ألبوم الصور
عين طيبة
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3279301
الأسرة النموذجية
الدكتور ميثم السلمان - 31 / 3 / 2004م - 4:40 م


التربية مهنة ووظيفة تكسب مكانتها السامية من كونها المهمة المحورية المناطة للانبياء والرسل اذ بها تصحح الذهنية وبها ينمو الادراك وبها تحفز الهمم وبها تطور القدرة وبها تهندس الشخصية ويبنى المجتمع وتصنع الامم.

التربية والاخلاق والنفس :

 تهدف التربية بمعناها العام للوصول بالإنسان إلى حد الكمال في كل مجال من المجالات التي ينطوي عليها، سواء في العبادة او الذكاء أو القدرات العقلية أو الشخصية.. إلخ، وبما ان الاصل في التربية يكمن في السعي لاحداث تغيير نحو الافضل فانها تلتقي مع طبيعة صنعة الانسان اذ خلق الانسان ساعيا لبلوغ الكمال ونافرا من النقص.  وهذا التصور يسهل على الشخصية التربوية جسرنة القيم والمبادئ الاسلامية في الحركة التوعوية الساعية الاحداث تغيير ايجابي على مستوى لفرد اذ لا يوجد جمال كامل كجمال الله ولا يوجد كرم في الارض يضاهي انعكاس جرئيا لكرم الله المطلق .  ولا توجد شخصية عقلائية لا تنفر من اكل الكلب وشرب بول الثور كما هو منشر عند بعض المجتمعات الملحدة ولا توجد شخصية كريمة في الارض لا تنفر من شخص يلاقي المتكرم عليه بالبيت والسيارة والمعامل له برحمة لا مثيل لها بالنكران والتحدي؟  فما بالكم بالله سبحانه تعالى!

والتربية وان كانت تسعى لبلوغ الكمال الا ان تحقيق هذا الهدف مستحيلا، لعدم تحديد معيار الكمال ودرجاته، فإن الهدف الأكثر خصوصية والممكن تحقيقه هو مساعدة الإنسان على تنمية شخصيته وعناصرها إلى الحد الذي يسمح به نضجه الجسدي واستعداداته الفيزيولوجية التي نشأ عليها. من ذلك فمن المتوقع لعملية التربية ألا تكون سهلة، بل لا بد من التسليم بأنها وسيلة معقدة تدخل في استخدامها وإعدادها جهات متعددة تبدأ بالأسرة الصغيرة وتنتهي بالمجتمع.

والعملية التربوية في أساسها عملية أخلاقية لأنها تتعامل مع الإنسان ككل - جسدا وروحا ونفسا - بحيث تضمن له أفضل استثمار لقدراته وإمكاناته إلى الحد الذي يشعره هو والمحيطين به بالرضى والسعادة؛ لذا ليس من المستغرب أن أطلق (جون ديوي) مقولته: (إن عملية التربية والأخلاق شيء واحد، ما دامت الثانية لا تخرج عن كونها انتقال الخبرة باستمرار من أمر سيء إلى آخر أحسن منه)، وهو ما يجعل النمو والتاصيل الأخلاقي الهدف الأسمى للعملية التربوية كلها.

الارساء الاخلاقي في العملية التربوية والالتقاط الاخلاقي

ويبدو أن تنحّي الأخلاق ودورها في تنمية المجتمع الإنساني ككل في هذه النظريات إنما يعكس جوانب ذاتية في شخصية المنظرين أنفسهم، كما تعكس البيئات التي عاشوا فيها، والتي حكمتهم بمعاييرها ومحكّاتها المختلفة التي تؤكد النزعة للتملك وللمكاسب المادية والمصالح أيا كانت الطريقة المتبعة في ذلك، وفي ضوء مقولة (الغاية تبرر الوسيلة) وفي ضل الايمان الاجتماعي السائد في هذه الدول بضرورة فصل الدين عن كل ادوار الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية والفكرية والنفسية والادارية والقضائية والقانونية وغيرها.

