ألبوم الصور
ِشارع القدس
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3099535
غزوة ذات السلاسل: عبقرية علي (ع) العسكرية
واحة القطيف - 23 / 7 / 2004م - 6:12 ص

تعتبر غزوة ذات السلاسل من الغزوات البطولية الهامة والحساسة التي قادها الإمام علي بن أبي طالب بجدارة وبسالة وبأمر من رسول الله محمد بعدما فشل عددٌ من القواد المسلمين في تحقيق النصر، وهزيمتهم أمام الأعداء. ومما يدل على أهمية الانتصار الذي حققه علي هو أن الله عز وجل أنزل بعد هذه الواقعة سورة العاديات التي تتحدث عنها.

سبب تسمية هذه الغزوة بذات السلاسل:

أما سبب تسمية هذه الغزوة بذات السلاسل فيعود إلى شد المسلمون الأسرى بالحبال، فكانوا كأنهم في السلاسل. فعن الإمام الصادق أنه قال: «... وسميت هذه الغزوة ذات السلاسل لأنه أسر منهم وقتل وسبي وشد أسراهم في الحبال مكتفين كأنهم في السلاسل... ».

تفاصيل الغزوة:

في السنة الثامنة للهجرة النبوية المباركة، أخبر رسول الله بأن أثنا عشر ألفاً من أعداء الإسلام قد تحالفوا وتعاقدوا في ما بنيهم، واجتمعوا في منطقة « وادي اليابس » وهم يريدون التوجه إلى المدينة للقضاء على الإسلام، وهم مصممون على قتله أو قتل فارسه البطل علي بن أبي طالب . نعم إن أعداء الإسلام كانوا قد تعاهدوا على ذلك، وتحالفوا على تحقيق أهدافهم حتى لو يقتلوا في هذا السبيل.

كيف عرف المسلمون خطة العدو:

تختلف الأقوال في كيفية معرفة الرسول بخبر تجمع الأعداء وخطتهم، فهناك أقوال ثلاثة:

1. إن الرسول تعرف على خطة العدو بواسطة الوحي، يقول علي بن إبراهيم القمي في تفسيره: نزل جبرائيل على محمد وأخبره بقصتهم، وما تعاقدوا عليه وتواثقوا.

2. إن النبي كان من عادته إرسال العيون إلى مناطق العدو لرصد تحركاتهم وكشف خططهم في وقت مبكر، ولقد استطاع رسول الله بواسطة العيون التي بثها في تلك المناطق أن يعرف نوايا الأعداء بالنسبة إلى الإسلام والمسلمين قبل أن يتمكن العدو من القيام بتطبيق مخططاته والإغارة على المدينة.

3. إن أعرابياً جاء إلى النبي وأخبره باجتماع قوم من العرب بوادي الرمل للتآمر عليه وعلى الإسلام، ـ وأضاف ـ بأنهم يعملون على أن يبيتوه بالمدينة.

كيف أفشل النبي مؤامرة العدو ؟

أمر النبي المصطفى محمد مؤذنه بأن ينادي في المسلمين: الصلاة جامعة، فعلى مؤذن النبي مكاناً مرتفعاً ونادى: الصلاة جامعة، فسارع المسلمون إلى الاجتماع في مسجد النبي، فصعد المنبر وقال في ما قال: «... أيها الناس، إن هذا عدو الله وعدوكم قد عمل على أن يبيتكم فمن لهم... ؟ ».

فانتدب جماعة من المسلمين أنفسهم للدفاع عن الإسلام ومقابلة العدو، فأمر النبي عليهم أبا بكر، فسار أبو بكر بتلك المجموعة إلى قبيلة « بني سليم » وكانت قبيلة بني سليم تسكن في شعب واسع، فلما أراد المقاتلون المسلمون أن ينحدروا إلى الشعب عارضهم بنو سليم وقاوموهم، فانسحب أبو بكر، ولم يتمكن من أداء مهمته.

يقول علي بن إبراهيم القمي في تفسيره: قالوا ـ أي بنو سليم لأبي بكر ـ: ما أقدمك علينا؟

قال: أمرني رسول الله أن أعرض عليكم الإسلام فان تدخلوا فيما دخل فيه المسلمون لكم ما لهم، وعليكم ما عليهم، وإلا فالحرب بيننا وبينكم. فهدده زعماء تلك القبيلة ـ وهم يباهون بكثرة رجالهم ومقاتليهم ـ بقتله وقتل من معه، فارعب لتهديدهم وعاد بجماعته إلى النبي .

انزعج الرسول لعودة الجيش الإسلامي خائباً، فأمر عمر بن الخطاب أن يتولى قيادة تلك المجموعة ويتوجه بها إلى العدو. فتوجه عمر بن الخطاب بأمر من الرسول بالجيش الإسلامي إلى تلك المجموعة المتآمرة، لكن العدو كان هذه المرة أكثر تحسباً ويقظة، ذلك لأن جيش العدو استقر هذه المرة عند فم الوادي وكمن وراء الأحجار وتستر تحت الأشجار بحيث لم يتمكن المسلمون من مشاهدتهم، فباغتوا المسلمين بالخروج مرة واحدة عندما حل الجيش الإسلامي بذلك الوادي.

