ألبوم الصور
تنبيت النخل
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3259316
جزيرة تاروت المركز التجاري الأهم في الخليج
سلمان رامس - 29 / 11 / 2007م - 3:43 ص

اذا كانت جزيرة تاروت هي أهم مراكز مملكة دلمون وصاحبة الدور الكبير في تاريخ المنطقة خلال أكثرمن ثلاثة آلاف سنة سبقت الميلاد وأن الاستقرار البشري استمر فيها بكل عنفوان ونشاط دللت عليه المعثورات الأثرية فيها خلال هذه القرون حتى يومنا هذا وهو أمر ينذر حدوثه في الكثير من المناطق الأثرية في العالم. وكان لها الدور الأكبر في الحياة التجارية في الخليج تعتمد عيها بلاد الرافدين وبقية المنطقة الساحلية في شرقي شبه الجزيرة العربية ولها علاقات وطيدة مع الكثير من المناطق المتحضرة في المنطقة.

يجب علينا هنا أن ننوه أن هذه الجزيرة كان لها الدور الكبير باعتبارها أهم مركز لاستيراد وتصدير البخور والعطور عند العرب ما قبل الإسلام قبل القرن الخامس والسادس الميلادي وعند ظهور الإسلام وفي الفترة الإسلامية في العصر الأموي والعباسي أي في القرن السابع الميلادي وما تلاه حيث نجد كتب التاريخ والأدب والشعر واللغة مليئة بالأدلة على استئثار جزيرة تاروت «دارين» على مركز القيادة فيما يتعلق باستيراد وتصدير البخور والعطور حتى سمي العطر باسمها «داريَِِ» منسوب إلى دارين واعتبروه أفضل أنواع العطور وأخذ الشعراء يتغنون به في شعرهم طوال هذه الفترة كما أن الناس في زماننا يعتبرون «باريس» هي عاصمة العطور في العالم [1] .

ومن هنا جاءت الأدلة الأدبية في الشعر وغيره تؤيد استمرارية الأهمية التجارية لجزيرة تاروت وتؤيد الأدلة الأثرية التي ناقشناها في كتابنا «جزيرة تاروت» والتي تؤكد على أهمية هذه الجزيرة في المجال التجاري الاقصادي على مستوى الخليج العربي ولها صلات تجارية علىمستوى المحيط الهندي والبحر الأحمر وشرقي افريقيا منذ آلاف السنوات.

وانطلاقا من أهمية الشعر العربي باعتباره مصدرا مهما للتاريخ القديم والذي حفظ لنا الكثير من المعلومات عن البيئة والطبيعة والحوادث التاريخية في شبه الجزيرة العربي اعتمدنا عليه هنا كمصدر نستدل به على أهمية جزيرة تاروت باعتبارها المركز التجاري الأهم في الخليج العربي وخاصة فيما يتعلق باستيراد وتصدير البخور والعطور عند العرب.

ومن أهم الأبيات التي ذكرت جزيرة تاروت «دارين»[2] :

1- قال الأعشى وقيل البيت لغيره:

يمرون بالدهناء وخفافـاً عيابهـم      ويرجعن من دارين بجر الحقائب

قال النابغة المتوفى سنة 18 قبل الهجرة تقريبا حوالي 604م:

كقوم من أهل الهند صهبا لحاؤهم      يبيعون في دارين مسكنـاً وعنبـراً

قال أعشى قيس المتوفى عام 7هـ/ 629م:

لها أرج في البيت عال كأنما      ألـم مـن تجـر داريـن أركــب 

وذكرها ايضا وقال فيها[3] :

صـادت فـؤادي بعينـي مـغـزل خـذلـت      ترعـى أغـن غضيضـا طـرفـه خـرقـا
وجـيـدا أدمــا لـــم تـذعــر فرائـصـهـا      ترعى الأراك تعاطـي المـرد والورقـا
وكــعــل كـالـقــاء مــالـــت جـوانــبــه      لست مـن الـزل أوراكـا ومـا انتصقـا
كــأنــهــا درة زهــــــراء أخــرجــهــا      غواص دارين لا يخشى دونها الغرقا

قال جرير المتوفى 110هـ/ 728 م:

ذكرتنـا مسـك داري لـه أرج      وبالحنى خزامى طلها الرهم

وذكرها الفرزدق 110هـ فقال:

فلـمـا اجتمعـنـا بالعـالـي بينـنـا      ذكي أتى من أهل دارين تاجره

قال أبو نواس المتوفى عام 198هـ/814م:

فيـه مـدام كعيـن الـديـك صافـيـة      من مسك دارين فيها نفحة الفار

قال ابن الرومي المتوفي 283 هـ/ 896م [4] :

ثنائـي مسـك داريــن      وذكري عنبر الشحر

قال ابن هاني الأندلسي المتوفي عام 362 هـ [5] :

والمسك ملثم الثرى من ذكره      لا أن كــــل قــــراره داريـــــن

قال الشريف الرضي المتوفى 403 هـ:

وطاب ثراها والثرى غير طيب      وذاب نداها والندى غيـر ذائـب
كأن اليماني ذا العياب بأرضها      يقلب من دارين ما في الحقائب

وقال أيضا:

يهدي إلينا شفعها ووترهـا      عياب دارين حملن عطرها

وذكرها الشريف المرتضى المتوفي 436هـ:

كـــأنــــي ........ رب لـطــيــمــة      تجعجعها في سوق دارين عاطر

قال المعري المتوفي 449 هـ:

وفارة دارين اقتراها لطيبه      وما أمنت بلـواه فـارة داره

وقال ايضا:

من مسك ذي دارين أو مسك نجد      يلقـى بصنعتـهـا العبـيـر ويمـسـك

قال ابن زيدون المتوفي عام 463 ه 1071م [6] :

محاسـن مالـروض خامـره الـنـدى      رواء إذا نصـت حلالـهـا ولا نـشـر
متى انتشقت لم تطر دارين مسكها      حيـاء ولـم يفـخـر بعنـبـره الشـحـر

وهذ ابن حيوس المتوفى سنة 473 هـ:

أهدت إلى مصر دمشق على النوى      نظائـر مـا تهديـه داريــن والشـحـر

وابن الحداد المتوفى سنة 480 هـ:

عج بالحمى حيث الغياض الغين      فعـسـى تـعـن لـنـا مـهـاة العـيـن
واستقبلـن أرج النسيـم فـدارهـم      نــديـــة الأرجـــــاء لا داريــــــن

قال ابن حمديس المتوفى عان 527 هـ [7] :

وراهبـة أغلقـت ديرهـا      فكنا مـع الليـل زوارهـا
هدانا إليها شـذى قهـوة      تذيـع لأنـفـك أسـرارهـا
فما فاز بالمسك إلا فتى      تيمـم داريــن أو دارهــا

قال الأعمى التطيلي المتوفي 525 هـ [8] :

وأحسبـهـا غـنـت بـذكـرك مـوهـنـا      وأيـدي المطايـا بالـرحـال بـواشـك
لذلك جلاها من سنا الصبح شارق      وصاك بها من مسك دارين صانك

ويذكرها التعاويذي المتوفى سنة 583هـ [9] :

غراء ما دنست ملابسها على      أيــدي اللـئـام بنـائـل مـمـنـون
أرج الثناء يفـوح مـن أثنائهـا      وكأنـمـا جـاءتـك مــن داريــن

قال صفي الدين الحلي:

إن الـشـبـاب شـفـيـع نـشــر بـردتــه      من عطر دارين لا من عطر فنصور

قال ابن معتوق:

ومحجوبة لو ينظر البدر وجهها      لخر صريعا وانثنى وهـو مغـرم
إذا حدثـت فـي بقعـة أو تنفـسـت      ففي بابل أو باسم داريـن توسـم

وقال أيضا:

إن كان مـا بيـن الديـار قرابـة      فله إلـى داريـن أطيـب منتمـى
حرم به يمسي المهند محرمـا      ونرى به الماء المباح محرما

وهو القائل:

واد إذا دارين سافر طيبها      عنها غدا متوطنا بجهاتـه

وقال الشاعر:

ألقى فيها فلجان من مسك دا      ريـن وفلـج مــن فلـفـل حــزم

وقال أحدهم:

وإذ تنم وشاة الطيب عنك فـلا      أراك حتى أداري مسك دارين

وقيل فيها أيضا:

إذا الـتـاجـر الـــداري جــــاء بــفــأرة      من المسك راحت في مفارقهم تجري

وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا الصرصري [10] :

عطر الثرى أرج كأن لطيمة      من مسك دارين به تتضـوع

وقال أبو القاسم عبد الواحد بن الحريش الأصبهاني يرثي أبا العباس أحمد بن ابراهيم الضبي الملقب بالكافي الأوحد المتوفى سنة 399هـ [11] :

فلو طاف في دارين ما طاب مسكه     ولوعج فـي يبريـن مـا مـاج رملـه
فيا من يكد النفس في طلـب العلـى      اذا كبـرت نفـس الفتـى طـال شغلـه
 


 هكذا اصبحت جزيرة تاروت «دارين» مضرب المثل في الطيب والعطور واصبح العطر ينسب إليها على مر السنين ففيما سبق قد عرصنا أكثر من عشرين بيتا من الشعر ذكرت فيها دارين على أنها موطن الطيب والعطورالأول في جزيرة العرب منها يطلب لا من سواها وتعود هذه الأبيات إلى أكثر من ثلاثة وعشرين شاعرا عاشوا في فترات زمنية مختلفة امتدت من قبل الهجرة النبوية أي في أوائل القرن السابع الميلادي الى 583 هـ أي القرن الثاني عشر الميلادي وامتد التغني بها على مر العصور حتى أصبح العطار يسمى«داري» كما جاء في الرواية عن الرسول الأكرم «مثل الجليس الصالح كمثل الداري إن لم يحذك من عطره علقك من ريحه، ومثل الجليس السوء كمثل الكير إن لم يحرقك من شرار ناره علقك من نتنه».