لذلك فإن التربية الأخلاقية تبدو عملية صعبة شاقة تتطلب منظرين أكفاء ومنفذين قادرين على غرسها في نفوس النشء، متجاوزين عناصر الذاتية ودوافع التملك والسيطرة وتعارض المصالح. إن مراجعة الأنظمة التربوية والتأمل للأسس الارساء الاخلاقي السائد في الدول العربية والإسلامية تبين ميلنا لتقليد ومحاكاة معايير المجتمعات الأخرى الأقوى صناعة وتقدما، والأكثر سيطرة على العالم، الاقوى في مجال هندسة المعلومة الاعلامية بصورة تستقطب عقولنا وتغزو نفوسنا.  ويا للاسف ناخد انظمتهم التربوية متناسين غياب المعايير الأخلاقية في تلك المجتمعات أو على الأقل ندرة الاعتماد عليها، ومتناسين أن هذه الأسس التربوية تتفق وطبيعة هذه المجتمعات ولكنها لا تتفق كثيرا مع طبيعة مجتمعاتنا وما يحث عليه الدين الإسلامي الحنيف من التوازن بين الذاتية والغيرية انطلاقا من مبدأ وقاعدة ( لا ضرر ولا ضرار ).

لا شك أن هذا يعني بشكل أو بآخر أننا كمنظرين تربويين ونفسيين اسلاميين تناط بنا مهمة وضع أسس تربوية خاصة بنا تعتمد من ناحية على رؤيتنا الاسلامية في هذا الميدان وتستند من ناحية أخرى على الاستفادة مما هو جارٍ في عالمنا المعاصر، على أن نأخذ منه السمين ونترك الغث الذي لا يتفق ومعاييرنا الإسلامية المحمدية الاصيلة، منطلقين من فكرة علم نفس إسلامي أو علم تربية إسلامي بالمعنى الذي يرتبط بأسسنا الدينية المسلم بها، وليس بالمعنى المرتبط بالتفرد والتميز بعيدا عن علم النفس الإنساني ككل.

مزايا الأسرة النموذجية:

لكي تكون الأسرة متميزة ، ومحقّقة لغاياتها النبيلة ، لا بد لها أن  تتّصف بما يأتي :
 
أولا : العبودية لله :
ويتم من خلال تنشئة أفراد الأسرة على العبودية لله ، وغرس مبادئ الإسلام في قلوب أفرادها ، وتربيتهم عليها ،
حتى يكون لسان حالهم ومقالهم :﴿ قل إنّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه ربّ العالمين  (الأنعام : 162) .

 ثانيا : إحكام الزمام :
ونعني به جدية الوالدين في الحياة الأسرية ، وإتقانهم لوظائفهم ، وقيامهم بمسؤولياتهم تجاه الأسرة والمجتمع ، مع قوة ربط الأسرة بمحورها، ودفعها لتحقيق أهدافها ، وحثّها للوصول إلى غاياتها .

 ثالثا : إبراز القدوات :
وفي مقدّمة القدوات الأسرية الوالدان ، فكلما استجمعا صفات القدوة كلما ازداد تميّز الأسرة .

رابعا : تنمية المهارات :
اكتشاف مواهب وقدرات أفراد الأسرة ودفعها إلى البروز ، وذلك من خلال تنميتها وتشجيعها ، وإيجاد الفرص لصقلها ونضوجها، من خلال دورات تدريبية، أو تخصصات أكاديمية ، برامج أسرية مثلا .

خامسا : الإقناع بضرورة التميز :
ويكون بترسيخ القناعة على ضرورة التميز لدى الأسرة ، وأن كل فرد من أفراد الأسرة عنده من القدرات والملكات ما يؤهله للوصول إلى ما هو أفضل مما هو عليه الآن، وأن من العيب أن يقعد الإنسان عن استكمال نقصه .
وفي ذلك يقول الشاعر :
ولم أر في عيوب الناس عيبا                 كنقص القادرين على التمام

فتترسخ القناعة بالقدرة على التميز في قلب كل فرد منها .

سادسا : تجاوز  العقبات :
إن طريق التميز فيه من العقبات ما يقعد أصحاب الهمم الدنيئة ، والهمم الضعيفة ، ولذلك فإن المتميزين هم أقدر الناس على حلّ المشكلات وتجاوز المعوقات .
 
سابعا : إتقان فن التربية :
البشر يتفاوتون في طباعهم ، ويختلفون في نفسياتهم ، وإن كانوا من أسرة واحدة . وتربيتهم وفق هذه المتغيّرات يحتاج إلى فنّ في التعامل معهم ، وكسب ثقتهم ، وضمان استجابتهم لما يريده من مبادئ وقيم .

ثامنا : تهيئة البيئة الأسرية :
التميز لا ينبت في الأرض السبخة والطقس المتقلب الهائج بالمشكلات الأسرية والاضطرابات النفسية. فكلما كان جو الأسرة يسوده التفاهم والتوائم بين الأفراد مع قلّة المشكلات الزوجية ، كان ذلك عونا على زيادة فرص التميز والإبداع .

تاسعا : التقلل من المباحات :
لقد ملئ عصرنا بوسائل اللّهو ، وتفنن في أساليب صرف المرء عن المعالي بألوان من مضيعات الوقت ومفسداته. والإنسان يميل بطبعه إلى الترفّه وحب اللهو بألوانه المتعددة ، وصوره المختلفة ، مما يعيقه أو يصرفه عن التميز . فأقلل حظّك من المباحات ، واحمل نفسك على مكابدة الصعود إلى المعالي .

عاشرا : السعي نحو التميز :
التميز نعمة وفضل ، والفضل كله بيد الله عزّ وجلّ ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع . قال تعالى : ﴿ قل اللّهمّ مالك الملك تؤتي الملك من تشآء وتنزع الملك ممّن تشاء وتعزّ من تشاء وتذلّ من تشاء (آل عمران : 26) . وقد سلك الأنبياء ( عليهم السلام ) سبيل الدعاء ، وسلك المؤمنون سبيلهم ( عليهم السلام ) ، حيث سألوا الله التميز ، فقال قائلهم : ﴿ واجعلنا للمتّقين إماما (الفرقان : 74) .

تربية البنات :

لم تقتصر الشريعة الإسلاميّة الحقّة في تربيتها للإنسان على تربية الولد فقط، بل شملت البنت كذلك وربّما اهتمّت بتربية البنت أكثر؛ لأنّها الوعاء الذي يحفظ الأجنّة وينمّيها، والحضن الذي يكتنف الإنسان الوليد ويرعاه ويربّيه ويؤدّبه، والصديق الذي يلازم الإنسان طفلا وحدثا وشابّا، ويعينه في أموره، ويرشده ويرفده برأيه المجرّب حينما يلزم، وحقّا قيل وراء كل عظيم امرأة.

مكانة المرأة في الإسلام:

قال الله عزّ وجلّ:﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم موّدة ورحمة إنّ في ذلك لآيات لقوم يتفكّرون. وقال رسوله الكريم : « خير أولادكم البنات ».

وورد عن الإمام أبي عبد الله جعفر الصادق صلوات الله وسلامه عليه، أنه قال:«البنات حسنات، والبنون نعمة؛ فإنّما يثاب على الحسنات ويسأل عن النعمة».

 تربية البنت:

إنّ التربية الإسلاميّة تحثّ الوالدين على حبّ البنت وإكرامها، لتمتلئ نفسها ارتياحا واطمئنانا ووثوقا، ولتنشأ في ظلّ أجواء نفسيّة وتربويّة طيّبة، تعدّها وتؤهّلها للحياة الاجتماعيّة المستقبليّة، وتمكّنها من التعامل مع الآخرين بوحي من تلك القيم، وتكون سليمة من الأمراض النفسيّة والعقد الاجتماعيّة؛ فتكون بذلك الأمّ الصالحة لتربية أولاد صالحين، تخرجهم إلى المجتمع أفرادا نافعين وعناصر خيّرين.