فلم تتمكن المجموعة الإسلامية من تحقيق النصر في هذه المرة أيضاً، وأصدر القائد الأمر بالانسحاب كما فعل القائد الأول من قبل، وعاد الجيش الإسلامي إلى المدينة مذعورا ومهزوماً ولم يحقق شيئاً.

فاستاء الرسول من هزيمة هذا القائد وكره منه هذا الموقف.

و هنا قام عمرو بن العاص وقال: ابعثني يا رسول الله إليهم، فإن الحرب خدعة، فلعلي أخدعهم، فأنفذه رسول الله مع جماعة من المسلمين لمقابلة العدو، لكنه ما إن وصل إلى الوادي حتى خرج إليه بنو سليم فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة.

أنزعج المسلمون وحزنوا للهزائم المتتالية، فعمد رسول الله إلى تنظيم مجموعة جديدة بقيادة بطل الإسلام الخالد علي بن أبي طالب وبعثهم لمقاتلة العدو.

فطلب علي من زوجته فاطمة الزهراء (عليها السلام) أن تأتي له بالعصابة التي كان يشدها على جبينه في اللحظات الصعبة، فتعصب بها، فحزنت فاطمة (عليها السلام) وبكت إشفاقاً عليه، فسلاها النبي وهدأها ومسح الدموع عن عينيها، وشيع علياً حتى بلغ معه مسجد الأحزاب، وعلي راكبٌ على فرس أبلقٍ، وقد لبس بردين يمانيين، وحمل رمحاً هندياً بيده، فودعه الرسول وقال: « أرسلته كراراً غير فرار ».

عليٌ يذهب لمقاتلة العدو:

توجه علي بالجيش الإسلامي إلى العدو، لكنه سلك طريقاً غير معروف، وكان يريد بذلك إخفاء خطته، حتى إن الذين خرجوا معه تصوروا أنه يقصد العراق. نعم استعان علي بالكتمان والسرية كتكتيك عسكري، فأخفى كل شيء عن العدو، فكان يسير بأفراده ليلاً ويكمن نهاراً، وكان يستريح خلال النهار حتى دنا من ارض العدو دون أن يشعر العدو بالجيش الإسلامي.

وقبل أن يصل علي إلى النقطة الاستراتيجية الحساسة أي مدخل الوادي أمر الجيش بالنزول والاستراحة لاستعادة النشاط واستعداداً لمداهمة العدو على حين غفلة، ولكي لا يشعر العدو بالجيش الإسلامي أمرهم بان يكموا أفواه خيولهم حتى لا يسمع العدو صهيلها.

وعند الفجر صلى علي بالمسلمين صلاة الصبح، ثم صعد بهم الجبل حتى وصل إلى القمة، ثم انحدر بهم ـ بسرعة فائقة ـ إلى الوادي حيث يسكن « بنو سليم » فأحاط المسلمون بهم وهم نيام، فلم يستيقظوا إلا وقد تمكن المسلمون من محاصرتهم، فأسروا منهم فريقاً، وفر آخرون.

وبهذا أرعب العدو إرعاباً شديداً فقد معه توازنه وقدرته على المقاومة ففر من المعركة مخلفاً وراءه غنائم كثيرة استولى عليها المسلمون، وهكذا اكتمل النصر وعاد الجيش الإسلامي بقيادة علي إلى المدينة ظافراً منتصراً.

نزول سورة العاديات:

نعم بلغت تضحية علي وما أبداه من البسالة والشجاعة في هذه الواقعة من الأهمية مرتبة عالية جداً بحيث نزلت في هذه الواقعة سورة كاملة هي سورة العاديات التي قال الله عز وجل فيها:

﴿ بسم الله الرحمن الرحيم والعاديات ضبحًا * فالموريات قدحًا * فالمغيرات صبحًا * فأثرن به نقعًا * فوسطن به جمعًا * إن الإنسان لربه لكنودٌ * وإنه على ذلك لشهيدٌ * وإنه لحب الخير لشديدٌ * أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور * وحصل ما في الصدور * إن ربهم بهم يومئذٍ لخبيرٌ .

وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق أنه قال: «... ولما نزلت السورة خرج رسول الله إلى الناس فصلى بهم الغداة وقرأ فيها والعاديات، فلما فرغ من صلاته قال أصحابه هذه سورة لم نعرفها، فقال رسول الله: نعم ! إن عليا ظفر بأعداء الله وبشرني بذلك جبرائيل في هذه الليلة، فقدم علي بعد أيام بالغنائم والأسارى ».

عودة الجيش الظافر إلى المدينة:

كان رسول الله ينتظر رجوع ابن عمه من هذه الغزوة الظافرة، وما أن قرب جيش الإسلام من المدينة حتى خرج النبي في جماعة من أصحابه لاستقبال علي ومن معه من جند الإسلام الظافر.

و ما أن وقعت عينا القائد المنتصر على رسول الله حتى ترجل من فرسه فوراً احتراماً وإجلالاً، فقال له وهو يربت على كتفه: « اركب فان الله ورسوله عنك راضيان ».

واغرورقت عينا علي بن أبي طالب بالدموع استبشاراً، فقال رسول الله في شأن علي قولته المعروفة: « يا علي لولا أني اشفق أن تقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في المسيح لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك».