ألبوم الصور
خريطة القطيف
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3173235
الدكتور باسم آل إبراهيم: فريداً في شخصه وشخصيته
صحيفة اليوم - « الدكتور محمد بن حمد القنيـبط - عضو مجلس الشورى » - 3 / 2 / 2008م - 12:03 ص

أجزم بأنَّ كل من عَرَفَ الدكتور باسم بن أحمد آل إبراهيم -يرحمه الله- يخرج بنتيجة واحدة مفادها عدم حبّه للمديح والثناء لشخصه، بل يكره بشـدة عبارات التفخيم والتبجيل، لذلك، وعلى الرغم من استحقاق الفقيد الدكتور باسم آل إبراهيم لقدر كبير وكبير جداً من الثناء والمديح لشخصه وشخصيته، إلاَّ أنَّ الاقتصار على مثل هذا النهج في التعريف به، لن يكون كافياً للقارئ حتى يتمكن من رسم صورة شبه قريبة لشخصه وشخصيته؛ ذلك أنه من المستحيل لمن لا يعرفه أن يقف على الجوانب الأخرى التي جعلت شخص وشخصية الدكتور باسم آل إبراهيم فريدة جداً، كما هو عنوان هذا الرثاء المتأخر.

ليس هذا فحسب، بل لا خيار لأي منصف بحق الدكتور باسم آل إبراهيم سوى الإطالة والإسهاب عند الكتابة عن الجوانب العديدة التي تصف شـخصه وشخصيته، لعلَّ وعسى يتمكن القارئ الكريم الذي لا يعرفه أن يتخيل هذا الرمز الوطني الذي فقدناه وهو في قمة نشاطه وحيويته، يرحمه الله.

لذلك ،فإن اقتصار رثاء باسم، كما يحب أن ينادى بهذا الاسم دون أية ألقاب تسبقه، على خصاله المتعارف عليها في الرثاء التقليدي من تعليم وعمل وإنجاز علمي سيمثل ما لا يزيد عن 10% من شخص وشخصية باسم الفريدة، وبالتالي يجب، بل من الضرورة بمكان الحديث عن الخصال الأخرى غير التقليدية للفقيد باسم والتي تمثل بالفعل تفرداً لشخصه وشخصيته، وذلك حتى نقف على حقيقة هذا «السحر» الذي امتلكه -يرحمه الله- بدرجة جعلت المئات ممن عرفوه ينسحرون بشخصه وشخصيته بعد لقاء واحد معه.

طفولته وتعليمه وعمله

ولد الدكتور باسم بن أحمد بن علي آل إبراهيم عام 1375هـ/1956م في مدينة صفوى بالمنطقة الشرقية، وتلقى تعليمه العام بمدارس صفوى. بعد إنهائه الثانوية العامة (علمي) عام 1393هـ، درس عاماً كاملاً في برنامج أرامكو للإلمام باللغة الإنجليزية، حيث كان ينوي دراسة الطب في مصر. وبالفعل ذهب صيف عام 1394هـ إلى القاهرة لدراسة الطب، ولكنه عاد بعد أسابيع قليلة بسبب شعوره بالوحدة هناك. وكان يقول: إنه كان يبكي ليلياً منذ وصوله القاهرة، بسبب وحدته وانقطاعه عن أهله وأحبابه.

وقد كتب لوالده -يرحمهما الله- يقول :إنه يرغب بالعودة إلى السعودية والدراسة بها. وانتظر أسبوعين لعلَّ يصله رد والده الإيجابي، ولكنه لم يستطع الانتظار أكثر، فسافر عائداً إلى المملكة ليصل صفوى قبل رسالته ! ثم سافر من صفوى إلى الرياض وسجل بكلية الزراعة بجامعة الملك سعود عام 1394هـ، ليتخرج عام 1398هـ بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى في تخصص الاقتصاد الزراعي. وقد كان الأوَّل على دفعته بكلية الزراعة بجامعة الملك سعود لأربع سنوات متتالية، حيث عُيِّن معيداً بقسم الاقتصاد الزراعي والمجتمع الريفي بعد تخرجه. وقد كان الوحيد بهذا القسم الذي حصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد الزراعي دون المرور بدرجة الماجستير من جامعة ولاية واشنطن الأمريكية في شوال 1407هـ، وهو أول دكتور بالقسم يترقى إلى درجة أستاذ بتميز في فترة زمنية قياسية.

أما على مستوى البحث العلمي فحدث ولا حرج، حيث كتب ما يزيد عن ثلاثين بحثا مُحكَّما في الاقتصاد الزراعي والموارد الطبيعية، وأشرف على ما يزيد عن عشرين طالب ماجستير في الاقتصاد الزراعي، وناقَـشَ (حكَّمَ) ما يزيد عن عشرين رسالة ماجستير ودكتوراه في الاقتصاد والاقتصاد الزراعي؛ ورأس تحرير مجلة (دراسات اقتصادية) التي تصدرها جمعية الاقتصاد السعودية لأكثر من ست سنوات حتى لقائه بالرفيق الأعلى. ومنذ عودته من أمريكا في شوال 1407هـ، عمل مستشاراً غير متفرغ لدى الدار السعودية للخدمات الاستشارية ثم البنك الزراعي العربي السعودي حتى تاريخ تعيينه عضواً بمجلس الشورى في الدورة الرابعة في 3/3/1426هـ، كذلك جُدِّدَ له ثلاث مرات في عضوية الهيئة الاستشارية بالمجلس الاقتصادي الأعلى، وشارك في العديد من اللجان الفرعية المنبثقة عن هذين المجلسين حتى وفاته، يرحمه الله.

زميل، صديق وأخ !؟

قبل عدة سنوات سألت زميلنا السابق بمجلس الشورى معالي الدكتور راشد الراجح عن الفرق بين الصديق والزميل، وقد أفادني بما معناه أنَّ الزميل هو (من بينك وبينه رفقة عمل أو دراسة)؛ أما الصديق فهو (من تربطك به علاقة حميمة دون وجود رابط عمل أو دراسة). من جهة أخرى لا يخفى على القارئ الكريم معنى أخ، وبالتالي فكان يشغل فكري دائماً، هل توجد كلمة واحدة تجمع هذه الكلمات الثلاث: زميل، صديق، أخ ؟

ولسوء حظي، أنَّ هذا السؤال ظهر بقوة حوالي الساعة الثانية من ظهر يوم السبت 12 يناير 2008م (3 محرم 1429هـ)، وهو الزمن الذي اختار القدر أن يأخذ على غفلة وبدون سابق إنذار زميلي وصديقي وأخي الدكتور باسم بن أحمد بن علي آل إبراهيم، عضو مجلس الشورى وعضو الهيئة الاستشارية بالمجلس الاقتصادي الأعلى والأستاذ غير المتفرغ بجامعة الملك سعود. فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، والله أسأل أن يلهم والدته الفاضلة وزوجته الكريمة وأبناءه بدر وأحمد وعبدالله وعلي ومحمد وأحبابه الصبر والسلوان.

زمالة وأخوَّة اشتباك إداري !