إنّ القرآن الكريم حينما يتحدّث عن المرأة والرجل، والإنسان، والناس، والذين آمنوا؛ إنّما يقصد بذلك الجنس البشريّ الواحد، بعنصريه الرجل والمرأة، وفي نظره أنّهما يقومان على أساس التكامل ونظام الزوجيّة العام في عالم الطبيعة والحياة، وهو في آيات مباركة كثيرة يعلم عن هذه الحقيقة العلميّة الثابتة( وحدة الجنس البشري)
ومن هذه الآيات: ﴿خلقكم من نفس واحدة .

وأمّا ما تختلف المرأة به عن الرجل إنّما هو لتركيبها العضويّ والفسلجيّ، وتكوينها النفسيّ، ووظيفتها الحياتيّة كأنثى، تلد وترضع وتربّي، وتحمل غريزة الأمومة والميل الأنثوي، وأنّها هي التي تسيّر إدارة البيت وشؤون الزوج والأولاد؛ لذا تعيّن أن تتلاءم تربية الأنثى وإعدادها مع تركيبها النفسيّ والجسميّ ودورها في الحياة. لذا نرى أنّ هناك عناصر تربويّة مشتركة بين الجنسين، كما أنّ هناك نمطا تربويّا خاصّا بكلّ منهما، يتلاءم وأوضاعه الجنسيّة الخاصّة به.ولذا صار التوجّه والاهتمام بالفوارق بين الجنسين أساسا لوضع المنهج التربويّ الإسلاميّ المتكامل، ودراسة السلوك في بعديه الإيجابيّ والسلبيّ.

على أنّ هذه الفوارق التربويّة لا تكون على أساس النيل من إنسانيّة وكرامة المرأة، أو تهدف إلى إضعافها؛ بل هي ترمي إلى إعداد الطبيعة الإنسانيّة ضمن النوع والانتماء النوعيّ، كي تنسجم تربيتها وإعدادها مع الطبيعة وقوانينها. وقد أكّدت الدراسات والتجارب العلميّة التي أجراها العلماء المتخصّصون في شؤون النفس والعلاج النفسي والطب والاجتماع؛ أنّ هناك فوارق نوعيّة بين الرجل والمرأة، تؤثّر في سلوك كلّ منهما على امتداد مراحل الحياة. من هنا كانت التربية العلميّة الناجحة هي التي تنظر إلى الفوارق النوعيّة بين الجنسين، والتي تعدّ كلاّ من الرجل والمرأة وفق طبيعة تكوينه النفسيّ والعضويّ؛ لتحمّل مسؤوليّته في الحياة المستقبليّة.

وقد اعتنت التربية الإسلاميّة بالأنثى عناية فائقة، واهتمّت بتربيتها اهتماما شديدا، يقوم على قاعدة من المساواة في الحبّ والتعامل؛ لإشعارها بإنسانيّتها وبتساويها مع الرجل في الإنسانيّة.  يروى عن سعد بن سعد الأشعري: قلت للإمام أبي الحسن الرضا : الرجل تكون بناته أحبّ إليه من بنيه. فقال:«البنات والبنون في ذلك سواء، إنّما هو بقدر ما ينزل الله عزّ وجلّ».

وبما أنّ للمرأة مكانتها السامية ودورها المهمّ في تربية وإعداد جيل صالح مؤمن مقتدر؛ لذا فإنّ الإسلام العظيم يكرمها بتوجيه هذه المسؤوليّة الكبرى إليها ويوصيها ـ باعتبارها منبع الحبّ والحنان، ومستودع الكرامات، ومصدر الاستقرار والطمأنينة في البيت ـ بأن تحرص على خلق جوٍّ عائليّ مفعم بهذه الروح الطيّبة والعلاقة الحسنة.

