ألبوم الصور
عزاء الزنجيل - قرية الأوجام
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3102651
الحراسه وليلة الدخله في المعتقدات الشعبية القطيفية
نزار العبدالجبار - « شبكة راصد الإخبارية » - 3 / 9 / 2005م - 2:57 ص

المجتمع القطيفي والخليجي يزخر بكم هائل من المعتقدات الشعبية التي تتداول بين الناس سابقاً بكثرة وبدأت بعض المعتقدات السائدة سابقاً بالاندثار ومن تلك المعتقدات هي «الحراسه»، وهي من العادات والتقاليد التي كانت موجودة بكثرة في مجتمعنا القطيفي والخليجي مع العلم بأنها مازالت في مجتمعنا تتطبق ولكن بشكل قله وتكتم كبير.

والحراسه في المعاجم من كلمة حَرَس، وحَرَسَه أي حَفِظَه. وخلاصة المعنى اللغوي الذي نأخذ به هنا هو: التحفظ من أجل الوقاية من خطر قادم.

أمّا «الحراسه» في المأثور الشعبي فهي عنصر ثقافي عميق الجذور في التراث القطيفي و«الحراسه» عادة شعبية من عادات الزواج. ومعتقد شعبي تحظي بمكانة كبيرة في المأثور الشعبي بحكم كونها عادة من ناحية، ومعتقداً من الناحية الأخرى. فهي عادة بمعنى أنها سلوك جماعي كان يمارس في الماضي وعلى نطاق واسع عند مختلف الفئات الاجتماعية. وهي معتقد باعتبار أنها تصور يدور حول العالم الطبيعي والعالم فوق الطبيعي، كما أنها مركب من الأفكار المترابطة التي تعلمها الفرد وشارك بها والمستمرة زمناً طويلاً، ويظهر الأفراد والجماعات بعض الالتزام بها.

ويشير مضمون وأسباب «الحراسه» في مجتمعنا عموماً إلى الاعتقاد بأن البنت إذا نزل منها دم في الأيام الأولى للولادة خلال الأربعين يوماً فإنها تسمى «محروسة» وتنزعج الأمهات وتعتبران أن ذلك الدم نوع من الطمث الشهري يحدث للفتاة وهي لا تزال طفلة في شهورها الأولى. وأن المجتمع يربط بين نزول نقطة أو نقاط الدم من الطفلة المولودة وبين العادة الشهرية لدى المرأة البالغة، فإذا كان اعتزال الرجل والمرأة في المحيض، فلا بد أن يعتزل المعرس عروسه «المحروسة» ليلة الزفاف تجنباً للأذى، ولعل هذا الارتباط كان سبباً لانتشار المعتقد ورسوخ الشعبية المترتبة عليه وتسمية المعتقد والممارسة «بالحراسه». وعلى هذا فلا بد أن تُقام عليها «حراسة» ليلة زفافها فلا يباشرها المعرس ولا يُسمح له بالاقتراب منها قبل أذان الفجر.

ويسود بعض الناس أعتقد بأن الحراسه نوعاً من النذر تندره أم العروس في مناسبة ما على ابنتها إذا تم زفافها أو إذا كانت مريضة بمرض مستعصي وتم شفاها فأنها تنذر بالحراسه.وهذا لم أجد له من الصحة شيء وإنما يكون هناك نوع من التكتم عن السبب الرئيسي للحراسة حيث يعتقد أنه نوعاً من العيب في الخوض أو النقاش فيه وذلك بسبب نزل بعض نقاط من الدم من منطقة حساسة في الطفلة. وهذا ما سوف يخالفني فيه كثير من الناس حيث يعتقد شريحة من الناس أنه مجرد نذر.

ويعتقد بان المعرس إذا باشرها قبل ذلك فقد يموت أحدهما «العروس أو المعرس» أو تُكْبَس أي لا تنجب وتُصاب بالعقم أو يحدث مكروه لأحدهما أو لكليهما، وعلى هذا تجري العادة الشعبية على أن تؤجل عملية فض البكارة والمعاشرة إلى بعد صلاة الفجر أو اليوم التالي من الزفاف. لذلك تحوي «الحراسه» تصورات اعتقادية عديدة وممارسات شعبية عديدة، وممارسات شعبية عديدة وشخصيات احترافية وأدوار متخصصة تزاولها نسوة محترفات، مثل أم العروس.

والتفسير الطبي الحديث لنزل الدم أو قطرات منه من العضو التناسلي للطفلة أنه ظاهرة طبيعية سواء من صدر المولودة أو من عضوها التناسلي وهذا يرتبط بالهرمونات التي تنتقل بالوراثة إليها من الأم حيث تنتج عن هرمونات الحمل والأنوثة التي تنتقل من الأم إلى الطفلة ويظهر ذلك في خلال الأربعين يوماً الأولى.

وتسود هذه الظاهرة البيئات الحارة أساساً، وبالتالي فلا وجود لها في البيئات الباردة أو المعتدلة، وإذا ظهرت في البيئات المعتدلة فيقتصر وجودها على فصل الصيف حيث ارتفاع درجة الحرارة. ويؤكد الأطباء على أن الظاهرة لا ترتبط في مجتمعات الخليج بالجنسية على الإطلاق، وإنما ترتبط بالمعيشة، والإقامة في بيئة الخليج الحارة. ومن ثم فهي تنتشر عند الجنسيات الأخرى، غير الخليجية التي تُولد بناتهم في مجتمعات الخليج فهي إذن نتاج للبيئة.

إلاّ أن المداخل الطبية تؤكد على ارتباط نزول نقاط الدم بآلام من حيث مستواها الصحي والغذائي، فإذا كانت الأم تتغذى جيداً وصحتها جيدة فلا تحدث هذه الظاهرة عند بناتها، حتى وإن كن يعشن في البيئات الحارة، ولكنها تظهر عند بنات الأمهات اللائى يعانين من نقص الغذاء، وتدني المستوى الصحي. وتذهب الآراء الطبية إلى أن هذه الظاهرة ليست خطيرة، ولا خوف منها على صحة الأم ولا صحة المولودة حينما تتزوج، فهذه معتقدات فقط قامت عليها عادات حسب التصور الشعبي للصحة والمرض.

ونزول نقاط الدم يحظي بأهمية بالغة في الثقافة الشعبية، فهو الحياة أو ماء الحياة، ولذلك ساد الاعتقاد قديماً بأن روح الكائن الحي توجد في دمه، وبالتالي فإذا سال دمه زهقت روحه. وفي المولودة إذا نزل منها الدم من الثدي أو الفرج دون سن الأربعين يوماً ظاهرة تغلفها المخاوف وتحيطها المحرمات للحفاظ على حياتها بالدرجة الأولى، وتزداد التصورات الشعبية رهبةً من هذه الظاهرة.ولذلك تسميها «العادة الشهرية» وتلقي حولها المزيد من المحظورات للحفاظ على حياة الطفلة حتى زواجها، إن نزول العادة في ذاك السن حسب التصور الشعبي يستلزم الحفاظ على دم الطفلة، وبالتالي الحفاظ على حياتها، فلا يراق ليلة زفافها «دم البكارة» حتى تتجاوز المخاوف إلى بر الأمان ويزداد الاطمئنان إذا تم ذلك بعد بزوغ الفجر.

أمّا أسباب التسمية «بالحراسه» فهي عملية حفظ واحتراس تجنباً لخطرٍ قادم وبالتالي فالحراسه تتضمن المحافظة على الفتاة التي نزل منها الدم وهي دون الأربعين يوماً وحتى ليلة زفافها، فلا يقربها المعرس حفاظاً على حياتها ووقاية من المكروه المحقق الذي سيحل بها، حسب الاعتقاد الشعبي إذا أتاها قبل فجر اليوم التالي للزفاف.

لقد وضعت الثقافة الشعبية مجموعة من الشروط التي لا بد من توافرها في «الحراسه» وهي شروط تعكس حرص المجتمع على الحفاظ على بناته والوقاية من أي مكروه يحيق بهن عند الزواج، وإتمام طقوس الزواج بنجاحٍ وفرح ومن أهم تلك الشروط:

1. لا بد أن تكون العروس التي تخضع للحراسة قد نزل منها بعض نقاط الدم عند ولادتها مباشرةً أو في خلال الأربعين يوماً الأولى من عمرها. وعلى هذا فلا تسري الحراسه على كل عروس. ومن اليسير بالنسبة للنساء ملاحظة هذه الظاهرة عند الولادة.

2. اختيار امرأة موثوق بها من أسر العروس لتتولى العملية وقد جرت العادة أن تكون جدة العروس أو إحدى السيدات المقربات من أسرتها أو إحدى القريبات موضع الثقة والأمانة، وهنا تجلس هذه السيدة المختارة في أحد أركان الغرفة ترافق العروس حتى مطلع الفجر.

3. تتولى «الحارسه» عملية الحراسه، فلا تسمح للمعرس من الاقتراب من عروسه وتظل يقظةً منتبهةً طوال الليل في غرفة العروس، وقد تقوم في هذه الأثناء بتوعيتها بحياتها الجديدة، وسابقاً وفي ظل العادات لا تسمح بالاختلاط ولا برؤية المعرس لعروسه إلا هذه الليلة، والحارسة لا تتدخل في حديث الزوجين وإنما تتركهما ليتحدثا أو ينظران لبعضهما، ولا تكتمل الحراسه إلاّ عند مطلع الفجر، وهنا تخرج الحارسة وتبشر بتجاوز الخوف والوصول إلى الأمان في حياتهما الزوجية الجديدة.

وتنطوي المعارف الشعبية على مجموعة من القواعد الاجتماعية والأخلاقية التي تضمن استمرار المعتقد ورسوخ الممارسة، وعلى هذا نجد الثقافة الشعبية تحتم «الحراسه» وتحذر من ينتهك شروطها وتصيغ مجموعة من الحكايات حول العقوبات والنوازل التي حلت بالمخالفين، وكلما تواترت هذه الحكايات كلما ساعدت على تعميق التصور وتدعيم الممارسة.ومن تلك العقوبات التي تحدث للمخالفين:

1. وقوع مكروه للمعرس حينما يرفض الحراسه، كأن يصاب بمرض أو يموت.

2. تتعرض العروس للمرض، أو يُغمى عليها أو تصاب بنزيف حاد أو تموت.

3. حدوث شيء يعكر صفو العرس كالحريق أو احتراق أسلاك الكهرباء أو تعرض أحد أقارب العروس أو المعرس لحادث.

4. فشل الحياة الزوجية.

ومن القصص التي تروى عن مخالفة الحراسه:

أن هناك فتاة نزل منها بعض نقاط دم في الأيام الأولى من ولادتها وبالتالي فقد من اللازم أن تُوضع تحت الحراسه في ليلة زفافها لتوفر الشرط الأساسي للحراسة غير أن الأم لم تكن تعرف الحراسه ولا تعي بالنتائج التي تترتب على انتهاكها، فتركت ابنتها العروس ليلة زفافها دون حراسة وفي اليوم التالي للزفاف تعرضت العروس لنزيف حاد استمر معها طوال خمسة أشهر فنقلت إلى المستشفى ولم يعرف الأطباء سبباً للنزيف وفشل العلاج وتوفيت العروس وبعد الوفاة بفترة طويلة جاءت إحدى المسنات إلى والدتها وتطرق الحديث بينهما إلى أسباب وفاة الابنة فلم تبد الأم سبباً للوفاة سوى حدوث نزيف مستمر لابنتها العروس منذ ليلة زفافها وحتى وفاتها، وعندئذ سألتها السيدة المسنة عن الأيام الأولى لابنتها بعد الولادة مباشرةً وهل نزل منها بعض نقاط الدم خلال الشهر الأول من عمرها، فأجابت الأم بالإيجاب وهنا سألتها السيدة مرة أخرى: هل وضعت «حارسة» مع ابنتها في الغرفة ليلة زفافها فكانت الإجابة بالنفي وحينئذٍ تبين للأم سبب وفاة ابنتها العروس.

وأخيراً أن التغير الذي طرأ على مجتمعنا سحب البساط من تحت أقدام حملة تراث «الحراسه» فلم يعد للمأثور مكان واضح في الوقت الراهن. ولذلك بدأ يندثر المعتقد وانحسرت معه الممارسات والطقوس الشعبية. وأنني سمعت عن إحدى جاراتي قبل أقل من سنتين من الآن أنه وضعت عليها «حراسة».