ألبوم الصور
قطيفنا خضراء
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3052434
تمسى يا معلم بالسعادة
عقيلة آل حريز - 12 / 3 / 2010م - 5:07 ص
الكُتَّاب: مجسم في ركن التراث بمكتبة القطيف العامة
الكُتَّاب: مجسم في ركن التراث بمكتبة القطيف العامة

قبل أكثر من 50عاما مضت كان يرددها أبناء القطيف في الكتاتيب عصر كل أربعاء

"بي كسرة، بالسين ساكن بس، مي كسرة مي بسمي، ألف واللام مهمل، الراء شدة ونصبة، ..."

في فناء واسع مكشوف السقف للسماء وقبل أكثر من «50 عاماً» حشر بضعة أطفال صغار هنا، أعمارهم لا تتجاوز السابعة، وبعضهم كان في مرحلة عمرية متقدمة على حصير مصنوع من سعف النخل.

بعضهم يقرأ سور صغار من جزء عمَّ، وبعضهم من جزء تبارك والآخر يقرأ مراحل متقدمة لختم القرآن، وآخرين كانوا يقرؤون «القصيد» ، وهي مدائح في الرسول وآله، وهناك في زاوية أخرى وعلى قواعد أغصان النخيل الضخمة "الكرب" تدلت أيد صغيرة بالكاد تحسن نطق مخارج الحروف، بضعة أطفال صغار أقل عمراً ومعرفة يتعاملون مع الطين، لا ليعبثوا به بل ليتعلموا الأبجدية في مرحلة تُعرف ب"الطيَّان"، حين كان الطين وسيلة ومحبرة تستجدي العلم في زمن خيمت عليه سحب الفقر والجهل، ينقشون الأبجدية بتحريكها النحوي، "أَ، إِ، أُ، بَ، بِ، بُ تَ، تِ، تُ... الخ".

هؤلاء جميعهم كانوا طلاب علم في مدرسة لم تعتمد المقاعد والكراريس أو الأقلام الملونة كصبغة لها، وإنما كان اعتمادها على قواعد أغصان النخيل المعروفة ب"الكرب" الذي كان على الطالب أن يحمله معه، ليكون كتاباً وقرطاس في آن معاً.. وثمة إمرأة بالجوار تساعدهم ليصنعوا من الطين حروفاً، ومن قواعد أغصان النخيل كتباً يتدارسون العلم فيها بدأت معهم رحلة الحروف من الطين وكرب النخيل حتى وصلت إلى تجويد القرآن الكريم وحفظه.

رحلة كهذه مليئة بالكثير الذي يستحق أن يُقرأ، خاضتها الخالة "أم عبد الله الربح"بنجاح باهر، إذ لازالت آثارها منقوشة في ذاكرتها الآن، تسردها علينا من واقع تجربة كانت تخوضها، بدت لنا سيدة مسنة، هادئة، مستكينة، متصالحة تماماً مع نفسها وعالمها، هكذا هي حياة أم عبد الله المرأة التي حفرت لها عُمقاً في تاريخ الكتاتيب "المعلَّم" لأكثر من 50 عاماً مضت، وكانوا صغار يتحلقون حولها يرددون الأبجدية بحركاتها الإعرابية، يلفهم المكان بعطره، وتحتويهم أجواء العلم.

ربما لا تستطيع عدهم لنا حين نطلب إليها أن تحصيهم، فسنوات تعليم مستمر يربو عددها على 50 عاماً خرَّجت من خلالها أجيال عدة كانت تمتلئ بالكثير من الشخصيات من النساء والرجال.

الخالة "أم عبد الله" اليوم وهي تتطلع للمراحل التي خطتها خلال سنوات عمرها التي تربو الآن على «80 عاماً» لهي قادرة أن تسرد من هذا التراث الكثير، حين حكت لنا عنه.

بداية الالتحاق بالكتاتيب

فعندما يلتحق الطالب بالكُتَّاب "المعلَّم" ترافقه طقوس وتقاليد خاصة وتلازمه بعض الطقوس الأخرى في كل مراحل التعليم في الكتَّاب التي عليه أن يجتازها بنجاح، تبدأ هذه الطقوس بتقديم مبلغ من المال للمعلم «الملاَّ» أو المعَّلمة من جهة الأم أو الأب حين يحضران أحد أبنائهم والذي غالباً ما يبلغ عمره السادسة أو السابعة. كان المبلغ في ذاك الزمن يتمثل في «الرُبية أو نصف الرُبية» وبعض البيض والبخور، والأقل دخلاً كانوا يقدمون "آنيتين" وبيضة وبخورة، وكان البخور عادة يحرق ليبخر به الطالب الملتحق بالكُتَّاب حديثاً، والبيضة غالباً ما كانت تكسر على باب الكُتّاب حين يخرج الطالب منه، درئاً للحسد والعين وكيد الجان.