فقد جاء رجل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: إنّي لي زوجة، إذا دخلت تلقـّـتني، وإذا خرجت شيّعتني، وإذا رأتني مهموما قالت لي: ما يهمّك؟ إن كنت تهتمّ لرزقك فقد تكفّل به غيرك، وإن كنت تهتمّ لأمر آخرتك فزادك الله همّا.

فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «إنّ لله عمّالا، وهذه من عمّاله، لها نصف أجر الشهيد».

على ما تقدّم يتعيّن احترام المرأة وإكرامها، وإعزازها وتقديرها حقّ قدرها، والنظر إليها من خلال مكانتها الكريمة ومنزلتها العظيمة التي وضعها الإسلام الحنيف فيها، من عفّة وطهر وأدب ومثل سام، ومسؤولية مقدّسة كبرى في بناء جيل صالح مؤمن بالله جلّت عظمته، وبرسوله وأوصيائه وخلفائه الأئمّة الاثنى عشر المعصومين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. لا كما هي حالها في الغرب المتحلّل مثلا، مفرغا لشهوات المستهترين، وتسلية لعبث المفسدين.

البيئة وأثرها في تربية الطفل :

أجمع المعنيّون في البحوث التربوية والنفسية على أن البيئة من أهم العوامل التي تعتمد عليها التربية ، في تشكيل شخصية الطفل ، وإكسابه الغرائز والعادات ، وهي مسؤولة عن أي انحطاط أو تأخّر للقيم التربوية .

كما أن استقرارها وعدم اضطراب الأسرة لهما دورٌ كبير في استقامة سلوك الطفل ووداعته. وقد بحثت مؤسسة ( اليونسكو ) في هيئة الأمم المتحدة عن المؤثرات الخارجة عن الطبيعة في نفس الطفل ، وبعد دراسةٍ مستفيضةٍ قام بها الاختصاصيّون قدّموا هذا التقرير :

( ممّا لا شكّ فيه أن البيئة المستقرة سيكولوجيا ، والأسرة الموحدة التي يعيش أعضاؤها في جو من العطف المتبادل هي أول أساس يرتكز عليه تكيّف الطفل من الناحية العاطفية وعلى هذا الأساس يستند الطفل فيما بعد في تركيز علاقاته الاجتماعية بصورة مرضية ، أما إذا شوّهت شخصية الطفل بسوء معاملة الوالدين فقد يعجز عن الاندماج في المجتمع ) .

فاستقرار البيئة وعدم اضطرابها من أهم الأسباب الوثيقة في تماسك شخصية الطفل ، وازدهار حياته ، ومناعته من القلق. وقد ذهب علماء النفس إلى أن اضطراب البيئة ، وما تحويه من تعقيدات ، وما تشتمل عليه من أنواع الحرمان ، كل هذا يجعل الطفل يشعر بأنه يعيش في عالم متناقض ، مليء بالغش والخداع ، والخيانة والحسد ، وأنه مخلوقٌ ضعيف لا حول له ولا قوّة تجاه هذا العالم العنيف .وقد عنى الإسلام بصورة إيجابية في شؤون البيئة ، فأرصد لإصلاحها وتطوّرها جميع أجهزته وطاقاته .

وكان يهدف قبل كل شيء أن تسود فيها القيم العليا من الحق والعدل والمساواة ، وأن تتلاشى فيها عوامل الانحطاط والتأخر من الجور والظلم والغبن .وأن تكون آمنة مستقرة خالية من الفتن والاضطراب ، حتى تمدّ الأمة بخيرة الرجال ، وأكثرهم كفاءة وانطلاقا في ميادين البرّ والخير والإصلاح .وقد انتخبت البيئة الإسلامية العظماء والأفذاذ والعباقرة المصلحين ، الذين هم من خيرة ما أنتجته الإنسانية في جميع مراحل تاريخها ، كمولانا الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وعمار بن ياسر ، وأبي ذر ، وأمثالهم من بناة العدل الاجتماعي في الإسلام .

