ألبوم الصور
تاروت 1946م
قائمة المراسلات
اشتراك
انسحاب
3259324
اللؤلؤ مصدر ثراء الخليج والمعبر للتجارة العالمية
صحيفة الشرق الأوسط - « الدمام: علي الميداني » - 14 / 7 / 2007م - 2:32 ص

جاء اول وصف لعملية الغوص في ملحمة جلجامش عن زهرة الخلود، والتي يعتقد الباحثون أن المقصود بها هو اللؤلؤ، واستدلوا على ذلك من وصف طريقة الحصول على الزهرة من قاع البحر، وإن جذورها ممتدة في أرضه وإن الباحث عنها يستعين بحجر ثقيل لإيصاله إلى قاع البحر. واللؤلؤ كان لسنوات طويلة اساس لاقتصاد مجتمعات عاشت واتجرت فيه وكانت ادواتها لذلك بدائية الصنع مقرونة مع عزم الغواصين.

وما زالت دول الخليج العربي تعتز بتجارة اللؤلؤ وتنظر لها بحنين، كيف لا واللؤلؤ كان عماد الاقتصاد ومصدر الدخل لشعوب باكملها قبل ظهور النفط والغاز كما انه مد جسر التواصل بين سواحل الخليج العربي وبين العالم.  

يقول عبد الله آل عبد المحسن الباحث في التراث في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن موسم الغوص ينقسم الى رحلتين خلال السنة، الرحلة الأولى قصيرة قد تمتد ثلاثة أسابيع أو شهر ويطلق عليها «الغوص الصغير» والمرحلة الثانية ويطلق عليها «الخانجيه» أو «الخانكيه» وهي الرحلة التي تبدأ مع فصل الصيف في شهر مايو وتستمر ثلاثة اشهر ونصف إلى أربعة ونصف، وبعدها يعود البحارة حيث يستقبلهم الأهالي بالفرح والزغاريد والغناء والطبول.

يقول آل عبد المحسن ان الاستعدادات لرحلة الغوص قديما تبدأ أولا بتنظيف السفينة وفحصها ومعاينتها وإغلاق الفتحات ان وجدت خوفا من تسرب الماء لباطنها. ثم يحدد الربان (النوخده) يوماً لإحضار الأدوات والمعدات اللازمة للغوص، وإحضار الطعام والشراب ويطلق عليه «زواده». ويبلع عدد البحارة من 90 إلى 120 فردا في كل سفينة ويعتمد ذلك على كبر السفينة والتي تسمى خليجيا بـ«اللنج» أو «المحمل».

وتتعدد تسميات البحار بحسب مهنة كل واحد منهم، فهناك «النوخده» وهو ربان السفينة وتكون له الطاعة والسمع من البحارة، والغواص وهو الذي يقوم بالغوص في البحر للبحث عن الصدف، أما «السيب» فهو البحار الذي يقوم بسحب الغواص من البحر بعد أن يشعر بحركة الحبل الذي يحركه الغواص، وهناك الرديف وهو الشخص المناوب للسيب في حاله غيابه لظرف ما، كقضاء حاجة أو صلاة أو مرض، والتباب وهو من يفلق المحار للبحث عن اللؤلؤ، والنهام وهو مطرب السفينة العارف بتلحين أغاني الغوص فيشحذ همم البحارة للعمل الجاد وللترويح عنهم بعد عناء العمل، و«السكوني» وهو قائد السفينة العارف بطرق ومسلك السفن في البحر، معتمداً في ذلك على خبرته ومساعدة «لديره» التي تهديه للطريق في البحر.

ويعمل الغواصون حسب نظام متعارف عليه يتقاسمون فيه صافي الأرباح بنسب متفاوتة حسب رتب البحارة في السفينة فيتم أولاً ابعاد الخمس لصاحب السفينة وقيمة الطعام. والباقي يوزع على شكل أسهم تسمي «اقلاطات». فيأخذ النوخده سهماً والغواص سهماً في الرحلة الأولى، ثم يتحول إلى سهم إلا ربع في الرحلة الثانية. أما «السيب» فيعطى سهما إلا ربعا، وأحياناً يتم التقسيم كالآتي، النوخده له سهم واحد بحكم أنه المدبر للعمل وهو جامع اللؤلؤ والمتولي بيعه بينما إذا كان «النوخده» صاحب السفينة أي «مالكها» فإنه يأخذ إلى جانب ذلك الخمس. ويقسم الباقي بين البحارة بعد أن يخصم من قسمة كل واحد قيمة زاده.

ويستحضر إبراهيم آل ابريه ذكرياته مع الغوض الذي زاوله وعمره وقتها 12 سنة، حيث رافق خاله في أول رحلة غوص إلى منطقة السعيفة التي تقع في الزور شرق السعودية. وبعد تعلمه الغوص كان يذهب ماشيا من منطقته سنابس التابعة لجزيرة تاروت مع مجموعة من أصدقائه للغوص في مناطق تبعد كيلومترين عن اليابسة. ويذكر انه باع أول دانة حصل عليها بـ 800 ريال (213 دولارا). ويقول آل ابريه، ان الأدوات القديمة التي كان يستخدمها الغواصون كانت بدائية الصنع وتضم ما يعرف بـ«الفطام»، وهي قطعة صغيرة تصنع من عظام السلاحف طولها نحو إصبع، ولـ «الفطام» فتحة يضعها الغواص على أنفه لمنع تسرب الهواء ودخول الماء ، ثم «الديين»، وهو وعاء من الحبال الرفيعة كهيئة الغربال وله من الأعلى قوس من الخشب يضع الغائص المحار بداخله، و«الخبط» عبارة عن وعاء صغير من الجلد يوضع على أطراف الأصابع، يضعه الغواص أحيانا لحفظ أصابعه من شر الجروح التي تحدث له من بعض أنواع المحار، وأخيرا «الحجر» وهو قطعة من الرصاص أو الصخر تساعد الغواص على النزول إلى قاع البحر بواسطة ثقلها.