قد يتساءل القارئ الفاضل: ما هي العلاقة التي تربط بين باسم بن أحمد آل إبراهيم ومحمد بن حمد القنيبط ؟ لو أردت أن أجيب بأمانه على هذا السؤال لاستغرق مني آلاف الصفحات. لـمــاذا ؟ لأنَّ علاقتي بفقيدنا الغالي باسم تمتد لأكثر من إثنين وعشرين عاما، حيث كانت بدايتها غير تقليدية مطلقاً، وها أنا أكتبها بل أحكيها لأول مرة؛ ولا أذكر أنني ناقشتها معه- يرحمه الله- بعد أن تجاوزنا ذلك «الاشتباك الإداري»، على غير العادة في علاقتنا خلال هذه السنوات الطويلة، حيث نعيد مناقشة كثير من أمور قديمة مرات عديدة.

لقد بدأت علاقتي بالفقيد الغالي باسم بالتحديد في شوال 1407هـ، حين رجعت لقسم الاقتصاد الزراعي بكلية الزراعة بجامعة الملك سعود بعد إعارة عام ونيِّف للقطاع الخاص. وقد كانت العلاقة في البداية أكاديمية رسمية، بحكم عدم التقائنا قبل هذا التاريخ بسبب الفارق الزمني في التخرج بيننا (3 سنوات)، وكذلك البعد المكاني في جامعة الدراسة بأمريكا (واشنطن وأوريجن). وبسبب هذه العلاقة الأكاديمية شبه الرسمية، وكذلك ـ وهو الأخطر ـ قوة شخصية كلّ منا، كانت الأجواء مثالية جداً لحدوث «اشتباك إداري» مع باسم بعد أن توليت رئاسة قسم الاقتصاد الزراعي.

لذلك حدث «اشتباك إداري» بسبب سؤالي الدكتور باسم عن موضوع إداري، فَســَّره ـ يرحمه الله ـ على أنه نوع من التسلط الإداري المرفوض تماماً في الحرم الجامعي، ناهيك من أستاذ أكاديمي متميز جداً في علمه يحمل إسم باسم ! وحيث إنني حديث عهد بالعمل الإداري، ذهبت لعميد الكلية لأخبره بالموضوع، حيث قال: إنه لا يستطيع التدخل الرسمي إلا إذا كتبت خطابا رسميا أشرح فيه هذا «الاشتباك الإداري»، وذلك بصفتي رئيس القسم !

لقد فكرت كثيراً آنذاك في موضوع كتابة خطاب رسمي يتعلق بزميل في القسم، سواء كان الحق معي أو معه، ذلك أنني حينئذ وإلى الآن، أكره أن يكون لدي خلاف مع شخص أراه بصفة يومية، مهما كان السـبب. لذلك ذهبت لزميل أكاديمي يكبرنا سناً وخبرة إدارية بالكلية ،مرَّ بنفس التجربة، أو بالأحرى «الاشتباك الإداري» في قسمه الأكاديمي، وعرضت عليه الموضوع؛ فكانت إجابته كالتالي: هل لدي الاستعداد لفتح ملف كبير للشكاوى والشكاوى المضادة بيني وبين باسم ؟! فكانت إجابتي بالنفي القاطع، فقال: إذاً نصيحتي أن تحتوي الموضوع.

خرجت من مكتب زميلنا المخضرم (أبا خالد ) وذهبت إلى مكتب باسم، وأقفلت الباب خلفي. استغرب باسم دخولي عليه ونحن في حالة قصوى من «الاستنفار»، وبالتالي كان- يرحمه الله- متجهم الوجه. تحدثت معه عن موضوع «الاشتباك الإداري»، وأخبرته بأنَّي لم أهدف من هذا التدخل والتدقيق سوى المصلحة الشخصية لباسم ليس إلاَّ، وطلبت منه مراقبة أفعالي وأقوالي المستقبلية بشأنه ليتأكد من صحة كلامي.

ويا لهول ما حدث بعد ذلك اللقاء الذي بقي طيّ الكتمان حتى هذه اللحظة. فقد انقلبت تلك العلاقة الرسمية الجافة تماماً بيننا إلى زمالة وصداقة وأخوَّة، يغبطنا عليها الكثير من الزملاء والأصدقاء، استمرت حتى رحيله المفاجئ، حتى أنه يصعب أن ترى باسم آل إبراهيم في مناسبة علمية أو اجتماعية مشتركة في الرياض دون أن ترى محمدا القنيبط، والعكس صحيح، وذلك طوال العشرين سنة التي أعقبت ذلك اللقاء «التصالحي» مع صاحب الشخصية الساحرة الفقيد الغالي الدكتور باسم بن أحمد آل إبراهيم. بل في مرات كثيرة جداً كان يُصرِّ على أن نذهب سوياً إلى المناسبات الرسمية والاجتماعية من ولائم وحفلات زفاف أو عزاء بحيث نلتقي في مكان معين لننطلق سوياً؛ وكنت أقول له دائماً: بالفعل أنت صاحب معالي، لا تستطيع التنقل إلا بسائق، وأبو حمد تحت الخدمة يا بيه !

ليس هذا فحسب، فالله أُشـهِد أنني وطوال تلك السنوات العشرين لم أسمع منه ما يُكدِّر خاطري، ولم أدخل معه في جدل حاد أو حتى عُشر حاد، ولم يكن ينظر لي إلا بعين الاحترام والتقدير الكبيرين، بل وأكثر من ذلك فكان لا يناديني إلا باللقب المحبب إلى قلبه: (سـيادة الرئيـس !؟) إشارة لأيام رئاستي لقسم الاقتصاد الزراعي، وأرد عليه بالقول: (وأنت رئيس الرئيس !؟). وليته توقف عند هذا المستوى الرفيع والنادر من الاحترام، بل كان لا يملّ ولا يكلّ من السؤال عن أحوال عائلتي فرداً فردا، خاصة والدتي الغالية، الذي أصبح اهتمامه وسؤاله عنها يتم بصفة يومية بعد سفري معها قبل أكثر من عامين لزراعة كِلية لها في أمريكا. حيث كان- يرحمه الله- يتصل بي في أمريكا مرة أو مرتين على الأقل في الأسبوع ليطمئن على صحة الوالدة.

باسم، مغناطيس أكاديمي

طوال فترة رئاستي لقسم الاقتصاد الزراعي بجامعة الملك سعود التي استمرت ست سنوات، كان مكتب رئيس القسم هو مكتب باسم، حيث بمجرد أن ينتهي باسم من محاضراته أو ساعاته المكتبية يأتي مباشرة لمكتب رئيس القسم ونجلس فيه حتى قرب صلاة المغرب، ليذهب كل منا إلى منزله.

قد يقول قائل: إنَّ في ذلك تضييعا للعمل الأكاديمي، وإهمالا لشئون القسم ؟! والرد على هذا الاتهام المؤلم، يتمثل في أنه خلال هذه السنوات الست كان قسم الاقتصاد الزراعي يحتل مركز الصدارة في عدد رسائل الماجستير بالكلية، إضافة إلى سرعة ترقية منسوبي القسم إلى درجة أستاذ مشارك وأستاذ. والله يشهد بأنَّ أغلب هذا الإنجاز العلمي والبحثي لقسم الاقتصاد الزراعي لم يكن ليتم لولا توفيق الله ثم التميز العلمي لمنسوبي القسم، وكذلك ـ وهو الأهم ـ الجو الأخوي والمرح الذي ما كان ليسود في القسم بدون الحضور أو بالأحرى الشخصية الطاغية ـ بمعناها الإيجابي ـ لفقيدنا الغالي باسم. فكان هو «المغناطيس» الذي يجذب جميع أعضاء القسم، بل ومن أقسام أخرى.

