ألبوم الصور
الفنانة ندى الخليفة
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3065239
على محك الإبتزاز العاطفي
عقيلة آل حريز - 15 / 9 / 2011م - 1:10 م

هل من الممكن أن نلقي نظرة على مشاعرنا من الداخل .. على ما يجعلنا نقدم أو نجفل من تصرفاتنا مع بعضنا بطريقة الكم والكيف، وبضع تعلقات تصاغ بها فنختلس وقتاً لنقرأها .. كيف تسير الأمور بداخلنا مع ذاتنا والناس من حولنا وكيف تحكمهم وتحكمنا هذه العلاقات .. نظرة مجردة من المبالغات والتزييف والإجحاف لنصل للإنصاف أو لجزء منه ..

في مجتمعنا نعاني من شح العواطف وتدويرها وقلتها ونضوبها السريع، هذه مشكلة علينا الإعتراف بها، فالعواطف أمرها مخجل عندنا حين نظهرها، وحتى حين تتواجد على استحياء يصعب التعبير عنها ونكتفي فقط بما تخزنه القلوب وكأن ما في القلوب مطمور في بئر يهتدي إليه صاحبه حين يشعر بالعطش .. ولن يشعر بالظمأ فمن حوله سيشينوه ويعايروه بإظهارها  .. وننسى أو نتنانسى أننا كبشر نحتاج للعاطفة لنعيش ولنشعر بالإنتماء والمكانة والأهمية، فنقوم سلوكنا من خلال إمتداد إقبالنا على الآخرين وإقبالهم علينا ، وننمي إحساسنا بالتواصل مع الذات والعالم من حولنا .. والتعبير عن العاطفة المجردة أمر له ما له من أهمية في استمرارنا مع عالمنا المشترك ..
 
ولأننا اعتدنا على أن نقلب الأمور كقلبنا لطاولات النقاشات الطويلة، وندورها بطريقة غريبة مختلفة تماما عن نقاط انطلاقنا منها .. فنحن عوضا عن أن نتحدث بصراحة عن مشاعرنا تجاه بعضنا البعض ونعلنها من باب توطيد الصلة وتوثيق المودة بيننا وتقريبها ، نجد أننا لا نكتفي بالاحجام فحسب، بل يمارس الكثيرون للأسف أمر مناقض لهذا تماما سواء ظاهر أوغير معلن صراحة .. في ممارسة نوع من أنواع الابتزاز العاطفي ، بذريعة الحب والإهتمام أو التسلط والعنف ..
 
إنه نوع من السيطرة العاطفية النفسية على شخص قريب من المبتز، يربطه به رابط قرابة أو صداقة أو رحم أو ما أشبه ، فيخضعه لنوع من السيطرة على تصرفاته بالإلتفاف في دائرته والخضوع الطويل له وأحيانا المؤبد، فيشعره بالذنب أو الدين المستمر له حتى لا يخرج عن رغباته، ويركز لديه ما يسمى (بانخفاض مستوى تقدير الذات) ، بحيث لا يشعر بأهميته وبعدم قدرته على التواصل مع حياته دون رضاه .. هو نوع من أنواع القيود النفسية التي تجعل شخص مرتهن بتصرفات وأهواء شخص آخر يمارس عليه هذا العنف دون إعلان ..
البعض للأسف ولعدم الإدراك لا ينتبه للأمر، فيأخذه من باب التضحية والتقدير لهيمنة المسيطر النفسة والعاطفية. وبالعادة فإن من يمارس فعل الابتزاز أشخاص مقربون ، كالأب أو الأم أو الأخوة وحتى الأبناء على آبائهم باخضاعهم لمتطلباتهم ورغباتهم الدائمة، كما تظهر في نطاق العلاقات الودية والصدقات، وتكثر بين الأزواج والزوجات كمسلسل مستمر من الإيذاء النفسي والإستغلال العاطفي .. من باب المحبة والرغبة أو الهيمنة والترهيب والنبذ والكره ..

