأهمية عندهم؛ كالآشوريين والبابليين والسومريين والأكديين في العراق، والفينيقيين في بلاد الشام، والروم البيزنطيين في اليونان، والأقباط في مصر، والأكاسرة في ايران، وغيرهم، ممن سادوا في العالم وبسطوا نفوذهم في مناطق واسعة من الكرة الأرضية؛ أيام عزهم وإقامة حضارتهم.

ومما لا ريب فيه أن الأمة الإسلامية، منذ عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم حينما بدأت في سيادة العالم سياسياً وعسكرياً وحضارياً؛ كانت واحدة من نوادر الأمم التي تمكنت من تربية أجيالها تربية وطنية رصينة صالحة، مما مكن المسلمين لأن يتحكموا فترة طويلة وقروناً متطاولة بالميزان الدولي، وجعله يميل إلى كفتهم ويصب في صالحهم، بل وفي صالح البشرية جميعاً، لما في النظام الإسلامي من قوانين وأنظمة وقواعد إنسانية شريفة تخدم الصالح العام.

وكان سبب تقدمها في العالم وسيطرتها على بقعة كبيرة منه ـ إذ وصلت جيوشها شرقاً إلى بلاد الصين وأخضعوها لسيطرتهم، وغرباً إلى بلاد المغرب والمحيط الأطلسي، وشمالاً إلى أواسط روسيا ودول أوربا كآسيا الصغرى واليوغسلاف، حتى عبرت أسبانيا والبرتغال وأصبحت على مشارف بلاد الإفرنج ( فرنسا)، وجنوباً إلى المحيط الهادي والبحر العربي وأفريقيا ـ كان سبب ذلك الفتح الهائل هو كونها من الأمم الفكرية المتميزة بروحية عقيدتها وسماوية تشريعها وأخلاقية رسالتها؛ فطبيعي هكذا أمة تمتلك كل عناصر القوة والغلبة أن تكون كذلك، وحينما يغمر روادها مواطنيهم بالحب والعطف والرعاية والاهتمام والألفة والاحترام؛ ففي ذلك تحقيق رضا الله عز وجل، ونيل الهدف السامي الذي من أجله بعث الإسلام لهداية الناس جميعاً إلى الخير والتوفيق والسعادة.

يجسد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب هذا المعنى في رسالته إلى ولده الإمام أبي محمد الحسن المجتبى صلوات الله وسلامه عليهما مؤكداً في قوله: « يا بني، إجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب أن تظلم، وأحسن كما تحب أن يحسن إليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ».

هذه هي المواطنة الصالحة التي يحدد إطارها الإمام علي عليه الصلاة والسلام، فكما يحب المسلم أن يعامل، لابد له أن يعامل الناس بمثله. هذه هي نظرة الإسلام بعينها إلى المواطنة الصالحة. ويحدد الإمام علي صلوات الله وسلامه عليه أيضاً معيار هذه المواطنة الصالحة، حين يحث المسلمين على السعي إلى الإصلاح والثورة بوجه الظلم والانحراف؛ فيقول:

« إن من رأى عدواناً يعمل به ومنكراً يدعى إليه،فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ، ومن أنكره بلسانه فقد أجر، وهو أفضل من صاحبه، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى؛ فذلك الذي أصاب سبيل الهدى، وقام على الطريق، ونور في قلبه اليقين ».

يقول حجة الإسلام والمسلمين العلامة السيد محمد تقي المدرسي في كتابه ( المجتمع الإسلامي: منطلقاته وأهدافه ) ما نصه: ( الصراع القائم بين الإسلام والجاهلية صراع ذو أبعاد مختلفة، ثقافية واجتماعية واقتصادية وسياسية وعسكرية، وبالتالي فهو صراع حضاري شامل، لا يختص بجانب من جوانب الحياة دون آخر.

وهذا الصراع الشامل لا يمكن كسبه إلا بتكثيف الجهود وتركيزها، فلا يمكن أن نقاوم الغرب والشرق اللذين يسعيان للتسلط علينا وقهرنا عن طريق الثورة السياسية وحدها، أو بالعمليات العسكرية فحسب، أو بالثورة الثقافية فقط، أو بالتحدي الاقتصادي والوصول إلى الاكتفاء الذاتي في حقل الإنتاج؛ وإنما علينا أن نقاوم الحضارات المادية العدوانية، بتأسيس حضارة إسلامية متكاملة الأبعاد.