ولكن هذا ليس كل شيء عن الجانب غير التقليدي في شخصية الفقيد الكبير باسم. فكان حرصه على أهمية تميز الجانب العلمي للقسم، وبالتالي للكلية، لا يجاريه فيه أحد. وأما حبه لكلية الزراعة فكان عجيباً على الرغم من أنه ليس من عائلة زراعية، حيث كان يقول مراراً وتكراراً لو عادت عقارب الزمن إلى أيام الثانوية فسيدخل كلية الزراعة ويتخصص في الاقتصاد الزراعي فقط لا غير. وبالتالي لا غرابة أن يكون ـ يرحمه الله ـ أهم علماء الاقتصاد الزراعي السعودي، وهذا حق اكتسبه بيمينه نتيجة تميزه العلمي الذي جعله يترأس الفريق البحثي الذي أعد دراسة لوزارة الزراعة عن (آثار انضمام المملكة إلى اتفاقية الجات على القطاع الزراعي السعودي)، ثم إشرافه على أضخم وأهم دراسة قامت بها كلية الزراعة لصالح وزارة الزراعة بعنوان (الاستراتيجية الزراعية السعودية). في هاتين الدراستين، ظهرت عبقرية باسم في إدارة وقيادة فرق البحث العلمي، وكذلك ـ وهو الأهم ـ قدرته السحرية على توفير مناخ علمي بحثي متميز ممزوج بالمرح، أجبر جميع أعضاء الفريق البحثي على إعطاء أقصى ما لديهم من طاقة بحثية أنتجت هذه الدراسات المتخصصة المهمة والمتميزة.
ولكن مهلاً، فما ذكرت إلى الآن هو في أغلبه من الرثاء الكلاسيكي الذي وعدت بعدم الإطالة فيه، فأين هي تلك الخصال الفريدة في باسم ؟!

صفات غير تقليدية

تُرى ما هو الجانب الآخر غير التقليدي للفقيد الغالي باسم، الذي «سَـحَرَ» كل من التقى به في جلسة بساط أحمدي ؟ حقيقة، والله يشهد، أنَّي لا أعرف ما هي بالضبط، ولا أستطيع أن أحدد أو أُعدِّد هذه الصفات وماهيتها، إلا أنني أؤكد بأنني أول هؤلاء المسحورين بهذه الشخصية الفريدة جداً جداً.

ولكن مهلاً، فشهادتي في باسم ستكون مجروحة، لأنني لست زميله فحسب، ولست كذلك صديقه فقط، وآخراً وليس أخيراً لست أيضاً أخاه فقط، فأنا زميله وصديقه وأخوه. والله يشهد أنَّ هناك العشرات إن لم يكن المئات الذين سيحلفون بالأيمان المغلظة بأنهم أيضاً زملاء وأصدقاء وإخوة باسم.

حقيقة لو أردت أن أكتب جميع الخصال الفريدة للفقيد الدكتور باسم آل إبراهيم لتطلب ذلك آلاف الصفحات، حيث إنَّي عملت مع باسم بمعدل خمسة أيام في الأسبوع لمدة عشر سنوات، وبعد دخولي مجلس الشورى منذ إحدى عشرة سنة كنت ألقاه على الأقل أربعة أيام في الأسبوع؛ بمعنى آخر فقد زاملت باسم أكثر من 4000 يوم عمل، وهو أكثر من الوقت التي قضيته مع عائلتي. لذلك سأحاول الاختصار على المهم فالأهم.

أبدأ وأقول: إنَّ ما يميز فقيدنا الغالي باسم عن غيره هو شخصيته الشفافة تماماً، فكل من التقاه ولو لدقائق قليلة يخرج بانطباع واحد لا غير: أنه يعرف باسم منذ سنوات طويلة، بل سيقول لنفسه أنا الصديق الوحيد لباسم. لذلك لا غرابة أن يمتلئ مكتب باسم بكلية الزراعة بجامعة الملك سعود بزملائه وطلبته على مدار اليوم، وفي أحيان كثيرة لا يجد بعضهم كرسيا يجلس عليه، فيضطر للوقوف لأنه لا يستطيع أن يهرب من قوة جذب «مغناطيس» باسم، فيظل واقفاً مُعتقداً أنها ستكون وقفة لدقائق معدودة، ليفاجأ بأنه وقف لساعة أو أكثر. ونفس الكلام ينطبق فيما لو التقيت باسم في أي مكان آخر؛ فهو باسم، صاحب القوة المغنطيسية المستحيل مقاومتها أو الهروب منها. ولكل مشكك في ذلك أن يسأل زملاء الفقيد باسم في كلية الزراعة بجامعة الملك سعود ومجلس الشورى، بل حتى زملاءه البرلمانيين العرب في اتحاد البرلمان العربي، والذي لم يلتقيهم سوى ساعات محدودة وبصفة رسمية كاملة.

ولكن ماذا عن باسم خارج المباني الرسمية ؟! هناك، خارج المباني والأجواء الرسمية تظهر الشخصية الفريدة للفقيد باسم، وتزداد قوة الجذب المغنطيسية بدرجة يستحيل لكل من التقاه أن ينفك منها، ومن يشك في ذلك يسأل كل من شارك في مجلس آل إبراهيم في صفوى، أو في جلسات (استراحة باسم) التي كانت تنعقد مساء كل يوم إثنين بالرياض منذ أكثر من إثنتي عشرة سنة؛ سواء كان ضيفاً أو عضواً رسمياً بالاستراحة. وقصة ما يدور في «استراحة باسم» تحتاج هي الأخرى مئات الصفحات لكتابتها، ولكن سنتحدث عن بعض منها.

ففي هذه الاستراحة بمدينة الرياض على طريق الدمام، التي تقوم على أساس (القَطَه) برئاسة باسم، والقنيبط أمين الصندوق، وتبدأ التاسعة مساء كل يوم إثنين. في هذه الاستراحة يكون الجو مأساويا بل أقرب ما يكون لجو العزاء حتى يدلف باسم إلى الاستراحة، فينقلب الجو فوراً إلى جو من المرح والأنس والمناقشات الحيوية، ولا يستطيع أحد أن يغادر الاستراحة إلا بعد منتصف الليل بساعة أو ساعتين. في هذه الاستراحة يكون البساط أحمديا بتميز، ويكون باسم هو الحكم والقاضي والمايسترو، وفي أحيان كثيرة عندما يتجرأ أحد ويجادل باسم في موضوع أو أمر ما، سواء كان اقتصادياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو سياسياً، يفاجأ بإلقاء باسم لورقة من فئة خمسمائة ريال قائلاً: إذا إنك متأكد من كلامك، «قط» خمسمئة ريال ! وحين تشير الأجواء إلى احتمال انهزام باسم في هذا الجدل، تراه يخطف الخمسمئة ريال بسرعة البرق قائلاً: الرهان حرام ! لذلك لا يتجرأ أحد على أن يدخل في جدال مع أبي بدر- يرحمه الله- وظل هو سيد الموقف منذ أن أجبرنا بشخصيته الساحرة على الالتزام في حضور هذه الاستراحة منذ أكثر من 12 سنة مرت وكأنها إثنتي عشرة دقيقة.