وأول مراحل التعليم التي يتلقاها الطالب على يد المعلَّمة أو «الملا» وهو الذي غالباً ما يقوم بتعليم الذكور، كانت أولى هذه المراحل هي مرحلة "الطيَّان" ثم مرحلة القرآن، وبعدها مرحلة القصيد.

مرحلة «الطيَّان»

يبقى فيها الطالب مدة مختلفة تتراوح حسب استيعابه وفهمه، وفيها يعتمد على الطين كأداة رئيسية للتعلم باستخدام "الصلحة"، والصلحة هذه عبارة عن طبق من الفخار يبلل فيه الطين بالماء ليسهل استخدامه في الخط على لوح الكتابة، كما يستخدم فيها "الكربة" كلوح للكتابة بعد سحتها "تنظيف حواشيها وترتيبها" ودهنها لتصبح سهلة القراءة، بالإضافة إلى القلم «الخوصة» ، وهو الخوص الأخضر الصلب من سعف النخيل، ليغمس بالصلحة ويخط به الحروف، وهنا على الطالب في مرحلة الطيّان أن يتعلم البسملة «بسم الله الرحمن الرحيم» ، وتهجيها هنا يعتمد على الحركات والإعراب في طريقة النطق بها، والتهجئة تكون هكذا «بي كسرة، بالسين ساكن بس، مي كسرة مي بسمي، ألف واللام مهمل، الراء شدة ونصبة، الراء نصبة راء الراء، الحاء ساكن الرح، الما نصبة ما الرحم، ني كسرة ني الرحمنِ، ألف واللام مهمل، الراء شدة ونصبة، راء نصبة راء الرّاء، حي كسرة حي الرحي، الياء ساكن الرحي، مي كسرة مي الرحيمِ» .

كما كان على الطالب كتابة الحروف الأبجدية بحركات التنوين، «الفتحة والضمة والكسرة» ، بالاضافة لتهجئة الأبجدية «أبجد، هوز، حطي، كلمن، سعفص، قرشت» ، كان يميز هذه المرحلة أن الطالب يحمل هذه الأدوات معه بالاضافة للطين اليابس ليستخدمه إن لم يتوافر في الكتاب.

ويوم الأربعاء وهو اليوم المميز في الكتاتيب «المربعانية» ، يكون يوم مفتوح للطين فالكل يستخدمه ليخط، بالإضافة لطلاب مرحلة الطيَّان أنفسهم، والغرض منه تدريبهم على الخط وجودته.

مرحلة القرآن

وهذه المرحلة يصلها الطالب بعد إنهائه لمرحلة الطيَّان، وفيها يتعلم الطالب الهجاء «التهجئة» هجاء وإعراب، مبتدئاً بسورة الحمد «الفاتحة» ووصولاً إلى سورة الفجر وسورة البينة، وعادة يُعطى المعلَّم مبلغ من المال بعد كل سورة يختُمها الطالب، وبعد جزء عمَّ تبدأ مرحلة «السريد» التي يقوم فيها المعلم بقراءة السورة ويرددها الطالب خلفه، وعادة يدفع مبلغ أكبر من المال للمعلم بعد «جزء عمَّ» ، قد يتراوح مابين «10- 20 ريال» ومن ثم الأجزاء الأخرى حتى تصل ل «50 ريال» كما في سورة المائدة، وبعد ختم القرآن تقام مائدة كبيرة تقرأ فيها سورة المائدة ويحضر فيها طعام مكون من حلوى وخبز و «بلاليط» شعيرية بالسكر، وعصيدة يتناولها «الطالب الخاتم للقرآن» مع باقي زملائه الطلاب، أما المعَّلمة فيكون لها نصيب آخر «خاص» بالإضافة لإحضار مبلغ من المال لها مكافئة وأجر على مجهودها، فكان الناس في السابق يحضرون مبلغ يتراوح من «2- 6 ربيات» وبعد الطفرة صاروا يحضرون للمعلمة أو الملاَّ من «10- 50» ريال، والمبالغ هنا تختلف بحسب الزمن وقدرة الناس عليها والذي يحددها غالباً مستوى دخلهم، لكن الأجر والثواب في التعليم هو ما كانوا يبتغونه عليه.

مرحلة القصيد «القصائد»

بعد هذه المراحل تبدأ مرحلة القصيد، وهي مرحلة تهتم بقراءة وإلقاء القصائد في مدح الرسول وآل بيته، من خلال قراءة السيرة والتاريخ والحديث الإسلامي. كما يمكن للطالب بعدها أن يتدرب ليصبح خطيب حين يتابع التدريب مع المعلَّمه بعد مدة من الزمن.

