ألبوم الصور
جزيرة تاروت
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3240551
مدينة سعودية تاريخية محاصرة بالصرف الصحي
زارة القطيف عاصمة بلاد البحرين القديمة تعاني من المستنقعات وسوء الخدمات
صحيفة الوطن - 12 / 5 / 2009م - 12:03 م
أعمال تنقيب كشفت عام 2007 عن حياة مدفونة في الموقع
أعمال تنقيب كشفت عام 2007 عن حياة مدفونة في الموقع

حصار من نوع مختلف واستثنائي يخلط الطرافة والمعاناة، كما يخلط الثقافة والخدمات، والتاريخ والمستقبل. وفي حيّ صغير جداً اسمه «الزارة» يجتمع كلّ هذا الخليط. والتاريخ الذي يعيش السكان فوق آثاره المدفونة لن يعود إلى الوراء، وفي الوقت ذاته يُصعّب اللحاق بالمستقبل الذي يعني توفـّر الخدمات الأساسية وتأمين وضع صحي سليم.

هذه ببساطة قصة الحيّ الذي يحمل اسم واحد من أهمّ المواقع الأثرية الباقية في المنطقة الشرقية على الإطلاق، فلا هو موقع أثري، ولا موقع معاصر. وما بين التاريخ المدفون تحت التراب وبطون الكتب العتيقة وبين تردّي الخدمات يعيش سكان الزارة وضعاً بيئياً صعباً، ينتظرون نهايته منذ عشرات الأعوام..!

هنا بنو ساسان وبنو آرام

في عام 1966 قادت المصادفة إلى اكتشاف نقوش آرامية، دشّنت، بدورها، أعمال تنقيب كشفت فيما بعد عن غنى موقع الزارة بالكثير من الآثار التاريخية الضاربة في العمق، ومن بينها أوان ٍ تعود إلى عصور ما قبل الإسلام والعصرين الأموي والعبّاسي.

وفي بداية 2007 أضافت وحدة الآثار والمتاحف في المنطقة الشرقية اكتشافات جديدة يعود كثير منها إلى الحقبة الساسانية، من خلال بعثة تنقيب قادها مختصّ من الوحدة هو سعيد الصنّاع، وتطوّع بدعم تكاليفها رجل أعمال هو زكي الصالح الذي يُعدّ واحداً من المشتغلين بتاريخ المنطقة الشرقية وآثارها منذ أكثر من ربع قرن.

وقد دعمت هذه الاكتشافات أهمية الزارة الاستراتيجية في الحقب التاريخية التي سبقت نهايات القرن التاسع الميلادي، وبشـّرت بوجود إمكانيات أثرية مهمة يُمكن أن تعزّز ـ أو تعدّل ـ حقائق تاريخية كثيرة متصلة بتاريخ الساحل الشرقي من المملكة بشكل عام. كما يُمكن أن تدعم الجانب الأثري في مشاريع السياحة الداخلية.

لكنّ الزارة التي يُرجـّح أن يكشف التنقيب فيها المزيد من علاقات الساحل الشرقي، من المملكة، بقوائم عريضة من حضارات ما قبل التاريخ؛ اكتفت بكونها حيـّاً منزوياً ومظلماً وطافحاً بمستنقعات الصرف الصحي.

عزلة مُنحنى

على واحدٍ من منحنيات الطريق القديم الذي يربط مدينة الدمام برأس تنورة مارّاً بسيهات والقطيف وصفوى، يقع حيّ صغير عند مدخل بلدة العوامية اسمه «الزارة». ويكاد لا يُخبر الحيّ بشيء عن نفسه بأكثر من مشهد عدد صغير من المنازل المتجاورة في هدوء تطوّقه بساتين نخيل، بعضها مهمَل والآخر فيه بعض حياة.