قال الداري: العطار، نسب إلى دارين بلد ينسب العطر إليها، قال: إذا التاجر الداري جاء بفأرة من المسك راحت في مفارقه تجرى [12] .

وكما جاء في كلام أمير المؤمنين : «كأنه قلع داري عنجه نؤتيه» القلع: شراع السفينة، وداري منسوب إلى دارين وهي بلدة على البحر يجلب منها الطيب، وعنجه أي عطفه، يقال: عنجت الناقة أعنجها عنجا: إذا عطفتها، والنوتي: الملاح[13] .

وقالوا نما قيل لعبد الله بن كثير المقرئ: الداري، لأن الداري بلغة أهل مكة العطار وإنما سمي داريا لأنه نسب إلى دارين وهو موضع في البحر يؤتى منه بالطيب،[14] 

وكل ما سبق يؤكد بقاء الدور التجاري لجزيرة تاروت والذي استمر خلال الثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد وحتى القرن العاشر الميلادي والثاني عشر أي القرن السادس الهجري والذي يدل على أهمية هذه الجزيرة في الخليج على امتداد هذه الفترة الطويلة. فكما كان الفخار الموجود في جزيرة تاروت يدل على أهميتها التجارية في مملكة دلمون حيث مارس الانسان التاروتي دورا تجاريا كبيرا بين أقاليم المنطقة في الخليج العربي وبلاد الرافدين والمحيط الهندي وبلاد الشام ومصر وكما دلت المسكوكات الساسانية على الصلة التجارية الوثيقة ببلاد فارس دلت هذه الأبيات الشعرية على الدور الكبير الذي لعبته هذه الجزيرة في تجارة العطور بشكل ملفت للنظر وكأنها باريس اليوم.

[1]  لقد أوضحنا ذلك في كتابنا «جزيرة تاروت التاريخ والجغرافيا» وسوف نوضح هنا كيف الشعر اعطى دليلا واضحا وهاما في هذا المجال.
[2]  المقصود هنا جزيرة تاروت كما بينا سابقاً. ويرى البعض أنه يقصد التجار ويرى آخرون أنه يقصد بهذا البيت اللصوص وأعشى قيس هو ميمون بن قيس «أبو بصير» من شعراء الطبقة الأولى في الجاهلية وهو صناجة العرب كما يقولون وفي اسد الغابه أن هذه الأبيات قيلت في النعمان بن العجلان بن النعمان بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي وكان شاعراً فصيحاً سيداً في قومه واستعمله علي بن أبي طالب على البحرين، فجعل يعطي كل من جاءه من بني زريق، فقال فيه الشاعر‏:‏
أرى فتنةً قد ألهت النّاس عنكم فندلاً، زريق، المال من كلّ جانب
فإنّ ابن عجلان الّذي قد علمتم يبدد مال اللّه فعل المناهب
يمرّون بالدّهنا خفاقا عيابهم ويخرجن من دارين بجر الحقائب
[3]  يتضح من البيت شهرة تاروت بالغوص منذ القدم.
[4]  الشحر من مدن سواحل بحر العرب.
[5]  إمامي وهو اشعر أهل المغرب وهو كالمتنبي عند أهل المشرق «انظر الشيعة وفنون الاسلام للسيد حسن الصدر - وفيات الأعيان لابن خلكان».
[6]  هو الصاحب الوزير أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي القرشي الأندلسي القرطبي انظر «سير أعلام النبلاء للذهبي - وفيات الأعيان لبن خلكان».
[7]  هو عبد الجبار بن ابي بكر بن محمد بن حمديس الازدي الصقلي توفي عام 527 ه وقيل 516 ه انظر تاج العروس للزبيدي - تاريخ الاسلام للذهبي -والوافي بالوفيات للصفدي.
[8]  هو أحمد بن عبد الله بن هريرة القيسي شاعر اندلسي نشأ في اشبيلية ويعرف بالأعيمي له ديوان شعر كتبه الدكتور باقر عبد الغني «انظر مستدرك أعيان الشيعة لحسن الأمين» توفي عام 525 ه أنظر الوافي بالوفيات للصفدي.
[9]  هو رئيس الشعراء أبو الفتح محمد بن عبد الله التعاويذي البغدادي انظر سير أعلام النبلاء.
[10]  فوات الوفيات - محمد الكتبي ج4 ص 303.
[11]  أعيان الشيعة - يتيمة الدهر للثعلبي.
[12]  الفايق في غريب الحديث - جار الله الزمخشري - ج 1 - ص 384 لسان العرب - تاج العروس - الصحاح للجوهري - القاموس المحيط - مجمع البحرين للطريحي - النهاية في غريب الحديث لابن الأثير - اللمعة البيضاء للتبريزي الأنصاري - خزانة الأدب للبغدادي.
[13]  بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 62 - ص 32.
[14]  الأنساب - السمعاني - ج 2 - ص 443 - انظرأيضا وفيات الأعيان - الوافي بالوفيات.