ومن خصال باسم الفريدة قدرته على التحكم بزمام أمور أي جدال أو مماحكة أو مناكفة مع أحد أعضاء أو ضيوف الاستراحة، بل إنَّ استدراجه لبعض «أركان حرب» الاستراحة لمناكفته أو مماحكته هو ديدن باسم مساء كل إثنين، لأنه يعلم تمام العلم أنه الفائز لا محالة، والآخر خاسر دون أدنى شك ! وقد كان اهتمامه بالاستراحة والالتزام بحضورها يفوق أي فرد من أفراد الاستراحة الإثني عشر أو يزيد. فقد كان -يرحمه الله- أثناء فترات الإجازة الصيفية يأتي من مسقط رأسه مدينة صفوى بالمنطقة الشرقية،( يمتطي) سيارته بمفرده أربع ساعات لحضور الاستراحة لأربع ساعات ثم يعود اليوم التالي إلى صفوى؛ وقد كنا والله نتشوق لتلك الأمسية أكثر من تشوقنا لأي شيء آخر، ولكن بشرط وجود باسم؛ أما إذا كان غائباً ،فمن هو العاقل الذي يذهب إلى مجلس عزاء لمدة أربع ساعات؟

من أشهر الذين يدخلون في مماحكات مع باسم كان أبو يزيد وأبو ماجد الصغير وأبو ماجد الكبير وأبو فهد الكبير وأبو زياد وأبو منصور وأبو شايع وأبو تميم وغيرهم كثير، وكانوا كلهم لا يستمرون لأكثر من جولة واحدة، لتلحق بهم الهزيمة النكراء في أي جدل يدخلون فيه مع باسم؛ أما بقية الحضور فيكتفون بالمراقبة والضحك على ضحايا باسم، وقبل ذلك السلامة على أنفسهم من شر الهزيمة !

كذلك من إحدى الصفات الفريدة لباسم قدرته العجيبة على إخراج المعلومات أو القصص التي يحاول أصدقاؤه المقربون إخفاءها أو تحوير محتواها، وفي هذا الخصوص كان يتبع استراتيجية أسماها «جمع الكلمات المتقاطعة» ! حيث يقوم، كما كان يحكي لنا ونشاهد ذلك، «بحلحلة مركز المعلومات» لذلك الصديق أو الزميل، لعل كلمة أو عبارة تنزلق دون علم صاحبها، ليقوم ـ يرحمه الله ـ بجمع هذه العبارة أو الكلمة مع أخريات جمعها في «جلسات نفسية» أخرى كما كان يسميها، ثم يجمع ويحل هذه الكلمات المتقاطعة ليخرج بالقصة أو الحدث الذي حاول ذلك المسكين إخفاءه عن «الساحر» باسم ! والويل والثبور لمن يقع في هذا الفخ، فالفضح في الاستراحة نصيبه، والضحك غير المتوقف مكافأته على عدم قدرته كتم أسراره!!

باسم توأم حاتم الطائي

أكاد أجزم بأنَّ كل من التقى باسم في مطعم أو مقهى في المملكة أو خارجها، فإنه لم يستطع دفع فاتورة الطعام أو القهوة والشاي، وهذا الأمر لا يتوقف على من التقاهم باسم لأول مرة أو حتى في رحلة رسمية، بل يشملنا نحن من عرفناه لأكثر من عشرين سنة. ويبدو أنَّ واقع الأمر يؤكد أن أبا بدر ـ يرحمه الله ـ هو الشقيق التوأم لحاتم الطائي، خاصة وأن كليهما يعود إلى نفس منطقة عروس الشمال (حائل). وفي الحقيقة كنا ننزعج كثيراً من حاتمية باسم، ونغضب لعدم سماحه لنا بتحمل فاتورة الأكل أو الشاي والقهوة ولو على نظام (القَطَه)، ولكننا في نفس الوقت لا نستطيع مقاطعة مجلس باسم، وانتهى الأمر بنا ـ وعلى مضض ـ قبول كرم باسم تجنباً لخسارة جلسته التي لا تُفوَّت.

وهذه ليست كل الحكاية مع صاحب الشخصية الساحرة باسم، يرحمه الله. فقد كان يحرص دائماً على إهدائي وأفراد عائلتي أشياء متميزة في المناسبات، وأخرى يعلم اهتمامي أو محبتي لها سواء كانت من الأغذية أو غيرها. وآخر ما أهداني قبل وفاته بأيام كرتون ونصف من زجاجات زبدة الفول السوداني (العضوي)، الذي يعلم ـ يرحمه الله ـ محبتي لها وفي نفس الوقت ندرة وجودها في الرياض، وقال لي حينئذ: هذا كل الموجود على الرف في سوبرماركت سيفوي، وكأنَّ القدر يقول هذه آخر هدية من الشهم الكريم باسم. وكنت أعتقد أنَّ هذه المعاملة خاصة بأبي حمد بحكم زمالة عشرين سنة، لكني كنت مخطئاً في تصوري أنَّ باسما رجل عادي له صديق أو اثنان، أو أنَّ كرمه مقصور على شخص بعينه. فقد أخبرني عضو مجلس الشورى الزميل والصديق الدكتور محمد الغامدي بعد وفاة باسم -يرحمه الله -بأنَّ زملاءه في البرلمان العربي كانوا يجدون صعوبة في التصدي لحاتميته وكرمه، حتى أنَّ بعضهم عندما يبحث عن أمور أو وصايا شخصية ويسألون باسم عن رأيه في كيفية توفيرها، يجدونه وعلى غفلة منهم قد قام بتأمينها ويقدمها كهدية لهم؛ وقد حدث هذا مع الدكتور محمد الغامدي شخصياً.

أما تعامل باسم مع طلبته أو أصدقائه الذين سافروا للدراسة خارج المملكة، فهو غريب جداً. والغرابة ليست في أنه يتصل بهم بصفة دورية للإطمئنان على مسيرتهم الدراسية وأحوالهم الاجتماعية، ولكن الغرابة في تصرف خاص بباسم دون سواه. فعند قيام هؤلاء الطلبة والأصدقاء الاتصال بباسم كرد جميل على اتصالاته المتكررة، يبلغهم عندما يتصلون أنه مضطر لقطع المكالمة لأن الوقت غير مناسب؛ ليفاجأوا بقيامه فوراً بإعادة الاتصال بهم والتحدث معهم دقائق طويلة، وذلك ليتحمل هو تكلفة المكالمة الدولية. هل رأيتم بالله عليكم شخصاً مثل باسم ؟

ولو انتقلنا إلى الحديث عن شفاعات باسم لمن يعرفه شخصياً أو مرسل إليه، فهذه تحتاج إلى صفحات عديدة. حيث يندر أن يخلو مكتبه بالكلية من شخص لا نعرفه من قبل، ليتبين أنه جاء ليستعين بباسم ليشفع له في الجامعة وكلياتها أو خارج الجامعة في الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص.

