ألبوم الصور
ناصفة شعبان
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3099271
صدق يُراد به فتنة!

إن كل الذين تستهويهم الفتنة في السعودية، وتقطيع أوصال جسد هذا الوطن، لا يسكنون إلا بعد أن يرموه بين الفينة والأخرى بشرار سهامهم التي تعينهم على تحقيق ذلك، مستغلين الأحداث التي تمر على الوطن بغض النظر عن طبيعتها، ودون اعتبار لمصلحته التي لا تتحقق إلا بوحدة أبنائه واندماجهم، وبعدم بث روح التفرقة بينهم، وإقصاء طائفة منهم تحت أي مبرر، أو تسيد غيرها، وشعورها بالفوقية لاعتبارات أخرى.

ولا بد أن يدرك كل سعودي، مسئولياته تجاه ذلك، على مستوى الفرد والجماعة والمؤسسة. وأخص هنا المؤسسة الإعلامية التي يقع عليها عبء كبير نحو تأصيل مفهوم أن الوطن للجميع، والكل متساوون في الحقوق والواجبات.

لكني أجد في عنوان الخبر الذي نشرته صحيفة الرياض السعودية، يوم الجمعة الحادي من ذي الحجة الجاري، ما يخرج بالإعلام الرصين الملتزم عن هذا الإطار، حيث يقول "علماء ووجهاء من الشيعة قدموا تعازيهم للأسرة المالكة في وفاة الأمير سلطان". ولا أدري ما الذي دفع هذه الصحيفة إلى وضع عنوان كهذا؟! ولماذا يشار إلى هؤلاء المواطنين بصفتهم المذهبية؟! فأنا كقارئة وجدت فيه توجهاً صريحاً - وليس لمزاً من طرف خفي - لإقصاء أبناء هذه الطائفة، ومنزلقاً خطيراً ينتهي إلى هوة اعتبارهم حالة منفردة عن كل المواطنين.

وإذ أؤمن أن من الحريات الأساسية والضرورية لأي مجتمع هي حرية الإعلام بمختلف أشكالها، إذ تأتي في المراتب الأولى من حقوق الإنسان وحرياته الأساسية؛ لكن في نفس الوقت؛ هناك قيود في جلّ بلدان العالم تُفرض على ممارسة هذه الحرية، وتكون ضرورية من أجل ضمان أمنها الوطني العام واستقرارها، والتي من أهمها احترام حقوق الآخرين وحماية المجتمع. حيث تنص الفقرة الثانية من المادة 32 من الميثاق العربي لحقوق الإنسان والخاصة بحريات الإعلام على أن "تمارس هذه الحقوق والحريات في إطار المقومات الأساسية للمجتمع، ولا تخضع إلا للقيود التي يفرضها احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم، أو حماية الأمن الوطني أو النظام أو الصحة العامة أو الآداب العامة". وهذه قواسم مشتركة في مضمون كل الاتفاقيات الدولية والإقليمية. فأي دعاية أو دعوة للتمييز والتفرقة، سواء عبر الإعلام أو غيره هي مرفوضة تماماً.

نعم "فالعلماء والوجهاء من الشيعة" ذهبوا لتقديم واجب العزاء، "أسوة بكل علماء ووجهاء البلاد"، ولكن أن ينشر الخبر تحت هذا العنوان، وبهذه الخصوصية والكيفية، لا أراه إلا صدقاً قد يؤدي إلى فتنة. ولا أدل على ذلك من التعليقات والردود التي جاءت على الموقع الالكتروني لذات الصحيفة أسفل الخبر، إذ علق أحد القراء بالقول "هذه مبادرة طيبة، ولكن لابد من الحذر من بعض أفكارهم المذهبية"! وكأن هذا المسلك من أبناء هذه الطائفة يخالف توجهاتهم وما اعتادوه. بل ويصل الأمر بآخر ب "الدعاء لهم بالهداية لكتاب الله وسنة رسوله". وهنا تسجل الصحيفة منزلقاً آخر لها، لقيامها بنشر مثل هذه التعليقات.

فمتى يعي إعلامنا دوره الوطني ومسئولياته ليس فقط تجاه تعزيز فكر الوحدة والاندماج والتلاحم بين المواطنين جميعاً، بل وجعله منهاج حياة وسلوكاً يمارس؟

وأنا هنا لا أناقش عقيدة من يحملون ذاك التوجه الإقصائي لكني أقول يكفينا تصنيفاً لبعضنا البعض على أساسٍ مذهبي. فكلنا مواطنون، ومصلحة الوطن تقتضي منا دوراً ايجابياً يجمع ولا يفرق. كما قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، في بداية عهده: "لا يتناسب مع قواعد الشريعة السمحة ولا مع متطلبات الوحدة الوطنية، أن يقوم البعض بجهل أو بسوء نية بتقسيم المواطنين إلى تصنيفات ما أنزل الله بها من سلطان.. فهذا علماني.. وهذا ليبرالي.. وهذا منافق.. وهذا إسلامي متطرف.. وغيرها من التسميات.. والحقيقة هي أن الجميع مخلصون (إن شاء الله) لا نشك في عقيدة أحد أو وطنيته حتى يثبت بالدليل القاطع، أن هناك ما يدعو للشك لا سمح الله".