الأجر والطقوس في الكتاتيب «المعلَّم»

تتخلل الكتاتيب عدة طقوس تمارس بين مراحل التعليم، فمرحلة الطيَّان كما ذكرت "أم عبد الله" لها أُجرة خاصة، بعدها تأتي مرحلة "التهجئة"، ففي كل سورة يدفع الطالب مبلغ مناسب حسب السورة التي تعلمها، وتستمر عملية الدفع مع قصار السور، حتى ينهي الطالب «جزء عمَّ» ، ومن ثم يرتفع الأجر حسب السور فيصل ل «50 ريال» كما في سورة المائدة، بالإضافة للأجر الذي يتقاضوه أسبوعياً في "المربعانية" أو «التمسّاية» ، وهي قصيدة تُنشدها معهم المعلمة أو الملاَّ كل عصر أربعاء، كتقليد متبع في الكُتَّاب، بالإضافة لأيام الأعياد تهدى فيها "عيدية" للمعلمة، وكذلك في أيام المناسبات «كالكريكشون» والناصفة. والكتاتيب غالباً في القطيف تمارس التعليم فيها المرأ «المعلمة» وهي تعزل بين الأولاد والبنات أو تأخذ الأولاد لسن معينة، أما الملاَّ يقتصر التعليم لديه على الأولاد، خاصة حين يمارس وزوجته المهنة.

التمسَّاية أو «المربعانية»

في عصر كل يوم أربعاء، كان الطلاب يحضروا معهم بيضة وريال يدفعوها للمعلمة، ويكون التعليم في هذا اليوم مخفف، ثم ينشدون مع المعلمة قصيدة مشهورة بعدها تخرجهم باكراً، وتعرف هذه القصيدة بالتمسَّاية المحببة التي تبدأ بهذه الأبيات:

تمـسـى يــا معـلـم بالـسـعـادة      وآمرنـا بأمـرك فــي الــرواحِ
بـدأنـا بالنـبـي أحـمــد مـحـمـد      رسـول الله حـي علـى الفـلاحِ
وحـيـدرةٍ أبــي حـســنٍ عـلــي      مبيد الشرك فـي يـوم الكفـاحِ
وفـاطـمـةٍ وابـنـيـهـا جـمـيـعـا      هما السبطان أرباب الصـلاحِ
 
وقــال لـهـم معلـمـهـم بـقــول      يحثـهـمُ عـلـى فـعـل الـصـلاح
فيوم السبت والأحد احضرونا      لتحضـوا بالـرشـاد وبالنـجـاح
وفي الإثنين للـدرس احفظـوه      كـذا يـوم الثـلاثـة بــلا مــزاح
ويـوم الأربعـاء للخـطِ خـطـوا      خطوطا ليس فيهـا مـن لـواحِ
وفـي يـوم الخمـيـسِ ألا اســا      فـي المـسـاء وفــي الصـبـاحِ
 
وفـي الجمعـة لكـم عيـد كبيـر      مطـهـر مـابـه دنــس الـقـبـاح
وصلى الله على الهادي وآلـه      هـداة العالميـن الــى النـجـاح

صلاحيات المعلمة

للمعلمة صلاحيات واسعة تقوم بها لتعليم الفتيات، فغالباً ما تقوم بتعليمها بعض المهارات المنزلية، من طبخ وتنظيف وأشياء أخرى تفيدها كفتاة وزوجة مستقبلية، بحكم كونها ملازمة لها طوال النهار تقريباً.

كان الناس يهتمون بالعلم اهتمام كبير للغاية بحيث أنه بالرغم من دخل الكثيرين منهم محدود خاصة للطبقات الفقيرة، فقد كانوا يرسلون أبناءهم وبناتهم للكُتَّاب لنيل العلم، خاصة بالنسبة للفتيات، فقد أبلغتنا "أم عبد الله" أن البعض يجلب الفتاة للمعلم لتتعلم ويكون ثمن تعليمها من مهرها حين تتزوج، وقصت لنا حكايات كثيرة منها أن بعض الأسر التي كانت حالتها المالية ضعيفة تضطر لبيع بستان النخيل الذي لديها لتعطي ثمن تخرج ابنتها من الكتاب، وكان الثمن في ذاك الزمن يقدر «800ريال» وهو مبلغ ليس هين على الأسر غالباً.

أم عبد الله وغيرها من رواد التعليم الأول هم ممن قد ساهموا في نشر التعليم وحفظ القرآن الكريم لدى أجيال عدة، وكان وجودهم أشبه برحلة حروف طويلة بدأت من الطين وكرب النخيل، وانتهت بتجويد القرآن وحفظه ومن ثم تخريج معلمين وملاي يواصلوا طريقهم على نفس الدرب.