موقف أعجب باسم

هناك كثير من المواقف التي كنت استعيد أحداثها مع باسم، ولكن هناك موقفا كان يُذكِّرني به باسم مراراً وتكراراً، والذي من غرائب الصدف تطرقنا له قبيل وفاته بأربعة أيام -يرحمه الله -هذا الموقف حدث بيني وبين إبني حمد- وفقه الله وحفظه- وهو في بداية المرحلة الثانوية، حيث خرجنا من صلاة العشاء واعتقد الإبن البار حمد أنَّ الوقت مناسب جداً لاستدرار عطف الوالد (الاقتصادي) لأخذ أكبر مبلغ مُمكِن يُمكِّنه من لعب دور حاتم الطائي بين زملائه في مطعم هرفي ! ولكن هيهات هيهات له ذلك، فلم يتمكن من الحصول سوى على إثني عشر ريالاً عداً ونقداً تكفي لشراء وجبة همبرجر واحدة فقط ! ومازلت أتذكر علامات الدهشة والذهول مرتسمة على محيا الحبيب حمد. وحين ذكرت هذا الموقف في حينه لحبيبنا وفقيدنا الغالي باسم، انفجر ضاحكاً، وقال: يعلم الله أنك جبار !

وقد قال لي باسم: إنه حاول استخدام هذا الموقف التربوي (الاقتصادي !) ونقله حرفياً لأبنائه لعلَّه يستطيع الحد من «استغلالهم» لحاتميته، حيث يقول لهم :انظروا هذا ابن عضو مجلس الشورى، وهذه هي الطريقة التي يُعلِّم فيها ابنه الوحيد أهمية التعامل الحكيم مع النقود. ولكن هيهات هيهات ينفع معهم ذلك!! فهم يعرفون جيداً أنَّ باسم هو الشقيق التوأم لحاتم الطائي، وبالتالي لا محالة فإنَّ أبا حمد هو الشقيق التوأم لأشعب ! لماذا يا باسم شوهت بل فضحت صورة أخيك «الاقتصادي» عند أبنائك الكرام ؟!

باسم عاشق البهجة والمرح

لا يختلف اثنان على أنَّ باسم له حضور طاغ أو (خرافي) على قول أهل النيل، في جلسات البساط الأحمدي، حيث كان ـ يرحمه الله ـ فناناً في إلقاء الطُرَف (النكات) التي يحفظ منها المئات ذات الوزن «الثقيل» الذي لا يقاومه أحد. كذلك في الوقت نفسه ، فهو أيضاً يحب سماع النكات أو المواقف المضحكة، حيث يتميز بأنه عندما يضحك ،فإنه يضحك من صميم قلبه، كما يقال. ويعلم الله أنَّه عندما يضحك تشعر بأنه يضحك بكل جوارحه، فتضحك من شدة ضحكه، حتى أنني خفت أن يغمى عليه قبل عدة أشهر من شدة نوبة الضحك التي أصابته عندما أخبرته بتعليق لاذع لزميلنا بمجلس الشورى اللواء عبدالقادر كمال حين قال: (عنَّك، عنَّك ...)، عندما رآني في وضعية مُعينه !

بمختصر القول: إنَّ وجود باسم في المجلس ذو البساط الأحمدي يعود بالمجلس ورواده إلى أيام الشباب. ليس هذا فحسب، إنَّ وجود باسم في المجلس يضاعف درجة الشباب والحيوية أضعافاً عديدة، إن لم نقل بأنَّ غيابه عن المجلس يجعل المجلس أقرب لمجالس «الشـيِّاب»، بل أقرب للمجلس الحزائني منه لمجلس الفرح والبهجة.

هذا هو الجانب الفريد لباسم، ليس في مرحلة العمل الأكاديمي بل في مرحلة الدراسة الجامعية؛ حيث يقول زميله ورفيق دراسته الجامعية الدكتور منصور الكريديس: إنَّ جميع طلبة الدفعة في كفة وباسم في كفة أخرى في موضوع الحيوية والنشاط اللامنهجي. أما فيما يتعلق بالنشاط المنهجي، فباسم كان لا يشق له غبار، حيث ـ كما يقول الدكتور الكريديس ـ كان يسهر مع أقرانه الطلبة حتى الصباح في السكن الجامعي أو خارجه، ويأخذ تقدير امتياز طوال سنوات الدراسة الجامعية وكان دائماً الأول على الكلية، في حين يصارع غالبيتهم في الحصول على تقدير جيد وجيد جداً في أحسن الأحوال !

وهذه ليست جميع القصص والمواقف حول باسم وحبه للمرح والبهجة. فقد واجه موقفاً طريفاً جداً أثناء إحدى رحلات العودة من المملكة إلى أمريكا لاستكمال دراسة الدكتوراه، حيث كانت هذه الرحلة عبر باريس. وقد كان على المقعد المجاور له بالطائرة رجل سعودي في العقد السادس من عمره، حيث سأله كم يوماً ستمكث في باريس، وماذا ستفعل هناك ؟! فقال باسم: إنه سيمكث يومين أو ثلاثة في باريس، لزيارة المتاحف والآثار. فنظر إليه الراكب نظرة جافة، وقال: آثار إيه ومتاحف إيه. يا سيدي أنا وأنت الآثار !؟

باسم وفوضى المكتب

من الأمور التي كانت تتسبب في حدوث جدل نادر بيني وبين باسم هي فوضوية مكتبه بالكلية ومجلس الشورى مؤخراً، حيث لا يمكن أن ترى سطح المكتب من كثرة الأوراق والكتب والمجلدات عليه. وكل مرة أعرض عليه ترتيب طاولة مكتبه، يصرخ في وجهي ويقول: يا أخي ما اشتكيت لك ! وعلى الرغم من ذلك، كنت، وعلى غفلة من باسم، أقوم بترتيب طاولة مكتبه بالكلية بمساعدة سكرتير جمعية الاقتصاد السعودية الأخ الفاضل الطيب إدريس، لنلقى بعد ذلك سيلا من النقد والتذمر وأحياناً الصراخ من باسم على قيامنا بتغيير المنظر (الجميل) لطاولته ! ولكن الأمر المحيّر فعلاً، هو أنك لا تسأل باسم عن كتاب معين أو تقرير معين، إلا وتجده يقلب هذه الأوراق والتقارير الفوضوية على مكتبة ليخرج لك ما طلبت خلال ثوان معدودة !

هذا فيما يخص موضوع الترتيب والتنظيم لطاولته، ولكن العجب العجاب هو في قدرة باسم العجيبة على تنظيم وقته بطريقة فريدة، بحيث استطاع تدريس ثلاث مواد ،كل فصل دراسي ،وكتابة أكثر من ثلاثين بحثا أكاديميا والإشراف على أكثر من عشرين طالب ماجستير، إضافة إلى الإشراف على فريق أكاديمي أعدّ دراستين اقتصاديتين ضخمتين لوزارة الزراعة، ناهيك عن ارتباطه باجتماعات الهيئة الاستشارية للمجلس الاقتصادي الأعلى ومسئوليات مجلس الشورى بعد تعيينه عام 1426هـ. أقول على الرغم من كل هذه المشاغل الكثيرة والمتنوعة عملياً وعائلياً واجتماعياً التي قام بها باسم على أكمل وجه، إلا أنك تصاب بالحيرة والذهول كيف استطاع القيام بكل هذه المهام والمسئوليات ،وهو المداوم على مكتبه بكلية الزراعة بمعدل لا يقل عن خمس ساعات يومياً، بل ويتواجد زملاؤه بمكتبه في أغلب هذه الساعات الخمس ! إنه رجل غريب، بل رجل نابغة في إدارة الوقت.

