ألبوم الصور
ريال واحد
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3099535
الزعيم القطيفي الباشا منصور بن جمعة
واحة القطيف - 11 / 10 / 2005م - 12:50 م

غرض المديح في الشعر القطيفي والأحسائي قليل التناول، ومع قلة التناول فإنه يقتصر على الأغلب في مديح الرسول صلى الله عليه وآل بيته الكرام وصحابته الميامين، وتنشد قصائد المديح في مجالس المناسبات وذكرى الميلاد.

ولهذا تعتبر القصيدة المنشورة في عدد (الواحة) السادس، الصادر في ربيع الثاني الماضي، للشاعر المرحوم الشيخ محمد الزهيري، من القصائد القليلة والنادرة، التي غرضها المديح لأشخاص أحياء، وخارج اطار المدائح الدينية المصبوغة بالطابع الديني.

وتزداد أهمية القصيدة، آنفة الذكر، في كونها تمتدح شخصية لا تنتمي الى سلك رجال الدين، بل شخصية ذات طابع سياسي، وهي الركن الأساس من أركان الزعامة المحلية لمنطقة القطيف، في فترة ما قبل التوحيد السياسي للمملكة العربية السعودية على يد المغفور له الملك عبد العزيز، وهي فترة كانت كل مناطق المملكة تعج بالزعامات المحلية التي يغلب عليها التنافس والتصارع.

وما نراه في القصيدة من مديح، قد يكون خلاف الطبع العام لأهالي المنطقة، فهم قلما يمدحون، وقلما يرضون عن أحد، فإن فعل شخص ما خيراً، فلنفسه أولاً، وهو واجب عليه ثانياً، وإن أخطأ سلقوه بألسنة حداد! ويميلون الى منطق: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة، ولم يدخل في روعهم حتى اليوم (ولئن شكرتم لأزيدنكم) مع أنه سبحانه وتعالى ليس في حاجة الى عبيده ولا الى شكرهم، ولكنه يرغبهم في الشكر والإحسان الى من أحسن صنعاً. ولعلنا لا نجد شخصية واحدة من شخصيات القطيف الدينية أو السياسية لم يدر حولها لغط من نوع ما من قبل الجمهور، الذي يحتل عقله وفكره الشخصية المثالية (المعصومة) التي على أساسها يحكمون ويحاكمون من دونها بصرامة.

والقصيدة أيضاً، جاءت من رجل دين، وهذا أمر له دلالته، فالطبقة المتعلمة يومها منحصرة في تيار رجال الدين وطلبة العلوم الدينية وحاشيتهم، حيث لا توجد المدارس الحديثة، ولا يوجد مصدر للمعرفة من غيرهم، ولم تكن الآلات والأجهزة الحديثة قد وجدت أو توافرت لدى الأغلبية المطلقة من الجمهور.

لقد تعرض المديح الى زعامة القطيف السياسية أواخر القرن الثالث عشر، وبدايات القرن الرابع عشر الهجري، وهي الفترة التي كان العثمانيون يحكمون فيها المنطقة، ومع أن القصيدة المنشورة في عدد (الواحة) السادس غير مؤرخة، فإن أجواءها توحي بأنها كتبت في أواخر أيام زعامة منصور بن جمعة، وأيضاً أواخر حياة الشاعر الشيخ الزهيري، وأواخر سني حكم الدولة العثمانية في منطقتي الأحساء والقطيف، حيث تلاحقت الفتن والصراعات والحروب، وازدادت حدة المنافسة بين بيوتات الزعامات القطيفية، ولعل القصيدة ولدت من رحم تلك الأجواء المشحونة، فكانت تأكيداً لزعامة ابن جمعة على القطيف، في قبال ورثة الزعيم أحمد مهدي بن نصر الله، حيث عرف عن الشيخ الزهيري ميوله في الصراع الى طرف آل جمعة.

صورة الزعيم

 
ترسم القصيدة صورة للزعيم في نظر قائلها، وفي نظر عامة الناس:

لا بد أن يكون الزعيم كريماً، فزعامة تبخل بالمال هي أبخل من أن تضحي من أجل العامة، وإن من مقومات الزعامة في مختلف المجتمعات: المال، وصرفه، ولذا تبوأت بيوتات الغنى المكان الأعلى في السلم الإجتماعي، خاصة ونحن نتحدث عن بيئة يكثر فيها الفقر وتفشو الفاقة ويزداد عدد المحتاجين. والمال على شكل خدمة وإحسان ليس يجلب السواد الى الزعيم فحسب، بل أنه يخرس أصحاب الألسن، ومن يقوم بدور الإعلام، والتوجيه والدعاية.