ولعل السبب يرجع كما أسلفت لكون مجتمعنا شحيح في العواطف المجردة وفي أمر التعبير عنها وإظهارها بصورة صحيحة، لذا فإن الإحاسيس وحدها تكفي للهيمنة من طرف لآخر بممارسات معينة وتنازلات كثيرة ، بعضها مادي وبعضها نفسي وبعضها اجتماعي وكثير منها فكري وتخطيطي للحياة .. وكلها تدخل بمسلسل الابتزاز العاطفي .. ( إن لم تفعل كذا سيصيبني كذا ... ، إن خالفتني أخشى أن الأمر سيسوء معي .... ، كنت أتوقع منك موقفا أفضل من هذا .... ، أنت لا تراعي مشاعري ولا تهتم لي .... ، لوكنت مهما لديك لما ترددت في إعطائي كذا ... ، يفترض بك أن تبادر لمساعدتي لا تتركني أطلبها بنفسي ..... ، صحتي ستتأثر بما تفعل ......... الخ )، وأشياء كثيرة وتصرفات أكثر ممكن أن تطال الضحية من باب الابتزاز العاطفي ، تجعله يغير خططه ويستغني عن مشاريعه ويطوي مشاعره أو يلغيها ، ويبدل أفكاره رغم صحتها ، كل هذا نوع من أنواع العنف النفسي الممارس على الضحية والبعض لا ينتبه للأمر ، رغم أنه قد يؤثر على حياته ويغيرها جذريا لحالة التبعية والهيمنة.
 
حالات كثيرة يمارس عليها هذا النوع من الإبتزاز العاطفي، فالكثير يقع تحت ضغط الابتزاز العاطفي عن طريق جهله بما يجري له لبساطة حياته وثقافته ومداركه، والآخر وهو الأكثر غرابة رغم التعليم والتجربة والمكانة العلمية والمهنية التي يتقلدها يقع في شراكه. البعض يعرف ويصمت، والبعض الآخر وهو الأكثر سوءا لا يدرك أنه واقع تحت خط الابتزاز ويجد أن ما يفعله نوع من التضحية والإرضاء للمبتز أيا كانت قرابته منه .. بل إن بعضهم لا يفقه أنه يدور في فلك المبتز ويكرس حياته كلها لأجله دون أن يكون له مجرد حقوق بالتغيير المشروع ..
وثمة فروق بين التضحيات وعملية الخضوع للإبتزاز .. هناك فرق في أن أصنع ما أريد وأقرره تماما وأكون مسئولا عن إختياراتي وأتحمل مسئوليتها، وبين أن أكون خاضع لإرادة وإشارة وتوجيهات آخر وإن كانت  بالتلميح .. فيعاقبني بالرفض والإهمال والتهديد والجفاء لأني لم اقم بما يريد .. أليس من الجيد أن يمتلك المرء منا القدرة على أن يقوم بالتقرير عن حياته وممارسة ما يريده ويخطط  لمسح الأجزاء التي لا يريدها من حياته، ويستبدل بدلا منها أفكار وتجارب أكثر نُضجًا ووعيًا وإدراكًا يقررها بنفسه دون خضوع وسيطرة وابتزاز من أحد ..؟ .. هل توقف أحدنا يوما ليسأل نفسه عن طبيعة العلاقات التي تحكم ربط الآخرين به وربطه بهم .. ؟ وهل لديه استعداد لتصحيحها إن بدا له فيها خلل ، أو تقويتها إن كانت ضعيفة ..؟
 
