ألبوم الصور
حسينية البيات
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3081875
صفوى: الطفل سجاد «أنقذتني أُم البنين»
شبكة راصد الإخبارية - 9 / 4 / 2005م - 8:13 ص

في ذكرى أربعينية الإمام الحسين ، انبرى الشيخ حسن الخويلدي أحد أبرز علماء مدينة صفوى «محافظة القطيف» شرق السعودية، لذكرحادثة لا يملك من يستمع لها إلا أن تتملكه الدهشة والاستغراب، تعمد سردها في جميع مجالسه الحسينية ذلك اليوم في مختلف مناطق القطيف، معتبراً اياها بمثابة «معجزة الهية»، مفادها أن طفلاً لعائلة صفوانية يدعى سجاد، في الثالثة من عمره، تعرض ذات يوم من أيام شهر صفر 1426هـ المصادف لشهر مارس 2005م لحادث سقوط من الطابق العلوي الثالث ليستقر أرضاً، وليقوم بعد فحوصات طبية عديدة في أكثر من مستشفى سليما معافى لم يصبه سوء، وليخبر الطفل والدته بعد ذلك أنه بخير ولم يحدث له اي مكروه فقد كانت هناك «والكلام للطفل» لحظة السقوط سيدة ترتدي الأخضر معصبة بعصابة سوداء تدعى «أم البنين» تلقفتني بلطف ومددتني على الأرض ثم ذهبت..

فما حقيقة هذا الحدث الذي تفاعل معه الكثيرون من أبناء المنطقة، فانتشر خبره عبر المجموعات الأخبارية انتشار النار في الهشيم، وحيث توافد الكثيرون على منزل عائلة سجاد لتهنئتهم بالسلامة، ورؤية هذا السجاد الذي حظي بهذه الكرامة.. كرامة انقاذه من مصير محقق لولا عناية الله وبركة السيدة الجليلة «أُم البنين» (عليها السلام).

يأت هذا التحقيق الصحفي في هذه الحادثة التي قد تبدو للبعض غير مألوفة، بل مما يمكن أن يصنفها البعض بالنظر لاعتبارات مختلفة ضمن الخارق للعادة.. يأتي ثمرة جهود قامت بها «شبكة راصد الإخبارية» بغرض استقصاء الخبر من منابعه الأصلية، ونقل تسلسل الأحداث منذ البداية وفقاً لرواته الأصليين وأبطاله المباشرين، من خلال زيارة موقع الحدث في منزل العائلة، والالتقاء بجميع المعنيين من أفراد العائلة بدءً الطفل سجاد بطل القصة الأول ووالدته السيدة أم حسين، وانتهاءً بجده الحاج ابو محمد، مروراً بأول من شاهدا سجاد بعد حادثة السقوط مباشرة وهما اخوه الأكبر حسين وعمه حسن الذي حمله من مكان سقوطه، كما التقت الشبكة كذلك بالشيخ حسن الخويلدي الراوي الأول لهذه القصة على منبر الامام الحسين بغرض مناقشته حول الجانب الغيبي في هذه الحادثة المدهشة، مروراً بلقاء أحد الأطباء المعالجين للطفل، والرادود القطري صاحب القصيدة الشهيرة «آنا أم البنين الفاقدة أربع شباب..».

أهم ثلاثين ساعة في حياة سجاد:

الاستاذ علي عبد الكريم الخلفيقطن الطفل سجاد علي عبد الكريم الخلف «3 سنوات» برفقة عائلته المكونة من والده الاستاذ علي عبد الكريم الخلف (31 سنة) الموظف في (شركة صودا) بمدينة الجبيل الصناعية، ووالدته السيدة تهاني آل قريش «أم حسين» (27 سنة) ربة منزل، وأخوه الأكبر حسين (7 سنوات) الطالب بالصف الأول الابتدائي بمدرسة علي بن أبي طالب بصفوى، يقطنون جميعا شقة بدت مرتبة الأثاث بالدور العلوي الثالث في منزل العائلة الكائن في حي الخياطية بمدينة صفوى «محافظة القطيف» تحت كنف والدهم الحاج عبد الكريم الخلف (59 سنة) متقاعد من شركة ارامكو، في المنزل المكون من مجموعة شقق سكنية، يشارك السكن عائلة «سجاد» ثلاثة من أعمامه الذين يقطنون الشقق الأخرى المجاورة له.

زرنا منزل العائلة ذي الباحة الأمامية المزينة برسومات أبطال الكارتون والتي تبدو ملعباً للاطفال، واستقبلنا الجد أبومحمد بحفاوة بالغة في ديوانيته متوسطة الحجم مقدماً أمامنا الشاي والقهوة وطبق من التمر، هذه الديوانية لم تخلو من الزوار والضيوف منذ ساعة وقوع الحدث «فالناس تأتينا من مختلف الأماكن» يقول ابو محمد. الا أن الحاضر الغائب في زيارتنا تلك هو الاستاذ علي الخلف والد الطفل سجاد، فهو الذي رتب لنا هذه الزيارة مسبقاً وفتح لنا أبواب الكتابة في هذا التحقيق، الا أنه لم يكن حاضراً ساعة اجراء التحقيق لدواعي الدوام الرسمي. يقول الحاج أبومحمد «الحمد لله رب العالمين على نعمة سلامة ابننا سجاد بفضل الله وببركة آل البيت والسيدة الجليلة «أم البنين» (عليها السلام) ويشير الاستاذ علي الذي كان معنا على الهاتف «إن والدي الحاج وقف بجانبي في أحلك اللحظات، وكان يطمأنني في ساعة اليأس قائلاً لي: لا تخف يا بني برضانا أنا ووالدتك عليك، سيقوم ابنك سجاد بالسلامة عاجلاً انشاء الله».

وبعد قضاء وقت ممتع مع الحاج ابي محمد علمنا أن سجاد لا يزال نائماً وحتى يستيقض من نومه، استأذنا الحاج في رؤية موقع الحادثة والوقوف على مجريات الحدث على ارض الواقع، فلم يتردد في ذلك، حيث افسح لنا الطريق لدخول «غرفة السلالم» الرئيسية وأخذ يسرد لنا كيف حدث ماحدث بالتفصيل من لحظة خروج سجاد واخوه حسين من شقتهم حتى ساعة انقاذه.

في تلك الأثناء تم ايقاظ السيدة أم حسين والدة سجاد لتوقظ بدورها سجاداً كذلك، وللحقيقة بدونا للحظة وكأننا في موقف لا نحسد عليه جرّاء ازعاجنا للعائلة.. لكن تفاعل العائلة معنا انسانا كل ذلك، وان كدنا ندفع ثمن ذلك في عزوف الطفل سجاد في البداية عن التعاطي معنا، فقد بدى منزعجاً للغاية جرّاء ايقاظه من النوم.. الا ان عناية السيدة ام حسين وتشجيع الجد ابو محمد، ووصول حسين -الأخ الاكبر لسجاد- من المدرسة، كلها عوامل خدمتنا كثيراً في «اقناع» سجاد بالتعاطي معنا حتى انفتحت اساريره ليشنّف اسماعنا بترديده أبياته المعهودة بنبرة البراءة التي تسلب العقل عن لسان السيدة «أم البنين» «آنا أم البنين الفاقدة أربع شباب*** فدوة لتراب الحسين، فدوة لتراب الحسين».

عندها كان لابد لنا من استماع القصة وهي تروى ببراءة الطفولة وبحضور جميع ابطالها. فقد كانت البداية في الواحدة والنصف من ظهر يوم الإثنين 11 صفر 1426هـ الموافق 21 مارس 2005م، حين كان الطفل سجاد يلعب الكرة مع أخيه الأكبر حسين (7 سنوات) على السلّم الضيق الملاصق لباب شقتهما وهو يردد ابياتا شعرية طالما عشقها وما انفك يرددها طوال النهار، وهي تعود لقصيدة حسينية بصوت الرادود الحسيني نزار القطري كثيراً ما أعيد عرضها على «قناة الأنوار الفضائية» تحكي ابياتا حزينة عن لسان السيدة الجليلة فاطمة بنت حزام الكلابية المكناة بـ«أٌم البنين» الزوجة الثانية لأمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب ، القصيدة التي جاء في مطلعها باللهجة العراقية «آنا أُم البنين الفاقدة أربع شباب** فدوة لتراب الحسين، فدوة لتراب الحسين»، وفي الأثناء «سقطت منا الكرة للأسفل من خلال الفراغ الذي يتوسط السلالم فنزلت بغرض التقاطها من الأسفل حيث الدور الأرضي» كما يروي حسين، عند ذلك يتدخل سجاد ببراءة الطفولة وبلكنته الجميلة «كنت أريد أن القي نظرة على حسين وهو في الاسفل يلتقط الكرة» فسألناه كيف حدث ذلك مع وجود حاجز اسمنتي واق من خطر السقوط يبدو أرفع منك، فلم يتردد بالقفز فوراً أعلى الحاجز الاسمنتي في المنطقة ذاتها التي سقط منها سابقاً!! صُعقنا من حركته تلك، لكنه لم يكن مهتماً لذلك، «أقترب سجاد من الحاجز الاسمنتي الجانبي للسلّم، وتعلق به برفق في محاولة لالقاء نظرة للأسفل ليراقبني وهو يكرر ذات الأبيات الشعرية، آنا أم البنين... كمن يريد أن يُسمع تلك الأبيات الشعرية لجميع من في المنزل» كما يروي حسين، ويضيف حسين «تفاجأت لحظة وصولي للاسفل أن سجاد ممدد يتلوى أمامي اسفل السلم.. فصعقني المنظر، لأني تركته للتو في الأعلى في الدور الثالث، ذُهلت في كيفية وقوعه للاسفل دون أن أشعر به مطلقاً، مع أني كنت لحظتها نازلاً على السلّم ذاته»..

أثار صوت ارتطام الطفل بالأرضية حين هوي من علٍ قارب الأثنى عشر متراً جميع من في المنزل، «كنت مستلق على سريري على وشك النوم بعد يوم دراسي طويل، الا أن صوت ارتطام قوي افزعني، فقمت من فوري لالقاء نظرة على ما يحدث» يقول حسن (21 سنة) - أحد أعمام سجاد-، ثم يكمل «وقعت عيني أول مانظرت اسفل السلّم على سجاد وهو ممدد على الأرض ويقف بجانبه حسين وهو مرتبك ولا يدري مايصنع»، وعن الكيفية التي راى فيها سجاد «رأيت سجاد ممدداً على الارض مغمض العينين وقد خالجني شعور لوهلة أنه ربما انزلق من ارتفاع ثلاث أو أربع عتبات من السّلم، لعدم وجود أي بقعة دماء أو ما يوحي بحادث سقوط خطير، الا ان ابن أخي حسين صرخ في وجهي ان سجاداً وقع من الدور العلوي»، وحول ما فعله هو، يكمل حسن «بعد تردد دام لدقائق من هول الصدمة، وخوفا من تعريض سجاد لأي مضاعفات ظناً مني أنه ربما تعرض لكسور متعددة أو نزيف داخلي، حملته بعدها الى والدته التي كانت لاتزال بشقتها في الدور العلوي».

تقول السيدة أم حسين والدة سجاد«رأيت فجأة حماي حسن ولم أتخيل ذلك المنظر حيث نظرت لإبني سجاد هو بين يدي عمه على هيئة النائم وعينه شبه مفتوحة، فظننته لن يعيش بعد اليوم، فقطع حماي حسن دهشتي وشرود ذهني بقوله بانفعال حاد ان سجاد سقط من الدور العلوي للاسفل ولابد من أخذه فوراً للمستشفى»، كما تكمل السيدة أم حسين «اتصلت بزوجي لأستأذنه بالذهاب للمستوصف على عجل دون أن أخبره بحقيقة ماجرى بالتفصيل بل ادعيت أن سجاد تعرض لانزلاق خفيف عند السلّم حتى لا أسبب لزوجي أي ارباك وهو على وشك الوصول من مقر عمله».

 يقول الحاج ابو محمد «على عجلٍ حضر ابني حسن وقال لي ان أم حسين تريد منك توصيلها الى المستشفى برفقة سجاد فقد سقط من سطح الدور الثالث، تذكرت حينها صوت الارتطام الذي سمعته منذ دقائق وظننت أن شيئاً ما سقطت من الأعلى ربما في بيت الجيران، فاتجهت بهما فوراً لمستوصف «سلامتك» بصفوى».

في مستوصف «سلامتك» حيث ذهبت السيدة أم حسين برفقة ابنها سجاد الذي بدت عليه علامات الحياة من جديد، تولى الفحوصات الدكتور قاسم «هندي الجنسية» الذي أكد فور اجراء الفحوصات اللازمة على الطفل أنه لا يعاني من أية كسور أو كدمات، وحيث لا يعاني من حول في العينين فهو سليم طبياً، فكتب وصفة طبية للاستعمال وقت الضرورة، في حين شدد على نقطة واحدة مهمة في نصيحته للسيدة أم حسين وهي ضرورة أن تعود بإبنها فوراً للعيادة في حال انتابته نوبة قيئ، فإن ذلك ربما ينبيء عن وضع خطير يتعرض له الطفل. تروي السيدة أم حسين « عند توجهي نحو الصيدلية المجاورة لصرف الوصفة الطبية، تعرض سجاد لحالة قيئ مفاجئة الأمر الذي أفزعني فعدت للطبيب مباشرة، وقد نصح فوراً بتحويله الى مستشفى آخر لإجراء أشعة مقطعية لعلها تظهر ما عجزت عن اظهاره الأشعة العادية«X Ray»».

في المستشفى ساعات حرجة.. وفرج:

في تلك الأثناء وصل السيد علي والد سجاد بعد نهاية دوامه اليومي، ليروي لنا « انطلقنا فوراً نحو مدينة الدمام حيث مستشفى المواساة، هناك في قسم الطوارئ تجمع من حول سجاد عدد من الأطباء يتقدمهم الدكتور يسري بهنام «مصري الجنسية» يعمل استشاري جراحة المخ والأعصاب بالمستشفى، والدكتور عاهد مكحل «عراقي الجنسية» فكانت الانطباعات الأولية أن حادثاً من هذا النوع لابد أن ينتج عنه شللاً تاماً ان لم تكن الوفاة. لم يطل انتظارنا حيث ظهرت نتائج الأشعة المقطعية التي اتضح من خلالها أن هناك شرخاً في جمجمة سجاد تعلوه طبقة دماء متخثرة، ولا كسور أو كدمات أخرى في أي جزء آخر من جسم سجاد»، وبهذا استنتج الأطباء كما يروي الأب حقيقتين «أن الطفل تعرض لحادث ارتطام قوي أدى الى حدوث الشرخ المذكور، والحقيقية الأخرى أن عدم وجود كدمات أخرى أو كسور في اجزاء أخرى من الجسم لا ينبئ الا عن حقيقة واحدة وهي أن الطفل تعرض للسقوط بشكل عمودي ليرتطم بالأرض دون أن يصطدم أثناء سقوطه بأي جسم آخر، والا لكان من المؤكد تعرضه لكسور أو كدمات أخرى..» الا أن أشد ما زلزل كياني يقول الاستاذ علي « حين أسرّ لي الدكتور يسري القول ان عاش ابنك هذه الليلة فستكون تلك معجزة» مضيفاً أن التحذير الأساس هو «الخشية في أن يتسرب الدم المتخثر حول شرخ الجمجمة لداخل الجمجمة» ولذا تقرر منع سجاد من شرب الماء مطلقاً حتى لا يساهم في ذلك اسالة الدم المتخثر فيحدث ما لا تحمد عقباه، على أن يبقى منوماً بالمستشفى تحت المراقبة المشددة حتى يتضح الأمر.

يروي الاستاذ علي« في ذلك الوقت كانت المكالمات الهاتفية تنهال عليّ للاطمئنان على سجاد، فلم أملك بعد ترددٍ إلا أن أخبرهم بالحقيقة المؤلمة حول اصابة سجاد الخطيرة»، كما يشير مكملاً «وحده والدي في تلك الساعات القاتمة كان يسبغ علينا روح الاطمئنان، ويهدئ من روعنا، ويكرر بكل ثقة برضاي عليك أنا وأمك سيقوم ابنك بالسلامة بإذن الله».

تقول السيدة أم حسين « في ذلك الوقت ساءت حالة سجاد كثيراً فلا هو بالنائم ولا المستيقظ، وتنتابه بين الحين والآخر نوبات بكاء وأنين أو قيئ مفاجئ، ويبكي كلما اقترب منه أحد لإجراء فحوص، وبشكل لم اتمالك نفسي من النحيب وأنا بجانبه في المستشفى..»، في ذلك الوقت العصيب تكمل أم حسين « كان سجاد يردد في احيان ذات الأبيات الشعرية التي تعوّد على تردادها«آنا أم البنين الفاقدة...» لدرجة خشيت معها أن ابني قد فقد عقله»، واستمر الحال هكذا حتى العاشرة والنصف مساء ليتغير فجأة كل شئ «طلب سجاد في ذلك الوقت الذهاب للحمام فتم فصل انبوب «المغذي» عنه، كما طلب شربة من الماء وزبادي، فاستشرت الممرضات المشرفات فامتنعن بشدة عن سقيه الماء نزولا عند تعليمات الطبيب، حتى صار يبكي وازداد الحاحه في طلب الماء مبدياً عطشه الشديد»، عندها قررتُ تقول السيدة أم حسين « قررتُ عندها سقيه الماء مهما حصل من أمر، فجَِرَت حينها مشاورات بين طاقم التمريض حتى تقرر سقيه مقداراً قليلا من الماء بما يبل ريقه فحسب».

تكمل والدة سجاد روايتها «في تلك اللحظة بدى سجاد مستيقظاً تماماً وفي كامل وعيه وهو يردد باستغراق كبير الأبيات الشعرية ذاتها«آنا أم البنين الفاقدة.. » حينها خاطبت سجاد والألم يعتصرني على الحال الذي أراه بها، بُنيّ ما بك؟ ومماذا تشكو؟ فأجابها ببرائته الطفولية ندرجها هنا باللهجة المحلية«ماما ليش تصيحين أنا مافيني شيء، أنا ما طحت على الأرض، ماما أنا يوم كنت فوق اقول «آنا أم البنين الفاقدة..» وطحت من فوق، مسكتني امرأة لابسة ثوب أخضر، وخلتني على الأرض وهي تقول لي «آنا أم البنين الفاقدة أربع شباب.. فدوة لتراب الحسين». تعقب أم حسين عندها انفجرت بالبكاء والصلوات على محمد وآل محمد متيقنة أن معجزة الهية حدثت لسجاد ببركة أم البنين».

خرج سجاد من المستشفى في اليوم التالي بعد ما يقارب الثلاثين ساعة كانت ربما الساعات الأطول والأهم في حياته وحياة والديه وعائلته، خرج بعدها صحيحاً معافى كأن لم يصبه شيء، وراجع بعدها بأيام مستوصف «سلامتك» بصفوى بغرض ازالة طبقة الدماء المتخثرة حول الشرخ الذي أصاب جمجمته، وأجريت له عملية جراحة سطحية خفيفة كللت بالنجاح، لدرجة لم تلاحظ «شبكة راصد الإخبارية» عليه أية آثار تنبئ بالاصابة الأصلية أو العملية الجراحية التي اجريت لاحقاً.

الدكتور يسري بهنام:

ازاء هذه الحادثة غير المألوفة استطاعت «شبكة راصد الإخبارية» اجراء لقاء خاطف مع أحد أبرز الأطباء المشرفين على متابعة وعلاج الطفل سجاد في محاولة لفهم هذا الحدث النادر من الناحية الطبية، فقال الدكتور يسري بهنام استشاري جراحة المخ والأعصاب بمستشفى المواساة بالدمام «من الناحية الطبية ليس لنا كأطباء الا التعامل مع الحالة الموجودة أمامنا بغض النظر عن المسببات.. الا بمقدار ما يتطلب الأمر«طبيا» منا ذلك»، وحول تفسيره لوقوع حادث سقوط أياً كان شكل هذا الحادث أو مسبباته ثم لا ينتج عنه الا أضرار محدودة أشار الدكتور«هناك عوامل كثيرة تحكم نوعية الاصابة، منها طبيعة السطح الذي يقع عليه المريض، ومنها زاوية السقوط، ومنها ارتطام الجسم اثناء السقوط بأجسام أخرى مما يمكن أن يخفف نسبياً من وقع الارتطام بالارض»، كما أكد على حقيقة «أن وجود شرخ بجمجمة المريض «سجاد» يشير بلا شك الى حادث ارتطام قوي، فالله وهب لنا الجمجمة ولم يجعل لها من وظيفة سوى كونها بمثابة القبعة الواقية للدماغ، ولذلك منحها من القوة ما يجعلها تتحمل الصدمات القوية، ولعل أبرز مظهر من مظاهر قوة عظام الجمجمة هو تعميرها لمئات السنين..»، وحول كلمته لوالد الطفل سجاد بأن بقاء سجاد ليلة الإصابة قد يكون بمعجزة، يبتسم الدكتور بهنام ويقول بلهجته المصرية « بنحمد ربنا انها جات سليمة..»، المؤسف أن الدكتور بهنام تحفظ بشدة على التقاط صورة شخصية له وهو في مكتبه الصغير في الغرفة رقم 27 بعيادة المخ والأعصاب..

شهادة أخرى من داخل المستشفى:

كما اتصلت «شبكة راصد الإخبارية» بالآنسة فداء السادة الموظفة بقسم الاستقبال بمستشفى المواساة بالدمام، والتي روت لنا مجريات الحدث كما شهدتها فتقول«كنت أمارس عملي اليومي بالمستشفى حين جائتني مكالمة هاتفية خاصة تخبرني فيها احدى قريباتي بأن سجاد -الذي أعرفه وأعرف عائلته- قد وقع من الدور الثالث في بيتهم وهو الآن لديكم بالمستشفى» كما تضيف الآنسة السادة «ذهبت من فوري نحو قسم الطوارئ إلا اني علمت من الطبيب المناوب أن سجاد الآن في غرفة الأشعة، وأنه يعاني من شرخ في الجمجمة»، وما أن حل المساء حتى تم تحويل سجاد لقسم التنويم بالمستشفى، تكمل الآنسة فداء «في المساء علمت بوجود سجاد مع والدته في قسم التنويم فذهبت لزيارته في غرفته، فوجدته في وضع غير مستقر، فهو لا بالنائم ولا بالمستيقظ، الا أني لم الاحظ عليه أي اشارة تدل على أنه وقع من علو ثلاثة أدوار»، كما تعلق الآنسة السادة بالقول «لو لم أكن أعرف العائلة جيداً لما كنت صدقت مقولة أنه تعرض للسقوط من هذا الارتفاع»، بيد أنها تشير الى «بالتأكيد، ان من رأى سجاد في المساء وهو في وضع حرج يصاب بالدهشة عندما يراه في اليوم التالي فقد بدى مفعماً بالحيوية ولا يصدق من يراه انه هو ذات الطفل الأول».

الشيخ الخويلدي:

الشيخ الخويلديان المسافة بين عالم الغيب وعالم الشهادة حسب التعبير القرآني أو ما يطلق عليه بعالم الفيزيقيا والميتافيزيقيا، تضيق وتتسع في ايمان وحياة الناس باختلاف قناعاتتهم الدينية والثقافية.. أوالفلسفية في هذه الحياة، ولأن حياة الشهادة هي حياتنا اليومية المعتادة في الدراسة والعمل والمنزل فقد لا يكتنفها بنظرالكثيرين أية أبعاد غيبية «ظاهرة» تستدعي الوقوف عندها، فأحداثها تجري بمسبباتها الاعتيادية وبشكلها المحسوس والمألوف.

لكن مواجهتنا لبعض الأحداث التي قد لا نجد لها تفسيراً اعتيادياً، وبشكل يدفع بعضنا لتصنيف هذه الوقائع ضمن «الغيبيات» أو «الماورائيات» أو «الميتافيزيقا».. فإن الناس إزاءها يكونون على ثلاثة مذاهب، فمنهم من يلتزم مبدأ التشكيك المطلق والنظر لهذه القصص الغيبية التي تروى هنا أو هناك باعتبارها قصصاً غير ذات قيمة، بينما قد يؤمن بها البعض الآخر ايماناً مطلقاً بالركون الى اليقينيات العقيدية في امكان حدوث ماهو أعظم من ذلك وفق قراءته الدينية للوقائع، في حين قد يلزم طرف ثالث موقف الحياد الايجابي فلا يكذب مثل هذه القصص والروايات لكنه يحتكم في صدقيتها الى المنهج العلمي «وربما الدليل المادي» في اثبات هذه الحادثة أو تلك القصة.. التي ينظر لها رواتها الاصليون باعتبارها «معجزات الهية».

بهذا الصدد أجرت «شبكة راصد الإخبارية» لقاء مفصلاً مع سماحة الشيخ حسن الخويلدي، أول من أطلق وقائع هذه الحادثة الفريدة، من خلال محاضراته التي القاها في مختلف مدن محافظة القطيف «شرق السعودية» يوم أربعينية الإمام الحسين عليه السلام 20 صفر 1426هـ المصادف 31 مارس 2005م.

ويذكر الشيخ الخويلدي حول كيفية معرفته بهذه الحادثة «سمعت بها كباقي الناس في منطقتنا، فبعثت أحد الأصدقاء من مكتبنا الخاص لأخذ كامل التفاصيل من السيد علي الخلف والد الطفل سجاد، وقد استأذنته في اتصال هاتفي أن أطرح هذه الحادثة بتفاصيلها على المنبر، فلم يمانع»، وعن سبب اهتمامه بهذه الحادثة تحديداً يقول الشيخ الخويلدي«ان الكثيرمن الناس قد شغلتهم الحياة المادية، ونحن أحوج ما نكون للارتباط بعالم الروح والايمان، فجاءت هذه الحادثة الواقعية والمعروفة بشخوصها وأماكن وقوعها لتمثل خير مصداق ودافع للناس لادراك حقيقة أن الحياة ليس كلها مادة فحسب..»

وللوغول في عمق الحادثة وملابساتها سألت «شبكة راصد الإخبارية» سماحة الشيخ الخويلدي أن يُعرف أولاً بطلة هذه القصة السيدة الجليلة «أُم البنين» وماذا عن أبناءها الاربعة، فقال: هذه السيدة الطاهرة هي فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية، هي إمرأة أقل ما يقال فيها أنها نادرة الوجود بصفاتها الأخلاقية العظيمة، فهي ومذ خطبها أمير المؤمنين علي كانت مخيرة بين حياة التقشف الذي يحياها الإمام وبين البحبوحة التي تعيشها في كنف قبيلتها العظيمة، فاختارت علياً ، ويذكر أرباب السِيّر أنها في ليلة زفافها أخبرت أهلها أنها ستستأذن الحسن والحسين في أن تدخل بيت أبيهما كخادمة لهما فإن قبلا فبها وإلا عادت من حيث أتت، فاستأذنتهما فأجاباها بأن البيت بيتك فدخلت، وحدث أن كان الحسنان مصابان بالحمى في تلك الليلة والكل يتسابق على تطبيبهما في بيوت الأصحاب، فأبت «أُم البنين»الا أن تقوم هي بعيادتهما بنفسها وقد فعلت.

وقد طلبت من علي أن يغير اسمها، قائلة انك اذا ناديتني بإسمي فاطمة، أرى الانكسار بادياً على وجوه الحسن والحسين وزينب ، فإنهم يذكرون أمهم فاطمة الزهراء ويتألمون. فما كان من الإمام إلا أن استجاب لها فغير اسمها الى «أم البنين».

والمعروف أن السيدة الطاهرة «أُم البنين» رزقت من علي بأربعة أبناء هم أبوالفضل العباس وعبد الله وجعفر وعون عليهم رضوان الله تعالى، لكنها مع ذلك كانت تؤثر الحسين عليهم جميعاً ولم نعهد أن امرأة تؤثر أبناء ضرتها على أبنائها.. وقد كان ذلك حقيقةً لا ادعاءً، فحين دخل الشاعر بشر بن حذلم المدينة المنورة ينعى الحسين بأبياته الشهيرة:

« يـــــا أهـــــل يــــثرب لا مــقام لكم بها***قــــــتل الحســــــين فـــــأدمعي مـدرار»
«الجـــــسم مـــــنه بــــكربلاء مضــــرج***والـــــرأس منـــــه عـــــلى القناة يدار»

واجه «أُم البنين» وهي تحمل طفلاً على كتفها وعرفها بعد أن سأل عنها، فحاول أن يخفف عنها مصيبتها بالحسين لمعرفته بإيثارها اياه حتى على ابناءها الأربعة، وذلك من خلال تعظيم أجرها في وفاة ابنائها الواحد تلو الآخر حتى يشغلها عن مقتل الحسين، وهي تقول له في كل مرة ما عن هذا سألتك، أخبرني عن ولدي الحسين أهو حي أم ميت، حتى وصل لقوله عظم الله لك الأجر في ابنك ابي الفضل العباس فقد قطعت يداه وفضخ رأسه بعمود الحديد ونبت السهم في عينه، وهو يعرف مدى تعلقها به بأبي الفضل، فما ان سمعت ذلك حتى ذهلت فسقط الطفل الذي على كتفها لفرط مصيبتها، فخاطبته والألم يعتصرها ويحك لقد قطعت نياط قلبي، أخبرني عن ولدي الحسين أهو حي أم ميت، فقال لها بشر: يا أم البنين عظم الله لك الأجر بأبي عبد الله الحسين .
فقضت بعد استشهاده ثلاث سنين صائمة نهارها قائمة ليلها باكية على مصاب الحسين وآل بيته، الى أن توفاها الله اليه.

وقد طلبت «شبكة راصد الإخبارية» من سماحة الشيخ الخويلدي أن يعمل على شرح الفكرة الغيبية التي تقف خلف مثل هذه الحادثة وغيرها من الحوادث المشابهة، فقال: يمكننا الإجابة على هذا التساؤل ضمن أكثر من محور:

• أولاً: إن الايمان بالغيب يعتبر من صفات المؤمنين ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ[1]  والغيب هو ما يقابل الشهادة، فالمسلم يؤمن بوجود ملك الموت، ومنكر ونكير، والقيامة، والميزان والحساب، وتطاير الكتب، ويؤمن كذلك بأن ملك الموت يقبض الأرواح وهي كالدراهم بين يديه، وكل هذه غيوب، إلا ان المسلم الحق يؤمن بها دون جدال.

• ثانياً: يجب أن نضع بعين الإعتبار أن ليس كل الأمور تقاس بالعقل دائماً، مع علمنا بأن العقل هو حجة الله الباطنة، ولكنا كمسلمين في كثير من الامور التي نسلم بها لا يمكن للعقل التسليم بها تلقائياً، سواء في أمورنا العبادية أو الكونية، فلا يوجد مسلم واحد يناقش مسألة وجوب الصوم في شهر رمضان دون غيره، وأنه لماذا لا يكفي صيام شهر رجب مثلاً، ولماذا يجب الافطار في أول أيام شوال، ولماذا صلاة الصبح ركعتين فقط ولماذا الظهر أربع ركعات والمغرب ثلاثاً وليست أقل من ذلك أو أكثر. لغير المسلم أن يعتبر بعض مسائل الحج«مثلاً» ضرباً من الجنون حين يجتمع مئات الألوف من البشر في مشعر منى لرمي سبع حصيات على جدار، ولكنا نؤمن بكل ذلك تعبداً لله تعالى، وقد جاء في الأثر عن علي «ان الله اختبرعباده بحجارة لا تضر ولا تنفع سماها بيته الحرام..».

وكذلك في الأمور الكونية لا يمكن للعقل أن يتصور كيف أن عصاً صغيرة قد تفلق بحراً ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ[2] ْ والطود يعني الجبل يعني أن كل جهة من البحر كانت تبدو كالجبل العظيم، فكيف للعقل استيعاب ذلك؟.

وكيف يستوعب العقل كذلك أن يبتلع الحوت انساناً فيبقى في بطنه ثلاثة أيام، أو تسع ساعات على أقل التقادير ليدور به بحار العالم، فكيف يبقى هذا الانسان على قيد الحياة لولا أن الله سبحانه وتعالى بحكمته شاء أن يكون ذلك ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ • فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ • لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ[3]  وقد جاء في الأثر أن الله تعالى قد أوحى للحوت «انما جعلت من بطنك سجناً لعبدي يونس فلا تكسر له عظماً ولا تجرح له جلداً ولا تمضغ له لحماً».

وهكذا على ذات المنوال لا يمكن للعقل المجرد تقبل أن ناراً تحرق الطير على بعد فرسخ لشد حرارتها، كيف أن هذه النار لا تحرق نبي الله إبراهيم ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ • قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ[4] . وكيف لقميص أن يلقى على وجه أعمى فيعود بصيراً كما في قصة يوسف ﴿اذْهَبُواْ بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ[5]  فهل يصدق العقل هذا؟.

• ثالثاً: ان الله تعالى جعل لأولياءه في الدنيا ولاية كونية من فيض ولايته المطلقة، فالله سبحانه وتعالى هو الولي أي المتصرف في الكون فلا أحد مثله، وحينما يجعل سبحانه لبعض أولياءه ولاية فإن هذه الولاية ليست من سنخ ولايتة تعالى وإنما هي ولاية مكتسبة، في حين إن ولاية الله سبحانه أزلية لم تسبق بالعدم، والأمثلة على ذلك كثيرة:

فنبي الله عيسى كانت له ولاية وسلطة في الكون تتعلق بسلطة الإحياء فكان يحي الموتى بإذن الله ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللّهِ وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ..[6]  مع أن عيسى لا يشارك الله في صفة الإحياء، لأن ما عنده هي صفة مكتسبة من الله.

كذلك ملك الموت لديه سلطة الإماته ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ[7]  لكنه مع هذا لا يشارك الله في صفاته الأزلية﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ..[8] . والطبيب الحاذق أيضاً له صفة العلاج لكنه لا يشارك الله تعالى في سلطة المعافاة والشفاء ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ[9] ، وقد جعل الله تعالى سلطة في الكون لبعض ملائكته ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا[10] .

بل جعل الله سبحانه لبعض خلقه قدرة لا يستوعبها العقل كذلك كالجنّ مثلاً ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ[11]  فعرش بلقيس في سبأ باليمن وسليمان في فلسطين وهذا الجني على استعداد لإحضاره، وهي مسافة تقدر وفق المقاييس الحالية بأربع ساعات طيران باستخدام الطيران المدني.

وقد يجعل الله سلطة كونية لدى بعض عباده من البشر غير المعصومين، كما جعلها لـ﴿الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ[12]  وهو آصف بن برخيا وصي سليمان ﴿قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي..[13]  وقد أحضر عرش بلقيس من سبأ لفلسطين في لمح البصر.

فإذا كان لا يستكثر على آصف بن برخيا فعل ذلك وهو غير معصوم، فكيف يستكثر على بعض أولياء الله كأبي الفضل العباس وأمه أم البنين (عليها السلام) فعل ماهو أقل من ذلك بكثير؟

تدخلت «شبكة راصد الإخبارية» بسؤال حول أن مجمل ما ذكره الشيخ الخويلدي يتعلق بأمور جرت في أيام حياة أؤلئك الأنبياء والأولياء، وهذا مما لا ينكره مسلم، الا أن السؤال الأهم هو ماذا عن الفاصل الزمني ونحن نتحدث عن حوادث تجري بعد مئات السنين من وفاة اولئك الأولياء والشهداء ومع ذلك يسجل لهم حضورهم فيها؟

هنا يوضح الشيخ الخويلدي قائلاً: يمكننا تناول ذلك انطلاقاً من مبحث «الوسيلة» والمتمثل في الآية الكريمة﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا[14]  والمعروف أن الرسول الأكرم كان له من العمر 63 سنة، وهو خاتم الأنبياء ورسول البشرية الى يوم الدين، ولا يوجد في الآية أي محددٍ بأن استغفار الرسول للأمة لا يكون الا في فترة حياته فقط، ومقتضى ذلك أن الآية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ.. [15]  ليس في حياتك يا رسول الله فقط، بل هي مطلقة في أيام حياته وبعد استشهاده والى يوم يبعثون.

والمسلمون جميعاً منذ مطلع الرسالة والى يوم يبعثون يخاطبون الرسول في صلواتهم الخمس «السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته» وهذا يعني أن المسلم في صلاته بإزاء مخاطَبٍ يوجه له السلام، بمعنى أن ذلك يقتضي حضوره ، ومسألة تعدد الحضور في أماكن مختلفة تشبه حضور أشعة الشمس في مختلف الأماكن وهي ثابته في مكانها، أو وجود خاصية الجاذبية الأرضية في كل الأرض مع أنها لا ترى ولا تدرك الا بآثارها.

كما يضيف الشيخ القول: ان الله تعالى لم يخبرنا بحياة الأولياء والشهداء فقط وأنهم باقون ما بقي الدهر، بل نهانا عن أن ننعتهم بالأموات ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ[16]  فالمسألة تكمن في عدم شعورنا بحضورهؤلاء الأولياء والشهداء وجهلنا بكيفية هذا الحضورلا في أصل الحضور، اذاً فلهم حضور لا يشعر به الناس لأنهم نور الله، والله جعلهم أنواراً تماماً كنور الشمس كما مثلنا سلفاً، ومسألة الشعور هذه تذكرنا بصلاة وتسبيح الطيرالذي لا نستطيع بقدراتنا البشرية ادراك ماهيته ﴿وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ[17] ، ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا[18] ، فهناك صلوات وتسبيح للطير ولكنا لا نفقه هذا التسبيح، وهذا لا يعني بأي حال عدم وجوده.

وفي سؤال لـ «شبكة راصد الإخبارية» عن تفسيره لحضور هؤلاء الأولياء في وقائع معينة وغيابهم في وقائع أخرى، أشار سماحته: الأمور تقدر بقدرها، والثابت أن أولياء الله لا يحضرون إلا عند من يستحق الحضور، ولكن قد يحضرون عند من لا يستحق الحضور.. لتحقيق أمر يُعدّ تحقيقه أهم من عدم الحضور، وفقاً لقاعدة «اذا تزاحم أمران أحدهما مهم والآخر أهم، قُدم الأهم على المهم».

وفي هذا الصدد ينقل عن الفخر الرازي قوله «إن اظهار الكرامة على يد أي ولي من أولياء الله، لا يخلو من أمرين: اما ان الله تعالى عاجز عن اظهار هذه الكرامة، وهذا غير صحيح. أو أن الولي غير مستحق للكرامة، وهذا باطل. هنا يطرح الفخر الرازي ما يسمى بالحصر العقلي ليثبت حقيقة ان ظهور الكرامة على يد الأولياء هي أمر وارد جداً، «والأولياء هنا قد يكونون ذكوراً أو اناثاً فمريم بنت عمران ولية من أولياء الله وهي امرأة، وكذلك الحال مع السيدة الجليلة أم البنين (عليها السلام).

«قناة لأنوار»:

لابد وأن لاحظ قارئ هذا التحقيق المطول ذكر «قناة الأنوار الفضائية» بإعتبارها المصدر الأول للأنشودة التي كان يرددها سجاد«أم البنين الفاقدة أربع شباب..» فماذا عن هذه القناة الفضائية وما سرّ اهتمام قطاع كبير من الجمهور الشيعي بمتابعتها؟

غير خافٍ أن المشاهدين الشيعة في مناطق كثيرة من العالم والخليج تحديداً، كانوا يتابعون لفترة طويلة القنوات الاذاعية والتلفزيونية الإيرانية، بالنظر لما تعكسه هذه القنوات من «هوية» شيعية مغيبة في الأوطان الأم، لذا فقد كانت تسدّ في بعض جوانبها فراغاً اعلامياً "ما" في حياة مشاهديها الشيعة، خصوصاً اولئك المشاهدين المتواجدين في مناطق لا يحظون فيها بالاعتراف الديني والمذهبي تحديداً، بل كثيراً ما واجهوا اعلاماً استفزازياً معاكساً يشكك في هويتهم الاسلامية! حتى برزت فيما بعد للعلن قناة «المنار» اللبنانية التي يقوم عليها «حزب الله اللبناني» لتأخذ بدورها نصيباً من الجمهور الشيعي في مختلف المناطق..

إلا أن بروز قناة كويتية ممولة أهلياً في سماء الاعلام الفضائي تحت مسمى «قناة الأنوارالفضائية» في عام 2004م، الى جانب قناة أخرى عراقية هي «قناة الفرات» أحدث ذلك نقلية نوعية كبيرة في فضاء الاعلام «الشيعي» فاق تأثيره أية قناة «شيعية» سابقة، ففي الوقت الذي التزمت تلك القنوات جانب الاعلام الاسلامي العام، اتجهت «الفرات» عموماً و«الأنوار» على وجه خاص نحو الاستجابة لتحدي «الهوية الشيعية» الذي طغى على بعض برامج القنوات الأخرى هنا أو هناك، فالتزمت هذه القناة بأسلوب هادئ ومعتدل جانب الاعلام العقائدي المحض دون الدخول في صراعات السياسة أو الدين، والتزمت كذلك برسالة اعلامية اسلامية مباشرة وفق مدرسة ومنهج آل البيت ، من خلال البرامج الحوارية والتغطيات المباشرة وعرض التمثيليات والتواشيح والاناشيد و"لطميات العزاء" المختلفة.

فأصبحت «الأنوار» بين عشية وضحاها «القناة المدللة» في البيت الشيعي، من خلال نقلها المباشر لوقائع أعظم المناسبات الشيعية كوقائع عاشوراء والأربعين من المدن الشيعية المقدسة مثل النجف الأشرف وكربلاء المقدسة أكثر الأماكن قدسية في حياة الشيعة بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، فاصبحت بذلك منبر الاعلام الذي يشفي الغليل ويروي الظمأ ويسدُ نهم المشاهد الشيعي في أماكن كثيرة من العالم، بالخصوص في المناسبات الدينية، السعيدة منها حيث مواليد الأئمة والحزينة المشحونة عاطفياً حيث وفاتهم .

نزار القطري:

الرادود الحسيني الأستاذ نزار القطريوما دمنا قد جئنا على ذكر «قناة الأنوار الفضائية» فلابد هنا من التطرق الى الرادود الحسيني الأستاذ نزار القطري صاحب قصيدة «آنا أم البنين الفاقدة أربع شباب*** فدوة لتراب الحسين، فدوة لتراب الحسين» فمن هو نزار القطري، وما قصة هذه القصيدة وكيف وجدت طريقها الى قناة الأنوار الفضائية.

للإجابة على هذه الأسئلة اتصلت «شبكة راصد الإخبارية» بالرادود الحسيني الاستاذ نزار القطري، لتستقي منه مباشرة جميع هذه التفاصيل، وقد أجاب على أسئلتنا تعريفاً بنفسه أولاً «اسمي نزار فضل الله رواني، عرفت بالقطري لأن مولدي ودراستي وموطن عائلتي حتى الآن في دولة قطر، لكني وبعد اقامة طويلة في بريطانيا حصلت على الجنسية البريطانية، عمري (34 سنة)، متزوج ولديّ كوثر (4 سنوات) وحسين (3 سنوات)» وعن مكان اقامته وعمله الحالي يقول الاستاذ نزار «أقيم حالياً في الكويت منذ 7 أشهر، وأعمل في قسم الأخبار لدى «قناة الراي» كمعد للبرامج الأخبارية»، ويضيف الاستاذ القطري حول بداياته مع الانشاد الحسيني «بدأت منذ سن الثامنة من عمري، يعني منذ 26 سنة تقريباً، أحفظ القرآن وفزت بالمركز الأول في مسابقات تحفيظ القرآن في قطر سبع مرات عن المرحلة العمرية التي كنت فيها».

وعند سؤال «شبكة راصد الإخبارية» حول قصة الطفل سجاد الخلف مع السيدة «أم البنين» على خلفية انشودته المعروضة على «قناة الأنوار» وما اذا كان سمع بذلك، أجاب الأستاذ نزار«بالتأكيد سمعت عنها وقرأت على شبكة الأنترنت بعض التفاصيل»، وعن تعليقه حول مجمل هذه الحادثة يقول الاستاذ القطري«أشكر الله على ذلك، وأن ذلك انشاء الله من علامات القبول، وأعلم يقيناً أن ذلك ليس بغريب على السيدة الجليلة أم البنين»، كما يعلق الاستاذ القطري «ربما حدث ذلك لهذا الطفل البرئ لبلغ عن لسانه جميع الكبار بفضل ومكانة أهل البيت ، وأنه اذا كان الكبار قد يكذبون لاسمح الله، فإن الصغار لا يعرفون الكذب ولا مصلحة لهم في ذلك، فأن يأت طفل صغير ليصف امرأة جليلة تأتيه من الغيب لتمد له يد عطفها ويسميها بالإسم.. ان هذه معجزة ربانية».

أما عن رد فعله بعد سماعه لحادثة سجاد يقول الاستاذ نزار«لقد أعطتني دافعاً كبيراً نحو الاسراع في ترجمة الكثير من الأفكار التي أحتفظ بها منذ زمن، لأعدكم وأعد الأخوة المؤمنين بمفاجئات غير متوقعة قريباً انشاء الله»، وحول حكاية القصيدة «آنا أم البنين الفاقدة..» أشار الاستاذ القطري «القصيدة للشاعر محمد نادب الكربلائي، وجدتها في أحد الدواوين الشعرية، الا أن الجواب المتكرر «آنا أم البنين الفاقدة أربع شباب *** فدوة لتراب الحسين فدوة لتراب الحسين» كان هذا من تأليفي، وقد القيتها لأول مرة قبل عامين في سلطنة عمان، وأتذكر أني أعددت نفسي بهذه القصيدة قبل ساعتين من مشاركتي بها لتخرج بهذا الشكل ولله الحمد، وقد أدرجتها ضمن أحد اصدارتي الصوتية بعنوان «يالغالي جاوبني»..».

وعن كيفية عرض هذه القصيدة على قناة الأنوار يقول الاستاذ القطري «اتصلت بي «قناة الأنوار» وطلبوا مني اختيار قصيدتين من اصداري الصوتي آنف الذكر، بحيث تكون القصائد المختارة عامة، غير محددة بمناسبة معينة أو شخصية معينة حتى يمكن للقناة عرضها طوال موسم محرم وصفر وقد وعدتهم خيراً»، ويواصل الاستاذ نزار حديثه لـ «شبكة راصد الإخبارية» قائلاً « لكني مع هذا ولسبب غير معروف وقع اختياري على قصيدة أم البنين ، وأتذكر أننا بدأنا تصوير القصيدة في استوديوهات «الأنوار» منذ الساعة الثانية عشر مساء حتى الرابعة فجراً من ليلة الثاني من شهر محرم الفائت».

ختاماً لا تملك «شبكة راصد الإخبارية» الا أن تقدم جزيل الشكر والعرفان لجميع من ساهم في اعداد هذا التحقيق الموسع بدءً بعائلة الخلف الكريمة وعلى رأسهم والد سجاد الاستاذ علي الخلف، والجد أبو محمد الخلف وسائر أفراد العائلة الكريمة الذين تحملونا كثيراً ولم يبخلوا علينا بتقديم كل ما وسعهم من جهد ومساعدة، كما نخص بالشكر كذلك سماحة الشيخ حسن الخويلدي الذي لم يبخل علينا بوقته الثمين ليخصنا بأجوبته المسهبة والشافية، والشكر موصول للأستاذ نزار القطري الذي تجشم عناء التواصل معنا من الكويت.

[1]  سورة البقرة الآية 3.
[2]  سورة الشعراء الآية 63.
[3]  سورة ا لصافات من الآية142.
[4]  سورة الأنبياء من الأية68.
[5]  سورة يوسف الآية 93.
[6]  سورة آل عمران الآية 49.
[7]  سورة السجدة الآية 11.
[8]  سورة الجاثية الآية 26.
[9]  سورة الشعراء الآية 80.
[10]  سورة النازعات الآية 5.
[11]  سورة النمل الآية 39.
[12]  سورة النمل من الآية 40.
[13]  سورة النمل الآية 40.
[14]  سورة النساء من الآية 65.
[15]  سورة النساء الآية 65.
[16]  سورة البقرة الآية 154.
[17]  سورة النور الآية 43.
[18]  سورة الإسراء الآية44.