باسم: خير جليس

نظراً لاختيار باسم في الهيئة الاستشارية بالمجلس الاقتصادي الأعلى، الجهاز الثاني على مستوى الأهمية بعد مجلس الوزراء، فقد كنت أشاطره ما يشغل فكري من أمور أو مواضيع تطرح بمجلس الشورى، حيث كنت استفيد كثيراً من رؤاه وطروحاته وأفكاره بشأن الأمور التي أشاطرها معه؛ وكأنني ـ دون علمي ـ كنت أمهّد الدرب له عند دخوله مجلس الشورى، والذي ـ من وجهة نظري ـ تأخر ثماني سنوات على الأقل من تعيينه في 3/3/1426هـ. لذلك لم يكن باسم غريباً عن مجلس الشورى أو عن الأمور والمواضيع التي تطرح فيه، بل دخل المجلس وكأنه كان فيه منذ سنوات، بدلالة انبهار كثير من زملائه بأولى مداخلاته تحت قبة المجلس. وهذا لعمري يؤكد ما ذكرت سابقاً عن تميّز شخص وشخصية وفكر باسم، يرحمه الله.

كذلك يجب أن أعترف بأنَّي كنت أعرض على أخي باسم كثيراً من مقالات زاوية (أكاديميات) بمجلة اليمامة قبل نشرها، وكنت استفيد دائماً من ملاحظاته وتعديلاته على تلك المقالات. وكم تألمت من عتابه الشديد والمتكرر على قراري التوقف عن الكتابة قبل حوالي عامين، ولم يزل يكرر عتابه على قرار توقفي مرات عديدة وحتى آخر يوم التقتيه وهو عصر الثلاثاء الذي سبق يوم وفاته السبت 12 يناير 2008م، يرحمه الله.

باسم صديقي الشخصي

هذه العبارة قال بها كل من عرف باسم ولو لفترة قصيرة، أما الذين فازوا بمعرفته عن قرب وعملوا معه فإن كل منهم سيقول لكل من يصادفه إنني الصديق والزميل الأول لدى باسم. لذلك لا غرابة أن يصاب بالذهول والصدمة العنيفة كل من عرف باسم عن قرب، عندما انتشر خبر وفاته صباح الأحد الرابع من محرم 1429هـ في كلية علوم الأغذية والزراعة بجامعة الملك سعود، بل إنَّ الكثير من زملائه بقسم الاقتصاد الزراعي كان بكاء الأطفال من نصيبهم. ولكن ما أصابنا نحن المقربين جداً منه بالحيرة هو تصرف أحد الزملاء بالقسم تجاه خبر الوفاة؛ حيث كنا نعتقد بأنَّ علاقة باسم ببعض الزملاء بالقسم رسميه أكاديمية. ولكنّا فوجئنا بخلاف ذلك تماماً. حيث اتضح أنَّ باسم -يرحمه الله- كان على علاقة حميمة مع جميع الزملاء بالقسم، على الرغم من الشكل الرسمي الذي يكسو هذه العلاقة مع بعضهم.

لذلك فوجئ الزملاء بالقسم انطلاق زميل فاضل من أرض النيل هو الدكتور أحمد الهندي، إلى مطار الرياض باحثاً عن أول طائرة للدمام لتعزية عائلة باسم، وذلك بمجرد قراءته ورقة في لوحة إعلانات القسم صباح الأحد 4 محرم 1429هـ تنعى وفاة الدكتور باسم، حيث لم يتريث دقيقة واحدة ليسأل عمّا إذا نَظَّمَ الزملاء سفرا جماعيا إلى صفوى لتقديم العزاء لعائلة آل إبراهيم المكلومة، حيث وصل الزملاء بالسيارات مغرب يوم الأحد ليجدوا أمامهم الدكتور أحمد الهندي. فقد تبيّن لهم أنَّ الدكتور أحمد الهندي انطلق صباح الأحد إلى مطار الملك خالد بالرياض وهو لا يملك أي عنوان لأسرة الفقيد باسم سوى أنهم في مدينة صفوى، وورقة إعلان الوفاة. وحين وصل مطار الملك فهد بالدمام استقل أول سيارة أجرة كانت أمامه ،وقال للسائق: إلى صفوى، وحين سأله السائق إلى أين في صفوى ؟ قال: إلى عائلة آل إبراهيم !؟ وعندما أبدى السائق استغرابه، نظر الدكتور أحمد الهندي في ورقة إعلان خبر الوفاة فوجد فيها رقم هاتف ولكنه نسي جواله بالرياض، فطلب من سائق سيارة الأجرة أن يتصل على الرقم من جواله !؟ ولحسن حظه كان على الطرف الآخر أحد أفراد عائلة آل إبراهيم المفجوعة بفقيد صفوى والرياض، والذي أرشد سائق سيارة الأجرة إلى مكان العزاء.

هؤلاء هم أصحاب وأحباب باسم، كل منهم يجزم قاطعاً بأنه هو وحده الصديق الأقرب والزميل الأوحد لباسم؛ في حين أن واقع الحال يؤكد أنَّ باسم ولدته أمه الفاضله قبل 52 عاماً ليكون أخاً وصديقاً لمئات إن لم يكن آلاف الأشخاص، إلى جانب كونه ابناً باراً وزوجاً وفياً مخلصاً وأباً حنوناً عطوفاً لخمسة أشبال، ندعو الله أن يصلحهم ويوفقهم إلى طريق الخير والصلاح، وأن يلهمهم الصبر والسلوان، وأن يجمعهم ونحن به في جنات عدن يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

باسم: سيل من الوطنية

ما يلفت نظر الشخص الذي حظي بلقاء باسم، أو كان أكثر حظاً من خلال فوزه برفقة أو زمالة دراسية أو عملية مع باسم، أقول ما يلفت نظرهم: هي حقيقة ناصعة البياض ألا وهي ضخامة الوطنية العارمة التي تعيش في وجدان وجميع أجزاء جسم هذا الـ باسم. هذه الحقيقة ظهرت بوضوح من شهادة زملائه بكلية الزراعة ومجلس الشورى والمجلس الاقتصادي الأعلى، حيث عزَّاني زميله سعادة الدكتور إبراهيم المديميغ قائلاً: (لقد فقدنا في الهيئة الاستشارية للمجلس الاقتصادي الأعلى صوتاً وطنياً مدوّياً).

أما في مجلس الشورى فلقد دخل باسم قلوب زملائه بالمجلس من أول مداخلة له قبل حوالي ثلاث سنوات، بحيث جعل كرسي المجلس يزهو فخراً وافتخاراً باحتضانه ،هذا الرمز الوطني الفريد. وليس من الغريب، بل أصبحت لازمة تتبع جميع مداخلاته المتزنة عدداً وتنوعاً، أن يُرسل إليه العديد من زملائه أعضاء مجلس الشورى عقب كل مداخلة وريقات كتبوا فيها شكرهم وثناءهم على تميز مداخلته وقوة ما جاء فيها، بل إنَّ معالي رئيس مجلس الشورى الشيخ الدكتور صالح بن حميد أشاد وأثنى أكثر من مرة على مداخلات باسم المتميزة جداً. لذلك فقد حاز باسم على الاحترام الكبير جداً من لدن زملائه الأفاضل بمجلس الشورى بعد أول مداخلة له، وكانوا ينصتون باهتمام بالغ لكل مداخلة يلقيها باسم، والتي يكون محور غالبيتها أمورا تمس رفاهية وهموم المواطن الصغير والوطن الكبير.