وعادة ما يرتدي الغواصون «الشمشول»، وهو سروال قصير أسود اللون، وقميصا له أكمام طويلة يلبسه الغواص ليتجنب هجوم حيوان هلامي يسمى «الدول»، ويحمل الغواص معه أيضا «الايدة»، وهي عبارة عن حبل طويل ليسحب «السيب» الغائض من قاع البحر بواسطته وطوله 72 مترا إلى 81 مترا، و«الزيبل» وهو حبل طويل يسحب السيب بواسطته الحجر من قاع البحر بعد وصول الغائص إلى قاع البحر وطوله نحو 36 مترا.

ويطلق الغواصون على أماكن الغوص «مغاصات» أو «هيراق» وهي كثيرة جداً ومنتشرة في عرض الخليج العربي، منها هير هوره، هور أبو سعفة، وهير لغليل، وهير لغبيبه، وهير القرين، وهير أبو عصيه، هير شدوخ، وهير أبو عمامة، وهير أم الخريش، وغيرها كثير.

يعرف الكثير اللؤلؤ على انه حجر كريم غالي الثمن وجميل الشكل، ويجهل الغالبية كيفية تكوين اللؤلؤ، والذي يتكون نتيجة دخول جسم غريب مثل ذرة رمل أو كائن دقيق داخل المحارة (الصدفة) فيتأذي الحيوان الرخو الذي يسكن داخل الصدفة فيدافع عن نفسه بأن يفرز مادة لؤلؤية تجعل ذلك الجسم الغريب أملس ناعما مستديرا تقريبا حتى لا يؤذيه، حيث يكسوه بطبقات من إفرازه، فتتكون من جراء ذلك اللؤلؤة، وتكون جودتها على قدر قوة إفراز الحيوان، والحيوان نفسه بواسطة إفرازاته يجعل داخل المحارة لامعا أملس وهذا السطح اللامع هو الذي يساعد على تكون اللؤلؤة فيعطيها الضوء البراق. ويصنف اللؤلؤ حسب الحجم والجودة والوزن، ويكسب سعره من خلال هذا التصنيف.

ولقياس وزن اللؤلؤ يستعمل عدد من الطاسات النحاسية المثقوبة والمعدة لهذا الغرض. ويسمى اللؤلؤ حسب الحجم، فالكبيرة الحجم منه يطلق عليها «رأس» وهي التي تحتجز في الطاسة الأولى، يليها «بطن» ثم «الذيل» و«السحتيت» وهو من أصغر الأنواع. ويصنف اللؤلؤ حسب الجمال والجودة، فتسمى اللؤلؤة الجميلة «جيون» وهي كلمة هندية وتعني الجميل، و«خشن» و«جولواه» و«بدله» و« ناعم» وأخيراً «بوكه».

ويصنف اهل الخليج اللؤلؤ من حيث اللون إلى المجموعات التالية: المشير الأبيض المشرب بحمرة وردية وهو أحسنها وأندرها، وإذا كانت اللآلئ بهذا اللون وكانت كاملة التكوين ملساء براقة، فهي أجودها قاطبة. والنباتي وهو الأبيض المشرب بحمرة أقل، غير ناصع البياض، وبه صفرة مثل لون السكر نبات. يليه الزجاجي وهو أبيض ناصع البياض زجاجي براق لامع كأنه شفاف، ثم السماوي وهو ما كان لونه سماويا مائلا للزرقة الخفيفة بلون زرقة السماء الصافية. ثم السنقباسي، وهي لفظة هندية، وهو اللون الذي يشتد فيه الأزرق أكثر من السماوي ويميل إلى الرمادي أكثر. والقلابي وهو اللؤلؤ ذو اللون الأبيض الممزوج بألوان الطيف الشمسي حيث يتقلب لونه بحسب الضوء. والخضراء وهي التي يميل لونها إلى الاخضرار، وهذا أردأ أنواع اللؤلؤ وأقله قيمة.  ويوضح علي مدن، الطواش وتاجر المجوهرات، أن سوق اللؤلؤ كان يقدر بالملايين، ولكنه حاليا غير متوفر بكميات كثيرة ولا يزال البعض يطلبه، خصوصا الغربيين الذين يقيمون في السعودية.

وساهم استخراج النفط في اندثار مهنة الغوص، حيث اتجه الكثير من الناس للعمل في معامل النفط. كما كان ابتكار الياباني ميكوموتو لأسلوب زراعة اللؤلؤ الوفير والرخيص، عاملا لانصراف أبناء الخليج عن مهنة استخراج اللؤلؤ الطبيعي.