وفي أكثر أشكال الحياة تعبيراً عن الواقع؛ تكشف البدائية التي اعتادها سكـّان الجزء الصغير عن صلة غريبة بتاريخ موقع كان لقرون طويلة عاصمة لما عُرف قديماً ببلاد البحرين. هذه الصلة تتناقض أمام واقع العين الجوفية التي جفّت واندثرت، وأمام الشارع العام الذي يصطفّ على جانبيه سطران من ورش تملأ نهار الحي بالضجيج. وبين الآثار وبين الورش تعيش مئات قليلة من السكان لا يعلمون أن حيّهم يحمل اسماً ضارباً في التاريخ، وأن تحت أقدامهم وبيوتهم بقية لا تزال باقية من آثار أمم سادت ثم بادت..!

سوق الزارة

بقيت الزارة اسماً لا يعرفه إلا المشغولون بالتاريخ، وعلى نحو من الأنحاء؛ فإن الدارسين يربطونه بواحد من أسواق العصر الجاهلي المعروفة التي كان سوق عكاظ أشهرها على الإطلاق. كان سوق الزارة إلى جانب سوق المشقـّر أهمّ سوقين معترف بهما على الطرف الشرقي من الجزيرة العربية في العصر الجاهلي، وذلك بسبب ارتباطهما بالجزء الخليجي من طريق البخور الذي يربط الصين والهند بالجزيرة العربية من خلال مرفأيْ دارين والعقير شرقاً، وساحل عدن جنوباً. لكن الزارة كانت أهمّ من ذلك؛ لكونها عاصمة بلاد البحرين القديمة.

بلاد البحرين القديمة كانت مكوّنة من ثلاث حواضر عمرانية رئيسة هي واحات هجر (الأحساء حالياً) وواحة الخط (القطيف) وجزيرة أوال (مملكة البحرين)، وفي هذه الحواضر الثلاث انتعشت الحضارات العتيقة مستفيدة من الثروات الطبيعية المتمثلة في الرقعة الزراعية الواسعة وروافدها المائية الهائلة. إضافة إلى الموقع الجغرافيّ الذي ضاعف المطامع وحـوّل المنطقة إلى منطقة نزاعات كانت الزارة طرفاً بارزاً فيها وضحية من ضحاياها أيضاً.

حريق مدمّر

وتُشير المصادر التاريخية المتعددة إلى أن مدينة الزارة كانت النقطة التي انتشر منها الدين الإسلامي في بلاد البحرين التي كانت ممتدة من جنوب العراق حتى عُمان. فقد أرسل النبيّ ، في السنة السادسة للهجرة، كتاباً إلى المنذر بن ساوى، أمير الزارة وقتها، ودعاه إلى الإسلام ليدخل هو وسائر قبائل المنطقة في الدين الجديد طواعية.

ومن حسن الحظ أن كتاب النبيّ كان من ضمن الآثار النبوية التي بقيت إلى عصرنا الحاضر، وهي حالياً من مقتنيات ورثة ملك الأردن السابق الملك حسين بن طلال. وقد استمرّت الزارة في موقعها كعاصمة في المراحل التاريخية اللاحقة حتى نشأت الدولة القرمطية التي واجهت مقاومة من السُكان واشتعلت حربٌ ضارية، شملت هدم المدينة وإحراقها بالكامل على يد جيش مؤسس الدولة القرمطية أبي سعيد الجنابي عام 283هـ، لتتحوّل القلعة التي صمدت قروناً طويلة إلى جزء من ذاكرة التاريخ المبثوث في الكتب.

وبقيت المساحة المُحيطة بالزارة أطلالاً خاوية حتى بداية القرن الهجري الخامس، حيث تأسست قرية العوامية على يد العوام بن يوسف الزجاج الذي منح القرية اسمه. وبقيت «الزارة» اسماً يُطلق على ناحية من نواحي القرية الوليدة، وشيّدت وسطها بيوت خوصية، ثم تطوّرت مع السنوات إلى عدد محدود من المنازل الشعبية والحديثة، وهو الواقع الراهن للحي الذي يحمل اسم العاصمة التاريخية.

آثار وورش

في الحيّ الذي يكشفه موقع wikimapia جوياً؛ لا يظهر أي شيء من التاريخ، وكل ما تُظهره الصورة الجوية هو أقل من 40 منزلاً. والأهالي الذين التقتهم "الوطن" لا يربطهم شيء بالتاريخ الذي رحنا نستطلعه في الموقع.