باسم الذي أحب أبا متعب

كما كنت أشاطر الفقيد باسم ببعض ما يدور في مجلس الشورى، فقد كان يشاطرني ببعض ما كان يُعرض عليهم في الهيئة الاستشارية بالمجلس الاقتصادي الأعلى أو بالمجلس نفسه من مواضيع وأمور ذات أهمية مشتركة بين المجلسين، وكم كان باسم معجباً بشخصية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يحفظه اللهّ! حيث كان لا يكف عن وصف إعجابه الشديد بأريحية أبي متعب ـ حفظه الله ـ وسعة صدره في الاستماع لكل من أراد أن يتكلم من أعضاء الهيئة الاستشارية للمجلس الاقتصادي الأعلى، بل قال :بأن أبا متعب كان يمنع الوزراء من المداخلات مفضلاً الاستماع إلى آراء الهيئة الاستشارية آمراً الوزراء للاستماع إلى ما يطرحه هؤلاء المستشارون. ولم يكن باسم أشد انبهاراً وإعجاباً بأبي متعب من ذلك اليوم الذي ناقش فيه المجلس الاقتصادي الأعلى موضوع انهيار سوق الأسهم قبل حوالي عامين، وهو آخر اجتماع للمجلس الاقتصادي الأعلى يحضره أعضاء الهيئة الاستشارية بوجود الملك عبدالله يحفظه الله. فقد قال باسم: إنَّ ذلك الاجتماع استمر حوالي أربع ساعات ونصف، كان خلالها الملك عبدالله يحث الجميع على الحديث والنقاش مرات عديدة، ويُكرِّر ـ يحفظه الله ـ تأكيده وحرصه واهتمامه الشديد بصغار المساهمين والمستثمرين بالسوق، وأنه يجب حماية مدخراتهم؛ ولكن كان ما كان وقضى الله أمراً كان مفعولاً. لقد كان باسم يعيد الحديث عن ذلك الاجتماع مرات عديدة مكرراً إعجابه الكبير بحجم الحرص والاهتمام الذي أبداه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله تجاه سوق الأسهم وضرورة منع تكرار ذلك، بل ضرورة البحث عن آلية لتعويض الصغار، وهو ما خرج على صورة بنك الإنماء بعد ذلك الاجتماع بأسابيع قليلة، والذي اقترحه الملك عبدالله في ذلك الاجتماع التاريخي أملاً في أن يكسب صغار المواطنين من الاكتتاب في أسهم هذا البنك، ويعوضون بعضاً من خسائرهم.

باسم يكره الأضواء

أما الأمر الوحيد الذي كان يؤلمني جداً في شخصية باسم هو عدم حبه في الظهور الإعلامي مطلقاً، حيث لا أذكر أنه خرج في أي برنامج تلفزيوني أو إذاعي حواري أو غير ذلك. هذا الألم مصدره حقيقة ناصعة البياض تتمثل في امتلاك باسم كمَّاً هائلاً من العلم الاقتصادي خاصة وكذلك الثقافي والسياسي، والأهم من ذلك امتلاكه لموهبة راقية ومتميزة في طرح وشرح كثير من الأمور الاقتصادية المعقدة بأسلوب بسيط يفهمه عامة الناس. وليس ذلك فحسب، بل إنَّ باسم يملك قلماً اقتصادياً فريداً يندر وجوده في المملكة، حيث يستطيع أن يكتب المعلومة الاقتصادية بأسلوب سلس ومقنع جداً ومدعّماً بأقوى الحجج والبراهين العلمية الاقتصادية. وللأسف، فقد كان يتجنب الكتابات الصحفية، حيث لم تتجاوز المقالات التي كتبها عدد أصابع اليد الواحدة.

ليس هذا فحسب، ولكنه كان أيضاً لا يحب الرسميات والمناسبات التي تتطلب لبس المشلح (البشت)، حيث يقول -يرحمه الله- إنَّه لم يلبس المشلح إلا في ليلة زفافه، ولكنه أضطر إلى لبسـه بعد دخوله الهيئة الاستشارية للمجلس الاقتصادي الأعلى، وبعد ذلك في مجلس الشورى.

وفــاتـه

الفراق المفاجئ للفقيد باسم لم يكن بدون أسباب، حيث يأتي في مقدمتها امتلاكه لقلب كبير جداً اتسع للمئات من أهله وأحبابه، وكان هذا القلب مملوءا بالمحبة والوفاء الكبير لدينه ووطنه وأهله وأحبابه؛ لذلك لا غرابة مطلقاً أن يتعب هذا القلب الكبير والرحيم من هذه الأحمال الثقيلة. فقد تعرض باسم لأزمة قلبية قبل شهرين بالضبط من وفاته بعد ظهر يوم السبت الثالث من محرم 1429هـ (12 يناير 2008م) -يرحمه الله- إلا أنَّه أخفى هذه الحقيقة الخطرة جداً على صحته عن جميع أقربائه وأصدقائه باستثناء زوجته وأكبر أبنائه بدر وأحمد؛ وإني أجزم بأنَّ سبب إخفائه الموضوع هو عدم رغبته في إزعاج بقية العائلة والأصدقاء والزملاء. هذا هو باسم، لا يريد أن يُزعج أحداً بأموره الشخصية، في حين يُصِّر على مشاركة الآخرين في أحزانهم قبل أفراحهم.

لذلك قام باسم -يرحمه الله- بإجراء عملية قسطرة في مستشفى الملك فيصل التخصصي، حيث أبلغه الطبيب بوجود ضيق في ثلاثة شرايين بدرجات متفاوته، وأنَّه يحتاج إلى عملية زراعة أو توصيل شرايين By-Pass، أو أخذ الأدوية ومراقبة الوضع الصحي له. وقد كان قرار باسم هو الحفاظ على سرية موضوع إصابته، والبدء بخيار الأدوية على أن يجري العملية في الصيف خارج المملكة. ولكن كان القدر أسرع من مفعول الأدوية، وبالتالي يبدو أن الطبيب المعالج أخطأ بإعطاء باسم خيار الأدوية وإمكانية التريث في إجراء العملية، ذلك أنَّ زميلاً آخر تم تشخيصه بنفس المشكلة (ضيق ثلاثة شرايين) في مستشفى الملك خالد الجامعي، حيث رفض الطبيب المعالج خروج زميلنا (أبي خالد) من المستشفى قبل إجراء العملية، أو أن يُوقِّع على ورقة تُخلي الطبيب من مسئولية ما قد يحدث له. وبالفعل لم يخرج أبو خالد من المستشفى، وخلال يومين أجرى عملية زراعة الشرايين By-Pass، وهو الآن يتمتع بصحة جيده. أبو خالد هذا هو الزميل الذي نصحني بعدم الدخول في (معركة إدارية) مع باسم قبل حوالي 22 سنة. حفظك الله ورعاك أبا خالد.