وقد اشتهر منصور بن جمعة بكثرة الأملاك، كما اشتهر بالكرم:

ومددت كفك في الزمان فأخصبت
إن  تفقد  الأبوين  من  نسب iiفلم
قد  كان  بيتك  كعبة  من  iiحولها


بنداك    بعد   محولها   iiالأعوام
تفقدهما    من    جودك   iiالأيتام
حرم     به     للوافدين    زحام

والمال والأعطيات تخرس أفواه العدى والمنافسين، وهو مطلب المعدمين:

قد  عم  منك  الفضل  حتى iiناله
يا   راكباً  كالبرق  حرفاً  iiشاقه
إن جئت أرض الخط فاعقل انما
واقصده  إن شئت الهداية iiللغنى



منك    الذي    معروفه   iiالآثام
للسير    شوق   مفرط   وغرام
وسط   الكويكب   كوكب  iiعلام
قبّل   يديه   فما   عليك   iiملام

يُقال: ما ساد بخيل. والمرحوم منصور بن جمعة، وإن لم يكن من عائلة ذائعة الصيت، فإن كرمه رفعه الى مقام علي، وقد تجاوزت أعطياته منطقة القطيف الى البحرين والعراق. كما أن أعطياته تجاوزت الأفراد العاديين الى رعاية خاصة بأقطاب المجتمع من رجال الدين والأدباء وغيرهم، وينقل أنه أوقف بعض بساتينه لهذا الغرض.

وبديهي أن زعامة سياسية بحجم منصور بن جمعة، لا بد أنها كانت تنظر الى أفق أبعد، فلرجال الدين في مجتمع زراعي محافظ ثقل كبير، ولكن علاقته بهم لم تكن نفعية بالشكل الذي قد ينصرف اليه الذهن، بل كان يرى في ذلك واجباً دينياً، وهناك وثائق تشير الى علاقة وثيقة بمراجع الدين في العراق، وحينما توفي في البحرين نُقل جثمانه الى العراق ليدفن، حسبما أوصى.

وكما أشارت الواحة في عددها الأول (ص 34) فإن الزعامة القطيفية انحصرت في الملاك ورجال الدين "وفي كثير من الأحيان، إن لم يكن أغلب الأحيان، نرى تحالفاً غير مكتوب بين الطرفين" والمسألة واضحة هنا، فلا زعامة سياسية تستطيع أن تتجاوز دور رجال الدين الذين كانوا الطليعة من حيث التعليم، ولقدرتهم على تحريك الشارع. ومنصور بن جمعة لم يفعل شيئاً سوى الإستجابة لهذه الحقيقة، فمهما بلغت قوته وشأنه فإن زعامته ستكون ناقصة بدون عضد ديني يمنحه شيئاً من الشرعية ومن التفاف الجمهور، وهذا يؤكد ضرورة الرعاية، التي أشار اليها الشيخ الزهيري في الأبيات الثلاثة التي نشرتها (الواحة) آخر القصيدة ـ مع أنها كانت في الأصل تقديماً للقصيدة كما تشير بعض المصادر ـ والتي يبرر فيها مديحه لمنصور:

ما  قلت  ما  قتله  في  مدحكم iiطلباً
في الشرع تعظيم من في عزه العلما

إلا  لمرضاة  رب  العرش إذ iiوجبا
عزّوا   وكان   لعزّ   الأتقيا   iiسببا

الشجاعة ودفع الأعادي

 
النقطة الجاذبة في شخصية منصور، أنه عصامي، ومع ما يقال بأنه (ورث) الزعامة من (الزعيم) الشاعر أحمد مهدي بن نصر الله، فإن في هذا القول كثير من المبالغة، فمما لا شك فيه أن مصاهرة آل نصر الله قد أفادت منصور على الصعيدين المالي والسياسي، ولكنها لم تكن كافية لخلق زعامة، فما أكثر من يتزوجون من عوائل مشهورة فيندثرون، وما أكثر من يمتلكون المال فيحبسونه، ولا يستفيدون منه لخلق موقع معنوي لهم بين الناس، وبالتالي لا يفيدون أحداً، والناس مجبولون على حب من يحسن إليهم.

تشير القصيدة الى عصامية ابن جمعة:

أتظن رتبتك التي iiأحللتها
كلا ولكن نلتها بالمجد في

عفواً بها ثبتت لك iiالأقدام
كسب المعالي والأنام iiنيام

لقد نال منصور رتبة الباشوية من السلطان العثماني عبد الحميد، وكان منشغلاً بالسياسة ممتلئاً بالطموح، فكان المنصب أقل من نشاطه وفعاليته، التي سجلت بعض فصولها في جوانب سياسية وعسكرية.