بل هناك تاريخ من نوع آخر تحدّث عنه إبراهيم الجصاص وسالم المزرّع وعبدالله سهوي الذين لديهم تاريخ من المراجعات الحكومية المطالبة بخدمات أساسية متوفـّرة في كلّ حي من الأحياء القريبة. يقول الجصاص إن الحيّ يفتقر إلى الحدّ الأدنى من السلامة الصحية والمرورية، مُحدّداً كلامه في ثلاث مشاكل، أولاها مشكلة الصرف الصحي التي حاصرت المنازل بمستنقعات منفـّرة، في شكل سواقٍ زراعية مهملة تتجمّع فيها مخلفات السكان بشكل لا يُحتمل. ويذكر الجصاص، الذي يعيش في الحيّ منذ 35 سنة، أنه أمضى أكثر من سبع سنوات في متابعة مطالبات جيرانه بخدمة الصرف الصحي لوضع حدّ للروائح والقوارض والاحتمالات غير الصحية الناشئة عن المشكلة. ويشكو من أن مراجعاته لم تنتهِ إلى شيء أكثر من مزيد من الانتظار.
والمشكلة الثانية هي الإنارة، والثالثة هي السلفتة.

ويصف جاره سهويْ مشكلة الصرف غير الصحي بأنها «كانت سيئة فصارت أسوأ»، ويشرح «في السابق كانت المياه تصبّ مخلّفاتها في ساقية مهملة، ومن الساقية تنتقل مياه الصرف إلى مصرف زراعي يقع في طريق شرقيّ بساتين الحيّ. لكن وزارة الزراعة نفّذت مشروعاً لتحسين الصرف الزراعي في المنطقة، تضمّن تحويل مياه الصرف الزراعي إلى أنابيب تمّ دفنها لتحلّ محل القنوات السابقة. وهذا بدوره سدّ روافد المصرف الآتية من سواقي البساتين، ولذلك لم تعد مياه الصرف الصحي تتحرك من موقعها في الحيّ، وهذا ما كوّن مستنقعاً حوْل الحيّ وأسهم في زيادة المشكلة».

بين المديرية والمتحف

الوضع الذي يضع السكان في موقع حائر بين التاريخ والمستقبل، عرضناه على جهتين مسؤولتين في المنطقة الشرقية لاستطلاع الوضع، الجهتان هما إدارة متحف الدمام الإقليمي ومديرية المياه في المنطقة الشرقية.

مدير متحف الدمام الإقليمي عبدالحميد محمد الحشاش قال لـ "الوطن" إن الموقع مسجّل رسمياً كموقع أثري في المملكة عام 1975م، ضمن عمليات مسح شملت مواقع مختلفة في محافظة القطيف، مضيفاً أن الموقع مُدرَج ضمن خطة تنقيب مستقبلية.

أما مديرية المياه في المنطقة الشرقية فسبق أن ذكرت لـ"الوطن" أن الحي "مدرج ضمن مشروع الدراسات الأولية والتصاميم النهائية لتطوير وتوسعة مرافق المياه والصرف الصحي في محافظة القطيف وقراها ومراكزها. وأضافت المديرية "بعد استكمال الدراسة سوف يكون مشروع الصرف الصحي معداً للطرح على ضوء الاعتمادات المالية اللازمة". غير أن الدراسات توصـّلت إلى وجود مشكلة في الحيّ، هي انخفاضه عن بقية الأحياء، الأمر الذي يتطلّب إنشاء محطة لضخ ورفع المياه، وهذا بدوره يتطلّب موقعاً لإنشاء المحطة. وفي جانب آخر ذكر نائب المجلس البلدي في المحافظة المهندس نبيه البراهيم أن المجلس حدّد موقعاً لأرض تعود ملكيتها لإدارة أملاك الدولة. وأضاف البراهيم أن موقع الأرض نموذجي جداً وأكثر انخفاضاً من الحيّ.