لا تنتظروا الإسعاف

عتبي على طبيب مستشفى الملك فيصل التخصصي الذي أشرف على علاج فقيدنا باسم يتمثل في نقطتين: الأولى، وبعيداً عن التشبيه الدقيق، هل كان هذا الطبيب سيسافر على الطريق السريع بسيارة فيها ثلاثة إطارات بحالة سيئة ومعرضة للانفجار في أية لحظة ؟! الثانية، لو أفترضنا أنَّ الإطارات الثلاثة لسيارته ممكن أن توصله إلى مبتغاه لو سار ببطء وحرص شديدين، هل كان سعادة الطبيب سيسافر مع عائلته وأطفاله عبر طريق صحراوي، أم أنه سيسلك طريق تتوافر فيه خدمات الطوارئ العاجلة ؟!

بكل تأكيد سيسلك طريق تتوافر فيه خدمات الإسعاف السريعة، حتى لا يُعرِّض عائلته وأطفاله للخطر. ولكن للأسف خدمات الإسعاف العاجلة هذه لم تكن متوافرة لفقيدنا باسم، حيث يبدو أنَّّّّّّّ الطبيب المعالج في مستشفى الملك فيصل التخصصي ظنَّ مخطئاً بأنَّ خدمات الإسعاف بالرياض أفضل من نظيرتها في مدينة نيويورك، التي يجبر النظام وصول الإسعاف إلى مكان الحادث خلال خمس دقائق، وإذا تأخر إلى سبع دقائق فيجب فتح ملف تحقيق لمعرفة سبب التأخر إلى سبعة دقائق !؟

فعلى الرغم من أنَّ الفقيد باسم كان على بعد أقل من كيلو متر واحد من مستشفى الملك خالد الجامعي، إلا أنَّ الإسعاف استغرق حوالي الساعة للوصول إلى منزله بسكن أعضاء هيئة التدريس بالدرعية ! نعم، محبو وأحباب باسم، فقد كان باسم في غرفة نومه بمنزله بسكن أعضاء هيئة التدريس بالدرعية، حينما داهمته الأزمة القلبية الثانية حوالي الساعة الواحدة بعد الظهر من يوم السبت الثالث من شهر المحرم 1429هـ، حيث لاحظت زوجته وابنه أحمد معاناته لضيق التنفس، فما كان منهما إلا الاتصال بإسعاف مستشفى الملك خالد الجامعي الذي لم يصل إلا بعد حوالي ساعة، وذلك بعد عدة اتصالات كان آخرها عبر سيارة الأمن التي صادف مرورها أمام المنزل. ولكن قضى الله أمراً كان مفعولاً، وفاضت روح باسم الطاهرة وانتقل إلى جوار بارئه، قبل أو بمجرد وصول سيارة الإسعاف.

والسؤال هنا: هل بهذا الإهمال واللامبالاة تتعامل إدارة الإسعاف بمستشفى الملك خالد الجامعي مع مكالمة مريض هو أحد منسوبي الجامعة وعلى مرمى حجر منها ؟!

نعم، الكل مؤمن بقضاء الله وقدره، وأنه لا مفر من الموت، ولكن موضوع لامبالاة خدمات الإسعاف ليست مقصورة فقط على مستشفى الملك خالد الجامعي بجامعة الملك سعود. بل وللمصادفة المؤلمة أنني فقدت في رمضان الماضي صديقي وزميلي في الدراسة الجامعية بكلية الزراعة الذي كان يعمل دكتوراً بكلية الأرصاد والبيئة في جامعة الملك عبدالعزيز، ذلكم هو الأستاذ الدكتور محمد صالح بكري جراء أزمة قلبية أصابته وهو في منزله الذي يبعد نفس مسافة منزل الدكتور باسم عن مستشفى الملك خالد الجامعي. وأيضاً لم يسـتجب إسعاف مستشفى الملك فهد الجامعي بجامعة الملك عبدالعزيز لمكالمات الاستنجاد من زوجة الدكتور محمد بكري، في حين رفض إسعاف الهلال الأحمر نقل الجثمان الطاهر للدكتور محمد بكري من منزله حينما تبين لهم أنه قد لقي ربه قبل وصولهم. رحم الله فقيدي إهمال إسعاف المستشفيات الجامعية أحبابنا باسم ومحمد، وألهم ذويهما الصبر والسلوان؛ وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وفي هذا المقام، فإني أنصح ـ جاداً لا مازحاً ـ كل من تضطره الظروف للاتصال بالإسعاف أن ينقل مريضه بنفسه إلى المستشفى، ولا ينتظر مطلقاً وصول سيارة الإسعاف التي قد تصل ولكن بعد فوات الأوان. ولتسهيل الأمور، وكإجراء احترازي للطوارئ، أنصح بالاحتفاظ في كل منزل بنقالة خفيفة الوزن لاستخدامها عند الضرورة لنقل المريض إلى طوارئ أقرب مستشفى حكومي دون انتظار سيارة الإسعاف التي قد لا تصل مطلقاً !؟

رحم الله باسما

دخل باسم هذه الدنيا خفيفاً، وخرج خفيفاً على الأكتاف. حيث يقول من كسب أجر حضور مراسم دفنه في مسقط رأسه في مدينة صفوى، أنَّه بسبب كثرة المشيعين في تلك الليلة الحزينة من يوم السبت، الثالث من شهر محرم 1429هـ الموافق 12 يناير 2008م، كان النعش الذي يحمل الجسد الطاهر للفقيد الدكتور باسم بن أحمد آل إبراهيم يمشي على أكتاف المشيعين من بداية مدخل المقبرة دون أن يتحرك واحد منهم خطوة واحدة وحتى وصوله إلى مثواه الأخير. ليس هذا فحسب، بل كان البكاء من نصيب الغالبية العظمى التي حضرت مراسم الدفن.

بقي أن أذكر لكم خصلتين من الخصال النادرة جداً هذا الزمان: الأولى تتمثل في رفض باسم قبول أية دعوة للأكل خارج منزله أيام الأربعاء والخميس والجمعة، حيث يقول: إنَّ هذه الأيام لعائلته الصغيرة. الثانية وهي خصلة فريدة ونادرة جداً ولا يمكن تخيلها أو تصورها أو توقعها من شخص يحمل الصفات (الظاهرية) للفقيد باسم؛ فمنذ أن توطدت معرفتي بهذا الـ باسـم منذ عشرين عاما وهو يتطوع بصيام يوم الخميس من كل أسبوع، وفي أحيان كثيرة يصوم يومي الإثنين والخميس.

وقبل ختام هذا الرثاء المتأخر لأخي وزميلي وصديقي الدكتور باسم بن أحمد آل إبراهيم، استعير عبارة أو مثلاً يفتخر به أهل مدينة بريدة بالقصيم، للدلالة والتأكيد على حبهم ووفائهم وتعلقهم بمدينتهم الغالية، وهو منسوب لإبن بريدة البار الأستاذ فهيد أبو صدام وهو في بيروت، حين قال باللهجة القصيميّة: (يا حّول ياللي ما له بريده)؛ وأقول من أعماق قلبي: (يا حّول ياللي ما عرف باسم).

رحم الله أخانا وزميلنا وصديقنا الدكتور باسم بن أحمد آل إبراهيم، فقد تعلمنا منه الكثير الكثير وأبهجنا أكثر في حياته، وأبكانا بكاء الأطفال عند مماته. فالله نسأل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يحشره مع الأنبياء والصديقين والشهداء في جنة الفردوس الأعلى، ويلهم والدته الفاضلة وزوجته الكريمة وأبناءه الأعزاء بدر وأحمد وعبدالله وعلي ومحمد وأحبابه الصبر والسلوان، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.