وحينما نقول حضارة ـ و لا يزال الكلام للعلامة المدرسي ـ فإننا نقصد بها التحول الثقافي والاجتماعي، ومن ثم الاقتصادي والسياسي والعسكري والعمراني، وفي كل الجوانب وعلى مدى واسع. وكذلك العمل من أجل تكوين كياننا، لمقاومة الأعداء عن طريق تكثيف وتركيز الجهود. وذلك غير ممكن إلا عن طريق البرامج الرسالية، ذلك لأن الحضارات المادية قد سبقت الحضارات الروحية من حيث الوسائل؛ فلابد أن نتسلح بسلاح لا يوجد عند أصحاب تلك الحضارات، ونركب قاطرة أسرع من تلك التي امتطوها حتى بلغوا هذا المستوى، وهذه القاطرة ليست فقط الأخذ بالعوامل المادية، وإنما كذلك الأخذ بالبرامج الروحية.

وهذا لا يعني أن نسد كل الأبواب، فلا نستفيد من تجارب الآخرين، ولا نطلع على ما يجري في المجتمعات الأخرى، وإنما علينا أن ننفتح على العالم، ولكن دون أن ننسى تلك الميزات الحضارية التي نمتلكها … وتلك الأسلحة التي لا تزال بأيدينا، والتي ينبغي أن نجعلها في حسابنا لنستفيد منها عمليا،ً فمن دون ذلك لا نصل إلى أي واقع إيجابي.

إن الوصول إلى الحضارة الحق غير ممكن إلا عبر البرامج الروحية، إن أولئك الذين يريدون أن يصلوا بأمتنا إلى مستوىً حضاري أرفع من الحضارات الغربية، دون أن يأخذوا الجانب الروحي بنظر الاعتبار؛ هؤلاء فاشلون سلفاً. وكل الإحصائيات العلمية، والتحليلات السياسية، والبحوث الاجتماعية تؤكد على فشلهم هذا، لأن الفجوة تتسع يوماً بعد آخر، وبكل أبعادها، بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة .

فكيف نلحق بهم؟ وكيف نردم هذه الفجوة الآخذة في الاتساع؟

إن الجهود التي بذلت عبر القنوات القومية أو الوطنية، أو القنوات الحزبية أو الاشتراكية، وما أشبه، كانت جهوداً جبارة؛ وكأنها ليس فقط لم تنجح في ردم الفجوة بين الدول المتخلفة والدول المتقدمة، إنما ساهمت في زيادة اتساعها، لأنها كانت بضاعة الأجنبي ردت إليه، ولأن هذه الجهود صبت بالتالي في تلك القنوات التي حفرتها الإمبريالية بطريقة تعود مرة أخرى وتصب لصالحها …

لقد بقينا نستجدي الأفكار من هذا وذاك، وبعد أن أخذناها وعملنا بها؛ رأينا أنها أفكار تدعو إلى عبوديتنا لهم مرة أخرى، وتعمل على ذلتنا وتفتتنا واستضعافنا) .

إننا ولكي نردم هذه الفجوة بين بلداننا وبين البلدان المتقدمة، ليس أمامنا طريق إلا الرجوع إلى تلك البرامج الروحيـة التي وضعها الإسلام. هذه البرامج التي هي ليست كفيلة فقط بانتشالنا مما نحن فيه؛ وإنما هي أيضاً طريق واضح ومستقيم للوصول بنا إلى أسمى الأهداف في الدنيا قبل الآخرة.

وهنا نعرض شذرات من هذه البرامج تعلمنا كيف يجب أن يعامل أحدنا الآخر؛ علنا نستضيء بنورها في طريقنا لإقامة الحضارة الإسلامية المتكاملة التي ننشدها بإذن الله.

عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قال: « إن من إجلال الله، إعظام ذوي القربى في الإسلام ».

وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً قال: « من لم يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً فليس منا ».

وعن الصادق عليه السلام قال: « لا يعظم حرمة المسلمين إلا من عظم الله حرمته على المسلمين، ومن كان أبلغ حرمة الله ورسوله، كان أشد حرمة للمسلمين، ومن استهان بحرمة المسلمين فقد هتك ستر إيمانه ».

ولكي يعمق الإسلام شعورك بالوحدة مع المؤمنين، يقول: « إن المؤمن ليسكن إلى المؤمن كما يسكن قلب الظمآن إلى الماء البارد ». بل يقول لك حينما تجلس عند أخيك المؤمن فأكثر النظر إلى وجهه؛ فإن كثرة النظر تزيد الحب المتبادل، يقول رسول الله : « نظر المؤمن في وجه أخيه حباً له؛ عبادة ».

ويقول أيضاً: « ألا وإن ود المؤمن من أعظم سبب الإيمان، ألا ومن أحب في الله وأبغض في الله، وأعطى في الله عز وجل؛ فهو من أصفياء المؤمنين عند الله تبارك وتعالى. ألا إن المؤمنين إذا تحابا في الله عز وجل وتصافيا في الله، كانا كالجسد الواحد، إذا اشتكى أحدهما من جسده موضعاً وجد الآخر ألم ذلك الموضع ».

وبقدر ما توجب على الإنسان المسلم المواطنة الصالحة، فقد توجب عليه أيضاً الدفاع عن حياض دينه الإسلامي الحنيف، والمحافظة على ثغور وطنه الإسلامي العزيز.  فقد قال الله عز وجل في قرآنه الكريم: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم أقررتم وأنتم تشهدون . وقوله تعالى: ﴿ لاينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون .

وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « إن الله عز وجل يبغض رجلاً يدخل عليه في بيته ولا يقاتل ».

وقال أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه، بعد غارة الضحاك بن قيس ـ صاحب معاوية ـ على الحاج، بعد قصة الحكمين، وهو عليه السلام يستنهض أصحابه لما حدث في الأطراف:

« أي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي تقاتلون »؟!

مع أن القتال والحرب دمار للإنسان وإزهاق للأرواح واستهلاك للطاقات البشرية وهدر للقدرات الإنسانية؛ إلا أنه إذا وصلت الحال إلى غزو الأوطان والاعتداء على أهلها وإخضاعهم وإذلالهم، توجب حين ذاك أن يهب أهلها للدفاع عن حيا ضها وعن كرامتهم وعزتهم ومقدساتهم. ليس هذا فقط، إنما حتى في حالات الهجوم في سبيل الفتح الإسلامي المبارك ونشر الدعوة الإسلامية الحقة، نجد أن كثيراً من الآيات القرآنية المباركة والأحاديث الشريفة تحث المسلمين على تعزيز جيشهم الإسلامي والانضواء تحت لوائه للجهاد في سبيل الله تبارك وتعالى، لنشر تعاليم الدين الإسلامي الحنيف أولاً، ثم لأجل حماية الناس المستضعفين من الظلم والاستعباد والاستبداد، وإنقاذ البشرية من براثن الفساد وسلطات الجور، ومن مهابط وانزلاقات وانحطاط وتفسخ خلقي واجتماعي.

فقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير . وقوله تعالى: ﴿ والذين جاهدوا فينا لنهد ينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين .

وقال رسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وآله وسلم: « السيوف أردية المجاهدين ». وقال صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً: « الخير كله في السيف، وتحت ظل السيف، ولا يقوم الناس إلا بالسيف، والسيوف مقاليد الجنة والنار ».

وقال وصيه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه: «السيف فاتق، والدين راتق، فالدين يأمر بالمعروف، والسيف ينهى المنكر، قال الله تعالى: ﴿ ولكم في القصاص حياة ».

على أن الجهاد في سبيل الله جل وعلا يجب أن يربي وينمي لدى الإنسان المجاهد ملكة جهاد النفس، والترفع عن أنواع الظلم والفساد وكبح جماح النفس عن اتباع هواها. فنجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يؤكد على هذا المعنى بقوله الشريف لسرية رجعت من قتال المشركين:« مرحباً بقوم قضوا الجهاد الأصغر، وبقي الجهاد الأكبر ».

فقيل: يا رسول الله! وما الجهاد الأكبر؟

قال: « جهاد النفس »، وقال: « أفضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه ».