ولئن كان المعطون قلّة في القطيف، لا يتناسب عددهم مع عدد الموسرين، من الذين تضاهي أملاكهم أملاك منصور بن جمعة، فإن من سمات الشجاعة التي أبداها الأخير ما جعله محط اهتمام وآمال الكثيرين. ولعل الصراع المتواصل بين البادية والحاضرة، والذي حكمته الظروف الإقتصادية في الأعم، ووجود منصور في مقام الزعامة إضافة الى كونه كبير الموظفين الذين تعتمد عليهم السلطات العثمانية في إدارة قضاء القطيف، أتاح له فرصة معالجة المشكلة عن قرب، ففي الحرب والسلم كان له دور مشهور، خاصة في وقعة الشربة، تبدأ من توفير السلاح وتنتهي بتوقيع اتفاقات السلام مع البادية.

توفير الأمن كان عقدة السكان، الذين لم ينعموا به إلا بعد قيام الدولة المركزية، وكان من الواجب على متصدي الزعامة أن يثبت موقعه في وقت الأزمات، وهنا فالقصيدة تشير الى ذلك في مواقع متعددة:

لولاك  يا  كهف  الدخيل iiلراعهم
لكن   نهضت  لرد  كيد  عدوهم
فجعلت  سيف النصر شفع iiلوائه
فترى العداة كما يرى الأسد الظبا
فيرون  أهون  من  لقاك  iiلقائهم
فكأنك    السرحان   إذ   iiمزقتهم





موت    بأسياف    البداة   زؤام
في    نحره    فارتده   iiالإرغام
وكذاك    يفعل    ربه    iiالمقدام
فيروعها  في  الروع منك iiصدام
موتا  وثغرك  في  الوغى  iiبسّام
وكأنهم     إذ     مزقوا    أغنام

إن الأبيات آنفة الذكر، تشير الى عظم المشكلة الأمنية التي سببها الصراع المرير بين البادية والحاضرة، والذي عجزت عن حله القوات العثمانية نفسها، فكان لزاماً على منصور أن يحل المشكل بنفسه، وإن اتخذ طابع الدفاع عن القرى، وجلب السلاح اليها من الخارج (البحرين)، كما أنه لعب دوراً في التحريض للمواطنين على الدفاع عن أنفسهم، وكان هو وأخوه عبد الحسين في مقدمة الركب:

وتؤمهم     للمكرمات    iiفحيثما
يعدون   للهيجا   بحيث  iiأخالهم
بيض الوجوه رئيسهم يوم الوغى


استنهضتهم   لقيام   أمر   iiقاموا
وهم    الملوك    كأنهم    iiخدام
عبد   الحسين   الفارس  iiالمقدام

الكرم، والشجاعة.. وأيضاً الرأي السديد في مواجهة المواقف، كانت من الصفات القيادية التي تتطلبها المرحلة لصناعة زعيم بحجم منصور بن جمعة:

وأنلتَ أرض الخط عزاً iiناله
ما فات قوم أنت فيهم رشدهم

منك  الذي  إعزازه  الإرغام
كلا   ولا   زلّت  لهم  iiأقدام

غير أن هناك مهمات لم تنته، وقت كتابة القصيدة، فالوضع الأمني لا يزال على اضطرابه وإن كانت المشاكل الكبرى قد مرت بسلام، وهناك الخلافات الداخلية التي تعصف بالمجتمع والفرقة التي سببها اختلاف المصالح والمنافسات العقيمة بين البيوتات القطيفية على كرسي الزعامة، ولذا ينصح الشاعر منصور بالإلتفات اليها، وأن يحتاط لمشاكل المستقبل، وأنه مسؤول أمام الله عن رعاياه:

وقل القطيف بك استقامت حالها
أكرم  جميلك  في  تدبر  أمرها
إجمع  اليها الرأي واحفظ iiأهلها
يتفيئون   ظلالك  الضافي  iiولا
ولأنت  عنهم في المعاد iiمساءل
احتط  لهم  فهمُ  رعيتك  iiالأُلى





فأعيذ   سيفك  أن  يكون  iiيشام
إن   المحامد  من  علاك  iiتمام
وسوادها   إن   السواد   iiطغام
يعدون  أمرك  في  مرام iiراموا
إن  كان  يُسأل  في المعاد iiإمام
ترعى   فترك  الإحتياط  حرام
وبوفاة منصور اختلّ عقد الزعامة في القطيف، وكثرت المنافسة لأخيه عبد الحسين الذي رآه بعضهم غير جدير بها، وأنه مجرد وارث بلا مقومات حقيقية، بعكس حال منصور الذي اصبح الزعيم غير المنازع بعد وفاة أحمد مهدي نصر الله عام 1306 هـ الى أن مات.
مجلة الواحة العدد 8