ألبوم الصور
عشر ريال
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3279298
ضرب الزوجة... كيف تفعلها أيها «الرجل»
ثريا الشهري - « الشرق الأوسط » - 21 / 4 / 2004م - 12:55 ص


تنقسم المجتمعات العربية إلى فئات طبقية تختلف بحسب وضعها الاقتصادي والديني والقبلي وأيضاً الجنسي، وإن كانت تشترك جميعها في خصائص العلاقات الهرمية التي تحكم أفرادها فيما بينهم، من علاقة الأب بأبنائه وبخاصة زوجته، إلى علاقته مع دولته، وكما أن العائلة هي الخلية الأساسية في المجتمع، تكاد تكون أيضاً الأداة الاجتماعية الوحيدة التي تكتسب المرأة من خلالها حق المواطنة، وهو استحقاق لم تتعود المرأة أن تحصل عليه كفرد في هذا المجتمع وإنما كعضو في العائلة أولاً، مما شكل معه نوعاً من التوسط فيما بينها وبين الدولة، كثيراً ما كانت تتسع مساحته أو تضييق بقدر هيمنة النظام الأبوي أو سماحته، وعلى اعتبار تذبذب منهجية المؤسسة الأبوية ما بين الدين الصحيح والأعراف البالية الملتبسة بالدين، وما بين العلم والجهل، فإن تمثيل هذا الوسيط في الأدوار التي تخص المرأة لم يكن دائماً بالدرجة الواعية والناضجة التي كان لها أن ترتفع بمؤسسات المجتمع المدني، مما أفقد المرأة شخصيتها فأصبحت معه ملحقة بالرجل الذي لم يكن وضعه بأفضل منها.

فالرجل عندما أضعف من مكانة المرأة تسبّب بوهن امتد إليه من دون أن يدري، فما المرأة إلا جزء من قوة البنية المجتمعية أو ضعفها، وإذ نحن نتحدث عن استقلالية المرأة واحترام حقوقها فهو أمر لا يعني أبداً انفصالها عن عائلتها أو مجتمعها، كما لا يدعو إلى مساواتها المطلقة مع الرجل، فلكل جنس فروقاته وخصائصه ووظائفه التي سُخر لها، كما لا يعني أبدا تحررها من قيم الدين والإنسانية ورفض التراث بكل ما فيه، وإنما هي الصرخة التي تنادي باحترامها كإنسانة وأم وزوجة وابنة، وبضمان حقوقها كما نص عليها الإسلام وقانونه بمعزل عن أمزجة الرجال ومصالحهم الخاصة، أكثير على المرأة أن تُحترم آدميتها!

هل يصح أن تتزوج المرأة من رجل تحمل اسمه وتلد أبناءه وتعاشره السنين، فإذا اختلفت معه، أياً كان السبب، وجدت نفسها وهي تُداس وتُضرب رفساً وامتهاناً! أيُ حب سيبقى في قلبها لهذا الزوج، وأيُ مشاعر غيظ وغضب ستعتمل في نفسها منه! وأي إحساس بالألم ستتجرعه وهي تقف أمام من ضُربت أمامهم أو عرفوا بقصتها! ثم يأتي من يقول إنه شرع الله الذي أمر بضرب النساء، هكذا من دون توضيح وشرح. ولن أقف هنا عند الضرب المبرح من عدمه، ولكني أقول إنه إذا كان معنى الضرب في اللسان العربي قد يعني ضرب الأمثال، أو ضرب النقود، أو الضرب في الأرض، أو ما تعنيه عبارة مثل ضربت الدولة بيد من حديد على الخارجين عن القانون، كما قد يعني أيضاً الصفع واللكم، فلم انتق من جميع تلك المعاني ما وافق الهوى والميل، تماماً كمن يستمع إلى القول فيتبع أسوأه!

ثم ولم علينا أن نأخذ بقول السيوطي ونترك ما أورده المحدّث أبو داود في سنته حول هذه الآية بالذات حين قال إن بعض الصحابة فهمَ من (واضربوهن) المعنى المباشر لها، فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تضربوا إماء الله»، ولمَ بعد أن نقرأ قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما جاء في البخاري ومسلم: «أيضرب أحدكم امرأته كما يُضرب العبد ثم يضاجعها في آخر اليوم» لا نلق له بالاً؟ فالمرأة ناشز والعظة وهجران المضجع لم يخلقا لمثلها، أمّا الضرب فهو ما نصت عليه الآية ويجب القفز إلى تنفيذه وإن كان على حساب الترتيب في التدرج العلاجي، بصرف النظر عن الاختلاف الوارد حول المقصود بالكلمة وهل هو الضرب الخفيف للتنبيه، أم الضرب على الأيدي باتخاذ التدابير الصارمة، ولم إذا علمنا، كما جاء عن المؤرخ بن سعد في «الطبقات» أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يضرب بيده البتةً أياً من نسائه، ولا حتى العبيد، وأنه حين وجد نفسه صلى الله عليه وسلم في مواجهة تمرد بعض زوجاته عليه، لم يزد على أكثر من اعتزالهن وإقامته وحده في غرفة تابعة للجامع، أقول لمَ إذا بُلّغنا بهكذا تدبير لا نقتدي به وصاحبه خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم ومن أمر الله جميع خلقه بطاعته!