مجتمعنا متذبذب للغاية حتى في عواطفه، لا حلول وسطية ينتهجها ، فأكثر ما تخشاه الضحية هو خسران علاقتها بالمبتز .. بشعورها منه بالإهمال والغضب والتهميش والعقاب او الإنطفاء من عالمها إن لم تخضع لرغبته .. لكن هناك أمر مهم يجب أن ندركه، هو أن خسارة شخص لا تعني له مشاعري شيئ ذا ثقل ، ولا يهمه أن أكون فردا صحيحا في الحياة، أمارس فيها إرادتي، وأفعل ما يقنعني، دون إيذاء لأحد، أو خدش للمتعارف، فخسارته مكسب لحياتي وصحتي ونفسي ..
لذا حدث نفسك بأن من لا يعبأ بك وبداخلك لا تأسف عليه .. تحرر منه وإن أصابتك لحظات من التخبط والضعف ، فلا بأس انهض منها وإن كنت تترنح أو تعتمد على الأرض بيديك، فليس  هذا آخر المطاف .. أحيانا التخلص من هؤلاء وان كانوا مقربين ربح للإنسان لا خسارة ، فمن لا يقدر عواطفنا ولا يعاملنا بترف نستحقه كما نفعل معه ، لا يستحق البقاء بحياتنا لأنه يضرنا لا ينفعنا ..
 
حاول أن تتعرف على وجود الابتزاز في حياتك، وتتخلص منه إن وجدته .. راقب سلوك الآخرين تجاهك بموضوعية تامة .. ضع تجربتك والموقف العاطفي على محك فاصل لتقيمه بشكل صحيح .. وافهم ما لك وما عليك ولا تستهن بنفسك وقدراتك أيا كنت ومهما كانت مكانتك .. فأنت إنسان مكرم وند له في الحياة بفرصة المرور فيها .. من حقك أن تفعل ما تريد بطرق مشروعة ولست تابع لأحد مهما كانت درجة قربه منك . اصنع لنفسك الحرية والثقة واعمل على تقويتهما ... لا بد من وجود الوعي الصحيح والقراءة الجيدة لواقع التجربة التي نعيشها، التحليل للمواقف والأشخاص والأفكار، معرفة الفرق بين التضحية والابتزاز، معالجة الأمور بموضوعية، النقاش والفهم، طلب النصيحة والمشورة، تمرير الأسئلة التي تساعد على فهم المواقف حتى لا تسوء الأمور أكثر .. فكم من حالات تعيش هامشية الإرادة وأطراف الفعل ولا تجربة حياتية لديها فقط لأنها خاضعة لإرادة وهيمنة مبتزين .. فتبدو حياتهم كدوار الساقية تعيش وتنتهي وتنطفئ وتموت وهي مستهلكة في خدمة الآخرين وإرضاءهم .. للأسف البعض يقبل .. بل الكثيرون يفعلون .. !


لذا .. ثق بنفسك وبقدراتك، وتجاوز قيود المتسلط عليك بهيمنة عاطفية ونفسية، واتجه نحو حرية الإرادة والفعل ، قد يحاول المبتز أن يرفع عيار الضغط عليك لتصعيد الموقف بصورة أعلى من المتوقع ، وليعلن عن عدم رغبته في خروجك من سيطرته ، لكن لا تبال ولا تتردد لأنك لا تريد العبودية له مهما كان وصف العبودية ، فالتردد جزء من الضعف الذي يجعله يتمادى في إرجاعك لمقتنياته. حاول مناقشته بجدية وموضوعية في الأمور التي تزعجك منه، وأخبره أنه هو من يتسبب في إيذاء نفسه لا أنت، وأنك ترفض أن يهيمن عليك بإسلوب ابتزازي يعيقك عن حريتك المشروعة في الحياة ، وأما نتائج ما يجري بعد كل هذا فهي مسئوليته عن نفسه ، لا دخل لك فيها ، لأنه وببساطة قرر أن تكون حياته بهذه الطريقة ولست مسئولا عن اختياره، فالناس أقرباء وأرحام وأصدقاء لنا وليسوا عبيد يدورون في فلكنا ويفعلون ما نريد دون قيد أو شروط ... !