ألبوم الصور
ناصفة شعبان
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3240549
سوق الجبلة: معلم اقتصادي واستراتيجي
واحة القطيف - 26 / 12 / 2008م - 4:40 ص
سوق الجبلة عام 1934م
سوق الجبلة عام 1934م

الجبلة هي : معلمٌ مِنْ المعالم التاريخية الأثرية الهامة الإستراتيجية، منْذ العصور الموغلة في تاريخ هذا البلد السَّحيقة البعيدة، فإكمالاً لهذا التَّاريخ لابد منْ رسم صورة لهذا الموقع التَّاريخي، وروافده، وشرح اسمه، ولما سُمّي بهذا الاسم ؟.

فمعنى الجَبَلةِ لُغةً : هي الأرض الصلبة، الّتي ظاهرُ وجهها حجرٌ صخْريٌ ؛ وهكذا كانت الجَبلةُ، الَّتي هي ساحة بسوقِ القطيف، مركزاً لتجارة التمور، وما يُعصر مِنْهُ، الَّذي يُسمَّى باللَّهجة الشعبية القطيفية : «الدِبْس».

سوق الجبلة
سوق الجبلة «حاليا مواقف السيارات الغربية لسوق الخضار» في عام 1952

وبالرغم من مصارف فضلات النخيل، الّتي تمرُّ مِنْ تحْت باطنها كمصرفٍ يسمى باللَّهجة الشعبية : ساب أبو كحيل، وساب أبو خمسة، وساب الدانق،  ولصلابة أَرْضها سُميت : جبلة ؛ لأنه لا يتسرب إلى وجْه ظاهرها الماءُ مِنْ خلال جذورها الباطنية برطوبة، أو طبَعٌ، فلا تُؤثر أرضها على ما يوضع فيها مِنْ تمورٍ، وأطعمةٍ، أو أشياءَ أُخْرى، فتظل التمور ملقاة على أرضها أسبوعاً أو يزيد ولا ترى به أثراً أو تغيراً.

ولِموقعها الإستراتيجي، صلحت مرْكزاً تجارياً لبيع التُمور، وبَعْضِ البضائع، والسلع، وكانت ملتقى لجميع شخصيات القطيف، وقراها، فهي الحركة الَّتي تدور عليها التجارة الداخلية، والخارجية.

وتُحيط هذه الساحة حوانيت بائعي التمور، كمَا توجد على جوانبِها ثلاثة مقاهي تقع : اثنتان منها على جانبها في الشمال، وأُخرى على جانبها في جهة الجنوب بحذاء المنصورية من الغرب.

وهذه المقاهي تلتقي بها جميع الشخصيات على اختلاف طبقاتها من القلعة - الحاضرة - وقرى القطيف، ولا سيّما مقهى الغراب الّتي يديرها الأخوان صالح، ورضي، فتزدحم مقاعدها بكثافة بشرية ولا سيّما صبيحة يوم الخميس.

قلات التمرونكمل الصُّورة المؤطرة عن الجبلة، فهي تموج بعدّة محطات، وألوان، فهي البوابة للحركة التجارية الداخلية، والخارجية، فتجتمع الشَّخصياتُ على اختلاف طبقاتها ضحى كل يوم على مقاعدها الخشبية، كالأغنياء مِنَ : التجّار، والملاَّك، وذوي الثروة، والفلاحين، والفقراء، والبحارة، والحمالين، وسائقي الأتن  الذين يعرفون باللهجة القطيفية « بالحمّارة » نسبة للحمير لما يحملون عليها من أثقال يتعيشون منها، وينفقون على عوائلهم  وجميع تجار التمور، واللؤْلُؤ، كما تجتمع بها شريحة من الحضر والبدو، فهي أُفقٌ يضُمُّ ألْواناً مِنْ شرائح البشر.

وتوجد بساحتها محطةً لبيع الماشية : كالإبل، والماعز، والأتُن، والسمن الذي يسمّى باللَّهجة الشَّعبية الدهن، وَيُؤْخَذُ من لبنِ فصيل البقر، والماعز، فالَّذي هو من فصيل البقر تبيعه الحاضرة، أما ما كان من فصيل  الغنم فتجْلبه البادية الرحَّل مِنْ قلْب الصحراء، فهي محور للحركة الاقتصادية الداخلية، والخارجية.

كما يوجد بها مكتبٌ رسميٌ من الدولة مقره مبنى المنصورية الّتي تقعُ على أطراف الجبلة في الجهة الجنوبية، يعرف بمكتب « الباج » ومهمته ترسيم كل ما يباع من الماشية من الحيوان من أي نوعٍ من أنواعِها، فكل ماشية تباعُ ولا تُرسّم ويوثقُها هذا المكتب بوثيقةٍ تعتبرُ مسروقة، وريعه يعود إلى صندوق الدولة.

وبعد إنشاء بلدية القطيف صدر مرسومٌ ملكي بإعادة هذا الريع إلى البلدية لصرفهِ فيما تتطلبه من نظافةٍ وغيرها، وبعد فترةٍ أُلغي هذا المكتب وعُفيت الناس من هذا الرسم، ولم نتحصل على تاريخ التحول للبلدية ولا تاريخَ الإلغاء، والإعفاء.

وفيما يظنُ أن هذا المكتب من عهد حكم الأتراك، ولعل كلمة « باج » هي كلمةٌ تُركية، ولعل إِلغاءهُ عند السبعينات بعد الثلاثمائة والألف هجري. وللجبلة تاريخ عظيم امتدَّت جذوره مئات السنين مع سوق القطيف الرئيسي، ولم نقف على تاريخ يحدد متى أُسِسَتا على قيد هذه الحياة.

غير أن بعض الطاعنين في السن يقولون منذُ مصِّرت قلعة القطيف، الّتي مضى على تمصيرها ألفٌ ومائتا عام هجري، كونت هذه الساحة مع السوق لحاجة المرافد الضرورية، إلا أنهما تطورتا مع تطور الزمن.

والذي يؤسف هو انطواء هذا الأثر التاريخي بقالبه البنائي، وشكله المعنوي، ونخيله الوارفة الظلال، وحركته التجارية، كلُّ شيء انتهى وهدأت حركته إلى فتورٍ، وسكون، ولمْ يبْقَ مِنْ هذه الحياة وشكْلها إلاَّ خيالا، يطوف في الأذْهان لِمَنْ شهد ورأى هذه الحياة، حيْث كانت ثابتة الأركان، مطنبة البنيان.