السلوك الإجتماعي للطفل :

ربّما كانت أهمّ حادثة في حياة الطفل الذي بلغ سنة واحدة من العمر شروعه في خطواته الأولى. ويمثل ذلك بالنسبة إليه شكلا من أشكال المعرفة ، كما يمثل أيضا الاستقلال الذاتي عن الكبار الذين كان يعتمد عليهم اعتمادا كبيرا . وفي السنة الأولى من العمر يعرف الطفل كيف يعبّر عن نفسه ويفهّم نفسه للآخرين بصورة جزئية باستعمال ألفاظ معيّنة ، وبمزيد من الإيضاح عن طريق الإشارات والتعابير . وعلى هذا النحو يتمكن الطفل أخيرا من تأسيس علاقة واتصال بالناس ، وتبدأ مرحلة جديدة بالنسبة إلى الطفل يشرع فيها في التلاؤم مع قواعد البيئة التي يعيش فيها عن طريق التقليد ، والإستحسان الذي يلقاه من الناس الذين يعيشون معه .

ومن الطبيعي أن يقوم الطفل ـ من دون قيود أخرى ـ بتكرار المواقف التي يتلقى أطراء عليها من الناس الذين يعيشون حوله بصورة طوعيّة ، ويغدو بعد ذلك أكثر استقلالا . ومن جهة ثانية . فالسلوك الذي يسلكه الطفل ثمّ لا يسمع ثناء عليه أو اطراء له ـ بل ربما سمع توبيخا وتأنيبا ـ يدفعه إلى الأقلال منه تدريجا وعدم تكراره إلاّ نادرا . وهكذا يتعلّم الطفل أن هناك قواعد اجتماعية عامّة ينبغي له أن يتكيّف معها إذا أراد أن يسمع اطراء من الآخرين .

وبمرور الزمن يعرف الطفل أنّ هناك أشياء يستطيع القيام بها ، وأشياء لا يستطيع القيام بها وأن هناك اشياء لا يقدر على القيام بها إلاّ في مواقف خاصّة ، وبعد أن يبلغ الطفل السنة الثانية من العمر تتغيّر المشكلات التي يصادفها في تدريبه الاجتماعي ، وتختلف باختلاف قدرة الطفل على القيام بأنشطة مختلفة بواسطة قدراته الحركية الإضافية ، وهي الأنشطة التي كان الآخرون يساعدونه في القيام بها.

وبعد أن يكتسب الطفل القدرة على حريّة الحركة ـ كما هو واضح ـ يحاول الحصول على استقلاله ويشعر بأنه قادر على رفض القيام بأعمال معيّنة . وبصورة عامّة يتسم نشاطه في هذه السن بشيء من الهيجان ، فهو لا يهدأ لحظة واحدة ، ويبدو دائم الرغبة في الاستكشاف والامساك بالأشياء والملاحظة . كما أنه يستشيط غضبا من نفسه إذ هو عجز عن أداء أعمال من دون مساعدة شخص كبير . ويصادف أن ينهمك في اللعب والاستكشاف ، إلى درجة أنه ينسى أمّه فلا يذكرها إلاّ إذا أصابه أذى ، أو وقع في مأزق فيهرع إليها حينذاك .

هذا ، وترتبط المشكلات التي يواجهها الطفل الذي بلغ سنتين من العمر تقريبا بقضية أساسية هي أنه تعوزه الخبرة ، وأنه لا يستطيع أن يقرّر منذ البداية إذا كان قادرا على إنجاز ما يريد انجازه أم لا ، وقد يصاب الطفل بإخفاق أو بخيبة أمل ، فلا ينبغي أن يكون ذلك سببا في قلق الأم ، ذلك أن مثل هذا الإخفاق وخيبة الأمل يسهمان إلى حدّ ما في نموّه النفسي . ومهما يكن من أمر فحضور الأبوين أمر لازم وإن كان يجب ألاّ يتحول إلى شكل من أشكال الحماية المفرطة .