يتضح من هذا أن الإسلام العظيم حين يدعو إلى القتال والجهاد لا لأجل القتال والاعتداء والدمار؛ إنما هناك قيم سامية وأهداف نبيلة وخير ونفع وفائدة وسعادة للطرفين، لا تتحقق إلا بالقتال وسفك الدماء، فالطرف الذي يقاتل تحت راية الإسلام يحرز النصر والغلبة والقوة والعزة والكرامة في الدنيا، والأجر والثواب وطيبات الجنة في الآخرة، ولو قتل جهاداً في سبيل الله عز وجل كان شهيداً وهي أعلى مراتب البر والإحسان عند الله تبارك وتعالى.

أما الطرف الآخر الذي يغزى من قبل جيش المسلمين، فهو كذلك يحصل على النعمة الإلهية بدخوله في الإسلام والاستظلال بظله الوارف الظليل، ويتربى بتعاليمه السامية وقيمه الشامخة وأخلاقيته الشريفة وآدابه اللطيفة الظريفة، وتدركه رحمة رب العالمين، ويتخلص من ظلم الظالمين وجور الجائرين.

ولم يكن الإسلام العظيم دين حرب ودماء وإبادة وخراب، إنما هو دين حق وعدل وإنصاف ومروءة وأمن وسلام ومحبة. لاحظ قوله جل وعلا: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين . وقوله تعالى: ﴿ … فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً .

هذا وإن للحرب عند المسلمين قواعد وأصولاً وأسساً ثابتة، فهم لا يقاتلون أحداً جزافاً، ولا يهجموا على بلد يريدون نشر الإسلام العظيم فيه بغير قواعد وأصول وأسس؛ إنما كانوا يعرضون الإسلام عليهم، فإن أبوا فدفع الجزية، فإن أبوا فالحرب. والحرب لم تكن مباغتة وغدراً، إنما مع النصح والإنذار.

والمسلمون لهم كذلك قواعد وأصول حين الهجوم أثناء الحرب والقتال، وهذه القواعد والأصول تحتم عليهم أن لا يقتلوا الأعزل من السلاح، ولا الشيخ الكبير، ولا الطفل الصغير، ولا المرأة، ولا المريض، ولا الأسير، ولا يخربوا الديار، ولا المزارع والأشجار، و… غيرها من القواعد المتعالية التي يلتزم المسلمون بها، وهي من شيمهم وصفاتهم الحميدة المعروفين بها تاريخياً.

فمفهوم القتال إسلامياً يعني الدفاع عن الحق والعدالة والإنصاف والمروءة، ودفع العدوان والاستغلال والظلم والانحلال، وإزاحة كابوس الطواغيت عن طريق الهدى والسلام. قال الله عز وجل في القرآن الكريم: ﴿ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً .

وكم عظيم هو هذا المبدأ الإسلامي الذي ثبته الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله الشريف المبارك: « وهل الدين إلا الحب »؟!

أما وصيه أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه فاسمعه يقول: « جماع الدين في إخلاص العمل، وتقصير الأمل، وبذل الإحسان، والكف عن القبيح ».

وأما الإمام أبو الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله وسلامه عليهما فيقول: « لا دين لمن لا ورع له ».

ما أروع آداب الإسلام وأبدع خلقه وأشمل إنسانيته وأكمل تعاليمه؛ لذا جعله الله تبارك وتعالى خاتمة الأديان السماوية المقدسة كافة. وأمر جميع الناس باعتناقه، إذ قال في محكم كتابه الكريم: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام . وقوله تعالى: ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين .

وشتان بين جيلين من الشباب، جيل يعيش على الحرب والدماء والخراب والدمار، ويتخذها وسيلة للظلم والاستغلال والعدوان واستعباد المستضعفين؛ ليشبع نهم نفسه الشريرة، ويبسط غطرسته وتجبره عليهم. وجيل يعيش نظرية الحب والسلام، والأخوة والمساواة والعدالة، ويعتبر الحرب أداة لرد العدوان، ووسيلة للدفاع عن الحق بكل صنوفه وأينما وجد.

فمرحباً بشبابنا المسلم، خير الشباب، المؤمن الخير النبيل الشريف، المتعالي على الظلم والفساد والأنانية والحقد، الملتزم بتعاليم السماء المباركة البديعة، والمثل السامية الرفيعة، والقيم الإنسانية المنيعة، النخبة الطاهرة الساعية إلى نشر المكارم والفضائل النبيلة، والآداب الجليلة، والمبادئ اللطيفة الجميلة.