والأسئلة الملحة التي لا يملك إجابتها إلا الرجل وحده: كيف لا يؤرقه ضميره، حتى بعد معرفته بأكثر مما ذُكر، أن يكون السبب في الإضرار بنفسه وبزوجه وبأبنائه؟! أي منطق يُسوغ له أن يستعلي وينزع الرحمة من قلبه ويضرب من لا تملك أن تضربه؟! دون أدني تفكير بمستقبل أحبائه وهم يرون أباهم وقدوتهم كيف يعامل أمهم، من دون أن يأبه لهؤلاء الأبرياء وإلى أي مدى يمكن أن يؤثر تصرفه الأرعن في دفع دفة حياتهم وإلى الأبد في طريق مظلم؟! ثم أياً كان الجرم الذي اقترفته هذه الزوجة فقد جاء الدين بالحل الأمثل، فمن استحالت عشرتها فتسريحها بإحسان هو الخلاص. بل إن القرآن قد خص الزوج بشرف إظهار نبل أخلاقه عند الطلاق، فمن المعروف عن الإحسان لغة أنه التنازل عن الحق إكراماً لحق الغير، ومن المقصود بالغير هنا غير الزوجة طاعة لله ولرضاه، أمّا أن يمسكها زوجها فيهدر إنسانيتها يوماً بعد يوم حتى تستحيل معه إلى تمثال صخر منحوت بالأنانية والحقد، لا يصلحة لا لعطاء ولا لتربية أبناء أو سكنى زوج، وقد يُعطب فيحتاج إلى من يجبر كسره فلا يجد من يداويه، بل من يرمي به فلم يعد له من حاجة ولا حتى لمجرد العرض، فأي خسارة وبيد راعيها؟! وأي زوج لو علم قبل أن يهوي بالضرب على زوجته كيف سيكون بيده قد خط نهاية علاقته بها، فلن تعود له الزوجة التي كانت وإن حاولت! أي حمق أكبر من هذا. والأدهى والأمرّ حين تنهار الأسرة فلا تجد من يأخذ بيدها بالسرعة التي تحفظ لها حقوقها، فتجد الواحدة منّا نفسها وقد انفطر قلبها على انهيار بيتها وتشرد أطفالها، فلا يكون أمامها من خيار سوى العيش بين نيران التضحية بذاتها والصبر على الضيم مع أبنائها، أو العودة إلى أهلها مطلقة من دون أطفالها، فالأهل غير ملزمين بتربية أبنائها والصرف عليهم، والمحاكم غالباً ما تأخذ وقتها في الفصل في مثل قضاياها، من دون مراعاة أن ثمن اليوم الواحد الذي يدفعه الطفل وهو فاقد للأمان الأسري لا يعدله بديل وإن جادت الأيام بالعوض المادي، وهو أمر تختص به وزارات العدل في معظم البلاد العربية، فمن المستغرب أن يكون القاضي الذي يحكم في القضايا العقارية والتجارية وغيرها هو نفسه الموكل بالحكم في قضايا الأسرة!

إن الحاجة تصل إلى أشدها، في بعض بلادنا العربية، لضرورة تخصيص محكمة مستعجلة للبت في أحكام الحياة الزوجية أو الأسرية وكل ما يتعلق بالنفقة وحضانة الأطفال وبناء هذه المؤسسة المقدسة من هدمها، والتي ينبغي أن تكون محكمة منفصلة عن غيرها من المحاكم التي تتعامل مع ما عداها من قضايا.. محكمة لا تقبل بالوكالات وعدم حضور الزوج.. محكمة تصدر الحكم المستعجل وتعمل على متابعة تنفيذه قبل أن تقع أجسم الأضرار.. محكمة تسمع للزوجة والأم كما تأخذ بأقوال الزوج فتنصف في الحكم بحسب تقدير الحالة ورجاحة عقل القاضي ومدى تفقهه، وهي شروط تحتاج جميعها إلى سنوات من العمل والقراءات، فمن الصعب توفرها لدى حديثي السن أو التخرج مهما اجتهدوا، لأنها مسألة لا تقتصر على علم القاضي وحده بل يدخل تحت بنودها حكمته وحنكته وفراسته التي جاءت مع بياض شعره.

وغاية العلم بالشيء، أن الرجال الذين يذلون نساءهم إنما يأتون بعبيد لغيرهم، فكما يتغذى أبناؤهم على ثقافة الظلم فيستسيغونها، لا يكون في نفوسهم شيء من الكرامة ولا من الشمم، وأمة تُخرّج أبناء كهؤلاء فإنها لا تربي إلا أذلاء فاسدين لا يسعون في عزتها، بل يعينون على خرابها بجهلهم الذي غالباً ما يقودهم إلى الانحراف لرذيلة أو إرهاب، إمّا لتعويض نقص في أنفسهم، أو لتغرير حصل بمنأى عن رقابة أهل يعيشون في مجتمع ارتضى لهم هذا المصير.