والحق أن كثيرا من الآباء يعتقدون أن استقلال الطفل أمر غير طبيعي وأنّه يؤدّي حتما إلى التأثير فيه بصورة سلبيّة . فهم لذلك يزيدون من رقابتهم عليه ، فمن الغريب حقّا أن ينظر الآباء إلى ابنهم على أنه قد أصبح ناضجا عندما يرغبون في تعليمه السير أو الكلام ، ثمّ نجدهم يخشون من تركه وحده عندما يناقشون مسألة استقلاله الذاتي ، فهم يحاولون تنظيم كل لعبة يلعبها فلا يدعونه وشأنه ولو لحظة واحدة ، إذ يخشون أن يؤذي نفسه أو يوقع ذلك حزنا في قلبه . ولكنهم بهذه الطريقة يعيقون نموّه العاطفي الطبيعي ، بل حتى نشاطه الحركي النفسي .

ومن جهة اخرى ، عندما يبلغ الطفل الثانية من العمر تقريبا يصبح اجتماعيا إلى درجة أكثر ، فهو يلعب وحده لفترات قصيرة من الزمن ، ولكنه يشعر بالسعادة إذا شاركه أحد في ألعابه ، أما عندما يدخل الطفل في الثانية فإنه يلاحظ ألعاب الآخرين وينجذب إليها . وفي السنة الثالثة ، وبعد أن يندمج في المجتمع اندماجا أكثر يسعى إلى صحبة الأطفال الآخرين ، ويشترك اشتراكا فعّالا في ألعابهم . والحقّ أنّ الباعث على هذا التكيّف الاجتماعي بالغ الصعوبة بالنسبة إلى طفل في الثالثة من العمر ، وغالبا ما يتمثل هذا التكيّف الاجتماعي في صور شتى ، منها اختطاف دمية من طفل آخر ، أو مجادلته أمر ما ، أو ربّما تمثّل أحيانا في هجرانه .

ومما يجدر ذكره أنّ الاطفال يحلّون مشكلاتهم بأنفسهم ، وينبغي فسح المجال أمامهم للقيام بذلك بعد أن شرعوا في حياة اجتماعية مناسبة ، وينبغي أن يتعلموا بالتجربة والخطأ كيف ينسجمون مع أقرانهم . ومن الطبيعي جدّا أن يلعب طفل في الثانية من العمر مع طفل آخر ، جنبا إلى جنب ، دون أن يشارك الواحد منهما الآخر في لعبته . وفي أثناء السنة الثالثة ، وبعد مرحلة الاندماج الاجتماعي مع الأقران ، يظهر الأطفال تفضيلا نحو صديق معيّن يرغبون في مصادقته والبقاء على قرب منه أكبر قدر ممكن .

وعلى الرغم من هذا التطوّر الجديد في السلوك الاجتماعي للطفل الذي بلغ الثالثة من العمر ، فإنه يرغب كذلك في أن يقضي قدرا كبيرا من الوقت للقيام باستكشافاته وأعماله مستقلا عن الآخرين ، بل حتى ضمن الأسرة نفسها ، كذلك يخطو الطفل البالغ ثلاث سنوات من العمر خطوات كبيرة في التكيّف الاجتماعي والنموّ العاطفي ، فيشرع في الاهتمام بأمّه وأبيه ، ويصرف النظر عن جسمه ونفسه ، وتزداد لديه نزعة التعلّق بوالديه في السنوات التالية ، ولكنها تتمثل لدى الطفل تمثلا قويا في السنة الثالثة تقريبا . وربما كان لمدارس الحضانة أو غيرها من المؤسسات المشابهة دور قوّي في عملية التكيّف الاجتماعي ، فالمجال فيها مفتوح أمام الطفل للإندماج مع الأطفال الآخرين . ولذلك فلا بأس أن تتعرّف الأم على أمهات آخريات لديهن أطفال من العمر نفسه ، فيخطو الطفل إذ ذاك خطوات سريعة في عملية التكيف الاجتماعي .